GuidePedia

0
تلك الأنامل الغضّة الّتي لطالما حاولَتْ تطويق وجهها وهي مسترسلةٌ في حديث ما ..للفتِ نظرِها... أهدَتْها الكواكبَ والنجوم في لمسةٍ طفوليّة كانت تغرف منها كلّ حنان الأرض الّذي يفوق الأمومة ذاتها...هي نفس الأنامل الّتي كثيراً ما صفعَتْها ببراءةٍ... وتلا تلك الصّفعة ربيعٌ يتعرّش شغاف القلب مع كلّ ضحكةٍ طفوليّةٍ ترافقها.
هي ذاتها الأنامل التي اشتدَّ عودُها وكبرت... وطبعَتْ عليها قبلاتٍ بعدد النّجوم...كم قال لها: "أنا من عليّ أن أقبّلَ راحتَيْكِ أمّي"... وكان ردّها الوحيد: " لا ضيرَ بنيّ من تقبيلي حتّى لقدميك...فأنت لا تدرك أنّك ستبقى صغيري الأغلى مهما كبرت".
هي ذاتُها الأنامل الّتي لم تعد تبادلُها حتّى المصافحة وقد أحاط بِبُنْصُرِها الأيسر خاتم لم تتخيّل يوماً أنّه سيربطه بأنثى لطالما تمَنَّتْها ابنةً... ويبتر الحبل السّرّي الرّوحيّ الذي كان يربطها ب(صغيرها )...
لم يعد يعنيها أيّة شباك تهزّها بِكُرةِ لَومِها: أهي شباكه وقد استبدل صفعاته البريئة المُفرِحة بصفعات روحيّة أليمة حدّ الإدماء... أم شِباكُ الابنة المفترضة التي لم تَسْعَ لتكون ابنتها يوماً... أم هي شباك القدر ذاته؟!
لا فرق عندها...فأيّة شباك ستهتزّ لن تعلن إلّا خسارتها الكبيرة في كلّ الأحوال... فذلك الثّغر الوادع الّذي لطالما طبع على وجنتيها قبلاته الملائكيّة كلّما لمح طيف دمعةٍ في عينيها... باتت حِمَمُهُ تُهديها دموع قهرٍ لم تَجُدْ بها سحب السّماء مجتمعةً في يومٍ عاصفٍ رهيب...
كلّ ما تدريه الآن أنّ السّرير الّذي كانت (تهزّه بيدها اليمنى) لم يعد يتّسع لمن كَبُرَ فيه العقوق في غفلةٍ عن أمومتها... والعالم الّذي كان يفترض أن (تهزّه بيدها اليسرى) كما تقول الكتب... أصبح يتأرجح في عينيها وهي تتأمّل روحها وقد امتدّ إليها وَبَاءُ حبلِ السرّة الّذي فقدَتْهُ من جديد مع هزّاته الرّوحيّة المتكرّرة...وصرخاتُها التي ترافق آلام البترِ تهزُّ عالمَها وحدَها دون كلّ البشر الّذين لا يسمعون سوى صدى صمتٍ موجعٍ تُرَجِّعُهُ أخاديد وجهٍ تناثر فيه الفرح إلى أشلاء.
              
                                                                ثراء الرومي

إرسال تعليق

 
Top