أشـبـاح فـي بـيـتي
""""""""""""""""""""" قصة قصيرة
يتناهى إلى أذنيّ صوت انهمار ماء يصفعُ وجه (المغسَلة )..قمتُ من فراشي متجها صوب غرفة المطبخ ،اغلقتُ سدادة الحنفية ،فأنقطع الماء ، عدتُ الى فراشي ،جلستُ قليلا على حافة السرير ..لبثتُ برهة من الوقت..أنهيتُ سيجارتي ورميتُ عقبها في المطفئة ..تمددتُ فوق فراشي وسحبت البطانية فوق جسدي موشِحاً نصف وجهي ..غفوتُ قليلا محاولا طرد كل صورة ترتسم في مخيلتي عن نهاري الذي مضى ..لمحتُ عقارب الساعة الجدارية ..الساعة الواحدة والربع بعد منتصف الليل ..
استرخى جسمي لدفء البطانية فغلبني النوم ،لا أعلم بالضبط كم مرّ ت من الوقت ،عندما سمعتُ صوت آنية فخار تتكسر على أرضية المطبخ
..نفضتُ ثقل أجفاني عنوة وأزحتُ البطانية جانبا وأسرعتُ مهرولاً ،عند عتبة الباب ..لفتَ انتباهي الصحن المتشظي قطعاً صغيرة ..ألقيتُ نظرة تفحص على محتويات المطبخ .. كل شيء كان في مكانه ،وفق ترتيب يدي ..الصحن المكسور كان مكانه فوق الصحون الأخرى في الزاوية البعيدة ،لم أكن متيقناً على وجه الدقة .
هل أنني أغلقت درفة خانة الصحون أم لا ؟لا أستطيع الجزم بذلك ، زوجتي كانت تحبُ توظيب البيت والاعتناء به أكثر مني ..غابت عن البيت منذ عدة أيام ..وعلى وجه الدقة عشرة أيام وعدة ساعات ..إلى حد هذه الساعة ست ساعات بالتمام ..
من الطبيعي أن تصطحب طفلي الصغير معها لبيت أهلها ،لا يستطيع فراق أمه ولا هي تستطيع أن تتركه معي لست مهملا لكني لا أعرف أن أخدمه في تنفيذ طلباته أو في تبديل ملابسه أو( تشطيفه) بالحمّام ،
أخرج لوظيفتي كل يوم وأعود بعد الظهر وامكث في البيت حتى صباح اليوم التالي .
لم تكن تتلفن لي ولا هي تُجيب على مكالمتي لها ..في الأيام الأولى كانت تضغط على زر الرفض في نقالها والايام التالية اغلقت جهازها نهائيا ،الخلاف كان ينشب بيني وبينها على الاتصالات النسائية التي كانت تردني طوال بقائي في البيت.
لست صاحب مزاج في اقامة علاقة مع أية امرأة ..كل النساء اللواتي يتصلن بي كنّ من أجل شؤون العمل ..أنا رئيسهن فقط ..لم أفكر قط أن تكون إحداهن خليلة لي رغم وسامتي وسطوع كاريزمتي ..ياالله ..صوت أفزعني ..تكسّر صحون كثيرة أسمعها من جهة المطبخ ،هرعتُ بكل سرعتي لأستكشف الأمر ..الغريب أني لم أجد شيئا مكسورا ..الصحون في مكانها خلف الباب الزجاجي وأرضية المطبخ نظيفة من قطع الزجاج التي كانت على الأرض ..من رفع الزجاج المتكسّر ونظّفَ المكان ؟
مالذي يحدث بحق الله ؟تفحصتُ الباب المفضي من المطبخ ومنه إلى الحديقة ،وجدته مقفلا ،حدجتُ بمحتويات الحديقة من خلف زجاج الباب ،كل شيء كان ساكنا ،البيوت القريبة تهجع باسترخاء فيما كانت الأضواء الخافتة التي تنبعث من نوافذ البيوت الغافية،
عدتُ إلى فراشي ،اشعلتُ سيجارة وجلست أسترجعُ ما مضى من الأيام الفائتة عندما كنت أنام بهدوء حتى الصباح ،لا يوقظني سوى صوت منبه الموبايل ، أخرجتُ نصف وجهي ،عيناي ترنوان صوب باب المطبخ المفتوح ،لم أستطع النوم ،والوقت يمر،تذكرتُ علبة الحبوب ،ابتلعتُ حبة (اللرمين) وتوسدتُ ذراعي منتظرا تأثير مفعول الحبة .. قبل أن أغمض عيناي ،رأيتُ ظلا لشخص ما في زواية الباب القريبة.. ثمة ظل باهت يتحرك في كل إتجاه ،ثم سمعتُ صوت أقدام تدبُ على يلاط المطبخ ،
أرهفتُ السمع وقلبي يكاد يخرج من بين أضلعي ..أسمعُ شخصا ما يحرك ابريق الشاي ويفتح باب خانة الصحون ..ما ان اعتدلتُ مستويا على فراشي متاهبا لكل طارئ..
انطفأت الكهرباء وأُظلم البيت برمته ،
..الكهرباء الوطنية انطفات ،بحثتُ عن قداحة سجائري لم أجدها قرب العلبة ،حرّكت العلبة ،سمعتها تسقط تحت السرير ،انحنيتُ أتهجّس كالأعمى بأصابعي المرتعشة علني أمسكها ،وجهي إزاء المطبخ لا يحول عنه ،أمسكتُ بالقداحة لأشعل ضوءها ،خذلني الضوء ولم يتوهج ،
_مَن هناك .؟.انطلقَ الصوت من حنجرتي متحشرجاً كأنه يخرج من قرارة بئر عميقة ،
_مَن في المطبخ ؟لا شيء يعيد لي توازني وأنا أفقد صوتي الذي غدا متقطعا رغما عني ..شعرتُ أن حنجرتي غابت عنها أوتارها بعيدا في لجة الظلمة ،
_حتى أنت ياصاحب المولّدة الكهربائية الأهلية لا تسعفني في محنتي ؟قلتها في نفسي قبل أن يقاطعني صوت ضحكة طويلة لصوت امرأة ،إنه يشبه صوت زوجتي ،لا يغيب عني صوتها وضحكتها بالذات ،نهضتُ من مكاني اتعثر بطرف السجادة ،وأنا أصيح :
_(خالدة )..هل أنتِ هنا هذه ضحكتك ..متى عدتِ يا حبيتي؟ ..كم تمنيتُ أن تتكرر تلك الضحكة ..عدتُ إلى مكاني على طرف السرير ..سمعتُ صوت فحيح لأفعى هائلة أصمّ أذنيّ،ثم تبعه صوت فتح صنبور الماء ،خفت الفحيح وعاد صوت الماء وهو يتقافز فوق صفحة (سِنك )غسل الصحون والأواني .
لا يمكن أن أقنع نفسي أنها زوجتي ..هل دخلتْ إلى البيت دون أن أدري ؟!..الدخول إلى المطبخ من الباب الذي يحاذي غرفتي .. عبر الرواق الملاصق لغرفتي ،أمّا إذا كانت قد دخلت عن طريق الحديقة ومن ثم عبر باب المطبخ فهذا لا يعقل أبدا لأنني أملك سوى نسخة واحدة من المفتاح، وهاهو معلّق في المسمار أمامي ، سيأتي النور وسأرى المفتاح كما وضعته أنا ،نهضتُ متجهاً صوب الجدار المقابل كي اتلّمس المفتاح ..وجدتُ المسمار شامخاً في مكانه ولم أجد المفتاح .
،فجاة رأيتُ شبحاً يقفز خارجا من المطبخ ..ويقف أمامي لم أستطع أن أحدد شكله الخارجي ،كان طويلا رأسه يدق بالسقف ،يمسك بآلة حديدية ..انحنى ممسكاً بطرف السجادة .. جذبَ السجادة من تحت قدمي بكل قوة ،طار جسدي في الهواء ،ثم لم يلبث أن تكوّم على الأرض، فيما كان طرف رأسي العلوي يرتطم بالجدار ،
، فقدتُ التركيز بعد تلك الضربة.. بدا شكله هلاميا مرعباً ،يملأ فضاء المكان بجسمه الضخم تشكّل كرغوة صابون تكبر رويداّ رويدا ..بغتة اشتعلت الأضواء ...تنفستُ بعمق ،فتحتُ عيناي .. بعد نفاد صبري وانهيار كياني كليا ً ..
وجدتها أمامي ..تقفُ ضاحكة ،قطعت ضحكتها وتمتمت بأسف ظاهر وهي تقتربُ مني :
_آسف حبيبي.. كم أنا سخيفة ،كنتُ أمازحك والله ِ.
ولدي الصغير يلوذُ بها عن بعد خطوتين .. كان ينظر إليّ بعينين دامعتين .
بقلم /عادل المعموري

إرسال تعليق