يوميات وكيل نيابة
البطة والمحامى
بقلم : المستشار بهاء المرى
----------------------------
ما من مللٍ أصيب به أحد قط ، كذلك الذى يصيب ممثل الاتهام فى جلسة الجنح بمحاكم الريف ، إنه
الجالس - الصامت - إلى المنصة ، إلا إذا طلب منه القاضى شيئا ، وغالبا
لا يطلب لأنه لاوقت لديه حتى ليلتفت صوبه ، ومن ثم يُشاغل نفسه بمتابعة انفعالات
المتهمين وزويهم ، أو المجنى عليهم ، أو أى من المحامين أو الحضور ، أو ما يصدر عن
كل هؤلاء من مواقف ، سواء أكانت مؤلمة أمْ مُضحكة ، ثم الشرود للتفكير فيما لا تدع
ظروف العمل مجالا للتفكير فيه من الأمور سواء العامة منها أم الخاصة .
وما
يلبث القاضى أن ينظر ربع عدد القضايا المدونة بالرول ، إلا وسرعان ما تخيم الرتابة
على جو القاعة ، ما لم يأت أحد المتهمين أو المحامين بموقف فكاهى ، يستشعر الجميع
أنه تلقائى بحت وابن لحظته ، وما عدا ذلك فإن الملل الفظيع يكون هو حظ وكيل
النيابة الحاضر بالجلسة ، ومن ثم فإن سلطان النوم يأتيه على عَجل ، فيهوى بكل
طاقته على رأس ذلك الجالس الصامت ، فيجعل من كل دقيقة تمر ليلا طويلا سرمدا ، ويظل
هكذا حتى يأتيه الفرج ويرفع القاضى الجلسة ، وهنا يستشعر وكيل النيابة أنه قد فُك
أسره .
إنها
روايات واحدة وإن اختلَفَت شُخوصها ومسارح الأحداث فيها ، بيْدَ أنَّ هذه الروايات
كثيرا ما تتمخض عن مواقف ومفارقات ، سرعان ما تطيح بمثل هذا الكسل من فرط طرافتها وتبعث الحياة فى الجلسة من جديد ، بل
تدعوا من بعد إلى عميق التأمل والتفكر فيها .
فبينما
كنتُ ممثلا للنيابة العامة بإحدى هذه الجلسات ، وكانت الجلسة تسير على مثل هذه
الوتيرة من الملل ، وقف المتهم أمام المنصة فسأله القاضى :
- هل
سرَقت بطة فلان ؟
وقبل
أن يُجيب المتهم عن هذا الاتهام ، انبرى أحد المحامين من بين الجالسين فى الصفوف الأولى
فى هِمة ونشاط سبَق بهما المتهم نفسه ، وتوجه بحديثه مباشرة إلى القاضى يقول :
- نعم ، لقد
أخذ موكلى فعلاً هذه البطة !
فتعجب
الناس من قوله ، وسَرَت فى القاعة همهمة بين المحامين سرعان ما تلاشت حين دق
القاضى بمؤخرة قلمه الرصاص على المنصة وبدت علامات هذه الدهشة على وجوههم ، فما
لهذا المحامى يُقر بارتكاب موكله جريمة سرقة ، هل قبض منه أتعابا ليزج به فى السجن
أم ليدافع عنه ويبرئ ساحته !
وهنا
عادت الروح إلى الجلسة ، وانتبه كل من كان قد نال منه الكسل وأصبح الجميع مثلى فى
شوق لسماع هذه المرافعة الفريدة .
وانتبهتُ
معهم من شبه غفوة كانت قد أثقلت رأسى ، وأطاح قول المحامى بسلطان النوم عنى بلا
رجعة ، بيْدَ أنَّ قوله هذا لم يُصبنِى بمثل هذا الاستغراب الذى شاهدته على الوجوه
الحاضرة بالجلسة ، فإن استهلال المحامى لمرافعته بتلك العبارة ، لايعنى أبدا أنه
يُقر بارتكاب موكله الجريمة المنسوبة إليه ، وإنما هو من غير شك تخريج طريف
للواقعة ، لا بد أن يكون مقصده منه البراءة حتى وإن لم يطلبها صراحة .
وقبل
أن يُجهد الحاضرون أنفسهم فى فهْم ما حدث أو استنباط ما يرمى إليه المحامى ، فقد
أراحهم هو من ذلك إذ استطرد يقول :
- إن
موكلى جار للمجنى عليه ، وقد شاهَده الأخير وبعض الجيران المتلاصقة أسطح منازلهم ،
وهو يأخذ البطة المدَّعى بسرقتها ، ولكنى أوضح لعدالة المحكمة نقطة غاية فى
الأهمية ، فإن هذه التى ادَّعى المجنى عليه أنها بطة لم تكن كذلك ، وإنما هو ذكر
من البط ، ولم يكن استحصال موكلى عليه بنية تملكه ، وإنما لأن لديه عدداً من إناث
البط كان فى حاجة لمثل هذا الذكر ، وكان سوف يعيده لصاحبه !
وهنا
ضجت القاعة بالضحك عن آخرها ، وضحكنا أنا والقاضى معهم ولكن سرعان ما عادت إلى
طبيعتها عندما دق القاضى مرة أخرى على المنصة وقال :
- حضورى
ستة أشهر !
وقد
أعجبتنى بحق فراسة هذا المحامى ، وأبهرنى الدفاع الذى قال به ، وأعتقد أنه لولا
أنَّ المسروق بطة ، وأنَّ العِبارة التى صاغ بها دفاعه حول انتفاء ركن الاختلاس
تُعد كوميدية بطبيعتها لكان قد تغيَّر وجه الرأى فى الدعوى ، ذلك أن الركن المادى
فى جريمة السرقة هو اختلاس مال منقول مملوك للغير بنية تملكه ، ومن ثم إذا انتفت
نية التملك تهاوت الجريمة .
وفى
البداية اعتقدتُ أن المحكمة لو لم تعتبر دفاعه من قبيل خفة ظِل اقتضتها ظروف
الواقعة لكانت قد حقَّقت دفاعه ، ولكنى علمت من القاضى بعد انتهاء الجلسة ، أن
المتهم قد اعترف فى تحقيقات النيابة العامة بسرقة البطة ، وأنه لم يقل بشئ مما قال
به المحامى فى دفاعه ، ومن ثم قُضى الأمر وكان ذلك الحكم .
-----------------------
فى أبريل 1988

إرسال تعليق