GuidePedia

0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
برنامج نور الإيمان والحلقة الثالثة  بعنوان:
(عظمة ليلة القدرسيدة الليالي)
إعداد وتقديم أ / جنان بديع شحروري
------------------------------
يقول الشاعر:
في ليلةِ القدرِ المُعَلَّى قدرُهـــــا
جئناكَ، جئنا مُثْقَلاً أو ضالعــــا
فانظرْ لنا نَظَرَ الحنانِ، وجُدْ لنا
وامنحْ عبادَك رفعةً ومنافعـــــا
لقد منَّ الله تبارك وتعالى على أمَّة محمد بأن اختصَّها على غيرها من الأمم بخصائص عديدة، من هذه الخصائص تلك الليلة العظيمة المباركة التي هي خير ليالي العام على الإطلاق، والتي نزل فيها القرآن الكريم، ويُكتب فيها ما يكون في سنتها من موت وحياة ورزق ومطر، وقد جعل الله عزَّ وجلَّ العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر، فليلة القدر لها شأن عظيم عند الله عز وجل وعند رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك لها شأن عظيم عند المؤمن، لما فيها من الخير العظيم الذي يتنزل فيها من عند الله عز وجل، وإنها كذلك من فيوضات الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة .
ففي ليلة السابع عشر من رمضان والنبي صلى الله عليه وسلم في الأربعين من عمره أذن الله عز وجل للنور أن يتنزل، فإذا جبريل عليه السلام آخذ بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: اقرأ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلاْكْرَمُ [العلق:1-3]. فرجع بها رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يرجف فؤاده)) [البخاري:3].
وهكذا نزلت أول آية من هذا الكتاب العظيم على النبي الرؤوف الرحيم في هذا الشهر العظيم.هكذا شهدت أيامه المباركة اتصال الأرض بالسماء، وتنزل الوحي بالنور والضياء، فأشرقت الأرض بنور ربها وانقشعت ظلمات الجاهلية .
ومن قبل ذلك شهد هذا الشهر الكريم نزولاً آخر، إنه نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وكان ذلك في ليلة القدر ((إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ)) [القدر:1]. ((إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ))[الدخان:2]. قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة [النسائي والحاكم]. وقال ابن جرير: نزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان ثم أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم على ما أراد الله إنزاله إليه.إنها تلك الليلة الموعودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وانبهار، ليلة الاتصال بين الأرض والملأ الأعلى، ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته وفي آثاره في حياة البشرية جميعاً.
فأي نعمة أعظم من نعمة نزول القرآن؟ نعمة لا يسعها حمد البشر فحمد الله نفسه على هذه النعمة قال سبحانه وتعالى: ((ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا)) [الكهف:1].
ولقد سميت بليلة القدر لأنّ الله يقدّر ما سيكون في تلك السنة للعبد ، وقيل لأنّها ليلة قديرة ذات مكانة عالية عند الله تعالى ، وقيل لأنّها اللّيلة التي هي خير من ألف شهر وبها أنزل الله تعالى كتابه الكريم على سيّدنا محمد عليه الصلاة والسّلام ، وقيل لأنّها ليلة تنزل بها ملائكة يعظم قدرهم عند الله تعالى ، وقيل أيضاً أنّ العبادات والطّاعات في هذه اللّيلة من العباد لها قدر كبير عند الله تعالى ، وبالرّغم من معانيها المتعدّدة إلا أنّها ليلة عظيمة بقدرها، وهي إحدى ليالي رمضان الفضيل، واقعة في الثلث الأخير منه، وفي الأوتار خاصّةً، ولقد رجّح أنّها ليلة السابع والعشرين من رمضان، حيث ينتظرها المسلمون من كل عام لإحيائها بالصلاة فيها، وقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، إضافة إلى قيام الليل بالدعاء والتضرّع، والابتهال إلى الله بتغيير الأحوال وتحسين الظروف، وقبول الأعمال ، فللعبادة فيها قدر عظيم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه .
وقال الله تعالى: ﴿ فيها يُفرَقُ كُلّ أَمرٍ حَكِيم ﴾ لأن فيها تقدير الأمور والأحكام والأرزاقِ من تلك اللّيلة إلى مثلها مِن قابل (أي السنة التي تليها) فالله يظهر ذلك للملائكة ويبيّن لهم ما هم مأمورون بفعله فينسخون في صحفهم من اللّوح المحفوظ ما يجري للعباد خلال هذه السّنة من موت وحياة وولادة وأرزاق ومصائب وفَرح ونحوِ ذلك، وفي هذا اليوم الذي يقع في ليلة القدر كما وردت في الأحاديث الصحيحة ننهي ختمة القرآن الكريم ؛ ونحيي بعض الليل ؛ بتلاوة ؛ وصلاة تهجد ؛ وقيام ليل ؛ وذكر إن شاء الله ؛ فقيام ليلة القَدر يحصل بالصّلاة فيها إن كان عدد الرّكعات كثيرا أو قَليلا وإطالة الصلاة بالقراءة أفضل من تكثير السّجود مع تقليل القراءة، فهي ليلة عظيمة الشأن لا تكون إلا في شهر رمضان ولا يشترط أن تكون ليلة السابع والعشرين منه وقد تكون في أوّله أو آخره والأغلب في العشر الأواخر من رمضان. قال عليه الصلاة والسلام : « التَمِسُوها في العَشرِ الأواخِر مِن رمَضان » رواه البخاري ومسلم وغيرهما. والأغلب أنّها تكون وِتْرا، والحكمةُ مِن إخفَائها ليتحقق اجتهاد العباد في ليالي رمضان كلّها طمعا منهم في إدراكها كما أخفَى الله ساعةَ الإجابة في الجمعة .
والمستحب أن نكثر من هذا الدعاء: اللهم ، إنك عفو تحب العفو، فاعف عني .
فعن عبد الله بن بريدة أن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن وافيت ليلة القدر فما أقول ؟ قال : " قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " .
ويجب أن نكثر من الإستغفار لأنه نعمة من نعم الله تعالى على الإنسان ؛ فلولاه لما استطاع الواحد منا أن يكفّر عن ذنوبه و يطلب من الله المغفرة ولكان بني آدم جميعهم هالكون بسبب ذنوبهم . فعندما منّ الله علينا بهذه النعمة ، عرف الإنسان بأن الله سبحانه وتعالى لم يتركنا في هذه الدنيا ، بل هو معنا في كل لحظة من حياتنا ، يراقبنا خلال أعمالنا الصالحة والسيئة منها ، ويقول لمن أشقى نفسه بالذنوب باب التوبة مفتوح لي ، باب المغفرة لم يغلقْ بعد ، أقبلْ ياعبدي واستغفرْ .. وستفتحْ لك صفحةٌ جديدة في حياتك خالية من الذنوب . فالاستغفار نعمة عظيمه لكن أغلبنا يجهلها ويجهل فوائدها (أستغفر الله العظيم و أتوب إليه) كلمات بسيطة تسطيع أن تغير حالك من حال إلى أفضل حال ، فالله كتب على نفسه المغفرة والرحمة أيضاً ، فهو سبحانه لا يغفرلنا الذنب فقط ، يل يشملنا برحمته و كرمه و عطفه ، فيكفر عن ذنوبنا و يرزقنا راحة البال والطمأنينة لوجوده تعالى معنا ، و يرزقنا من كرمه و رزقه الواسع الذي لا ينضب ، في المال والصحة والوقت فمن يريد أن يديم الله تعالى عليه سعادته في الدارين ، فليكثر من الإستغفار الذي هو باب السعادة في الدنيا و الذي بدوره سيوصلنا إلى باب السعادة في الآخرة وهو الجنة .
وليلة القدر هي ليلة عظيمة الدْر، رفيعة الشأن، من حاز شرفها فاز وغنم، ومن خسرها خاب وحرم، والعبادة فيها خير مِن عبادة ألْف شهر.فهي ليلة المغفرة كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) البخاري ومسلم .والإيمان هو: التصديق بفضلها، والتصديق بمشروعية العمل فيها. والعمل المشروع فيها هو الصلاة، والقراءة، والدعاء، والابتهال، والخشوع، ونحو ذلك..
وأما الاحتساب: فمعناه خلوص النية، وصدق الطوية، بحيث لا يكون في قلبك شك ولا تردد، وبحيث لا تريد من صلاتك، ولا من قيامك شيئاً من حطام الدنيا، ولا شيئاً من المدح، ولا الثناء عليه، إنما تريد أجره من الله تعالى، فهذا هو معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إيماناً واحتساباً .
فلهذه الليلة فضائل كثيرة وعظيمة، من حُرم خيرها فهو المحروم حقًّا، ومن وفقه الله عزّ وجلّ لقيامها فهو الفائز السَّعيد إن شاء الله .
ولليلة القدْر علامات تعرف بها، ثبتتْ بسنّة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومن هذه العلامات:
العلامة الأولى: أنّها ليلة مضيئة؛ فعن واثلة بن الأسْقع - رضي الله عنه - أنّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ليلةُ القَدْر ليلةٌ بَلَجَة، لا حارَّة ولا بارِدة، ولا يُرمَى فيها بنَجْم)).
العلامة الثانية: أنّ ليلتها معتدلة، لا حارّة ولا باردة؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لَيْلة طَلْقَة، لا حارَّة ولا بارِدة، تُصبح الشمسُ يومَها حمراءَ ضعيفةً)).
العلامة الثالثة: أنّ الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاعَ لها؛ فعن أُبيِّ بن كعب - رضي الله عنه - أنّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أخْبر أنّ من علاماتها أنّ الشمس تطلع صبيحتها لا شُعاع لها .
فمن يريد الرفعة بهذا القرآن ، فهذا هو شهر البر والإيمان والقرابين وإن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين ، وفي رمضان يجتمع الصوم والقرآن، فتدرك المؤمن الصادق شفاعتان، يشفع له القرآن لقيامه، ويشفع له الصيام لصيامه، قال صلى الله عليه وسلم: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان)) ، وبجب أن نعلم أنه ينبغي للإنسان المؤمن أن يعمل بالطاعات في ليالي رمضان كلِها حتى يصيب تلك الليلة كيلا
يفوته ثواب إحيائها ولو لم يرعلاماتها في اليقظة أو في المنام .
فيجب أن نهيء الزاد ليوم المعاد ونحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسب ونستعد ليوم لا بد فيه من أن ندخل حفرة القبر، والقبر بابٌ وكلُّ الناس داخله وملَكُ الموتِ لا يستأذن كبيرًا كما لا يستأذنُ صغيرًا ولا يترك قويًا معافًى كما لا يترك مريضًا سقيمًا أو شيخًا هرمًا فعلينا بالطاعة والتوبة قبل الموت .
وها نحن ؛ تُقْبِل علينا هذه الليالي الفاخرة، الليالي العظيمة، التي هي أعظم ليالي هذا الشهر الكريم، وهي أعظم ليالي العام قاطبة، ذلك أنّ فيها مِن الخيرات التي تتضمنها ليلة القدر ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3]، وهكذا ما يكون مِن أنواع النّعم الأخرى، التي تكون في الليالي الأخرى سوى ليلة القدر، فهذه الليالي خير كلها، أوَليس فيها مِن عتْقِ اللهِ لعباده مِن النار في كل ليلة ما الله به عليم؟! أوَليس فيها مِن قَبُول الدَّعوات، واستجابة الطلبات، ومضاعفة الأعمال ما الله به عليم، ولذلك كان نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم يخصُّ هذه الليالي العشر بمزيد عناية ورعاية، وقد جاء في الصحيحين من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: (كان رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل العشرُ، شَدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله). هذا لفظ البخاري، وجاء عند مسلم: قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشرُ، أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجَدَّ، وشدَّ المئزرَ). وهذا يدلّ على ما كان عليه البيت النَّبويُّ من الاجتهاد في العِبادة، وزيادتها في العشر الأواخر من رمضان، وما ذلك إلا لأجل الزيادة، والتّقرّب إلى الله سبحانه وتعالى في هذه الليالي العظيمة، والتي فيها ليلة القدر، التي نزلتْ فيها سورة كاملة من القرآن العظيم تُعَظِّم شأنها، وتُشَرِّف قدْرها، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 1- 5] صدق الله العظيم
نسأل الله أن يجعلنا ممن يوفقون لقيامها ويعيننا على ذلك، ونسأله أن يجعل قيامنا بين يديه خير قيام، ونسأله إخلاصا لوجهه وخشوعا بين يديه وبارك اللهم لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم .
وإلى اللقاء مع الحلقة الأخيرة من نور الإيمان بإدن الله وكل عام وأنتم بخير . رمضان كريم ..تحياتي

إرسال تعليق

 
Top