GuidePedia

0

الـبهـائم

.
.
مهما انكبَّ الدارسون والباحثون على التراث العربيِّ، فإنهم لن يُحيطوا به، ولن ينتهوا منه، فهو محيطاتٌ وأنهارٌ ووديان وسفوح وسهول وجبال وهضاب وتلال موزعة في كل البقاع والأشتات، والذين يعرفون منه أشياء تغيب عنهم أشياء كثيرة.
ولا يوجد في أيِّ باب من أبواب المعرفة نموذج واحد أو نموذجان أو ثلاثة، فقد تكون هناك نماذج عديدة، لكنها مخفيَّةٌ، قد تكون هي الأصل، أو تكون الأولى.. أو تكون على غرار ما هو منشور ومتداول بين المُهْتمين.
مثلا، رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، ورسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي، ليستا وحدهما في تاريخ النثر العربي، من حيث خصائصهما الإبداعية، وإنما هناك رسائل أخرى تشبههما، بهذا أخبرنا الدكتور المحقق الراحل "إحسان عباس" في كتابه القيم (بحوث ودراسات في الأدب والتاريخ)، وهو في ثلاثة مجلدات ضخمة.
قادَ البحثُ "إحسان عباس" إلى اكتشاف أثريْنِ نثرييْنِ آخريْن نسجهما صاحباهما على منوال رسالتي المعري وابن شهيد، وينتمي الأثران إلى فترتين متفاوتتين، وصاحباهما ينتميان إلى المغرب العربي - بالمعنى الواسع -.
وسأقف في هذه الكلمة إلى أولهما هو (المنام الكبير) للوهراني، في القرن السادس...
ودون الخوض في تفاصيل، ومن أراد الاطلاع عليها يعود إلى كتاب "إحسان عباس"، لكن سأشيرُ إلى نصٍّ بديعٍ، تعرض فيه الوهراني لنماذج من الأشخاص بسخرية لاذعةٍ، وقد نعتَهم بالبهائمِ، حيث يقول:
«ومعلومٌ أنَّ البهائمَ لا توصفُ بالحُلومِ ولا تعيشُ بسماع العُلوم، ولا تطْربُ إلى شعر أبي تمام، ولا تعرفُ الحارث بن همام، ولاسيَّما البغال التي تشتغلُ في جميع الأشغال: مسْكبة من القصيل، أحبُّ إليها من كتاب التحصيل، وقُفَّةٌ من الدَّريس أشهى إليها من فقه محمد بن إدريس، لوْ أكلَ البغْلُ كتاب المقامات ماتَ، ولوْ قيل له أنتَ هالكٌ، إنْ لمْ تأكلْ موطأ مالك، ما قَبِلَ ذلك، وكذلك الجَمَل، لا يتغذَّى بشرْحِ أبيات الجُمَلِ، وحُزْمةٌ من الكلأ أحبُّ إليه من شِعْر أبي العلاء...».
أليس هذا النص القديم يصدقُ على كثيرٍ من أهل عصرنا هذا؟!
أليست أحوال أشخاصٍ عديدين تشبه أحوال حيوانات الوهراني، وبخاصة أولائك الذين يشتغلون في جميع الأشغال إلا القراءة والمعرفة؟!
إنَّ البهائم لا تطلق على جنس الحيوانات فقط، وإنما على بعض البشر أيضاً!

إرسال تعليق

 
Top