GuidePedia

0
هو عبد القادر بن محي الدين بن مصطفى بن محمد بن المختار بن عبد القادر بن أحمد بن محمد بن عبد القوي بن يوسف بن أحمد بن شعبان من الادارسة الذين حكموا المغرب العربي في القرن التاسع الهجري ولايزالون فيه يرجع نسبهم الى ادريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن ابي طالب رضوان الله عليهم وكان عبد القادرهوالابن الثالث لمحي الدين (سيدي محي الدين) . للطريقة القادرية الصوفية في المغرب وشمال افريقيا .
اما امه فهي الزهرة بنت الشيخ سيدي بو دومة وكانت سيدة مثقفة مؤمنة.
.
ولد الاميرعبد القادر الجزائري في السادس من سبتمبر ايلول 1808 بقرية ( بوحجر) التابعة لولاية ( معسكر القيطنة ) في الجزائر.
.
تعلم القراءة والكتابة في سن الخامسة من عمره وتعلم تعليما صوفيا وحفظ القران الكريم ودرس الحديث الشريف ومختلف العلوم الدينية والفقهية وكان لوالده اليد الطولى في ذلك .كما كان فارسا شجاعا تعلم الفروسية والشجاعة وفنون القتال. ثم ارسله ابوه الى ( وهران) فتعلم على يد استاذه (الشيخ احمد بن الخوجة) وتعلم الحساب والجغرافية والفلسفة على يد استاذه ( الشيخ احمد بن الطاهر البطيوي) قاضي مدينة ( ارزيو ) ثم عاد الى بلدته ( القيطنة ) وهو في الخامسة عشرة من عمره وبعد عودته إلى بلدة ( القيطنة ) بادر والده إلى تزويجه واختارله ابنة عمه ( لالة ) وكانت تجمع بين محاسن الخلق والنسب الشريف .
.
وكان والده محي الدين إضافة لكونه شيخ الطريقة القادرية في بلاده ذا مكانة رفيعة بين عامة الناس ومن أعيانهم وقد دفعت آرائه وافكاره بالحاكم العثماني في مدينة ( وهران ) الى تحديد اقامته في بيته ففكر بالخروج من هذا المحبس بان يتوجه الى الحج لاداء فريضة الحج واصطحب ابنه عبد القادر الذي بلغ من العمر ثماني عشر عاما فكانت رحلة موفقة سافر فيها الى تونس ومصر والحجاز ثم زار العراق والشام في طريق عودته ثم برقة وطرابس وقد كانت مدة سفرهم ثلاث سنوات بين1825 و 1828 ميلادية .
.
وكان الأمير عبدالقادر الجزائري متصوفا، وقد تأثر في شعره الصوفي بمحيي الدين بن عربي في (الفتوحات المكية) وقلد ابن الفارض في صياغته، ولكن تصوفه ينبع من الموارد الإسلامية الأصيلة ومن حبه للنبي الكريم محمد وآل بيته الاطهار صلى الله عليه وسلم ، فهو ربما يختلف عن اتجاهات (أصحاب الطرق ) الذين لم يأخذوا من الإسلام الجوهر بل جنحوا إلى الشكل وولع بعضهم بالخرافات. ومن ثم كانت صحيفة حياته بيضاء من غير سوء بما قدم لدينه وقومه من تقوى وورع ومن مروءة وإقدام وإرداة صلبة في الدفاع عن الدين والوطن مهما اشتد الكرب وعظمت التضحيات في السلم أو في الحرب .
.
وبعد العودة استقرا في قريتهم( القيطنة ) ثم اقدمت ( فرنسا) على شن حملة عسكرية على الجزائر في صيف عام 1830 وتمكنت من احتلال العاصمة ( الجزائر) حيث استسلم الحاكم العثماني( داي حسين ) الى الفرنسيين .
.
التفت جموع الشعب في الجزائرحول والده محي الدين وخاصة أنه حقق عدة انتصارات على العدوالمحتل ، وقد كان عبد القادر على رأس الجيش في كثير من هذه الانتصارات. اقترح محي الدين ان يكون إبنه عبد القادر اميرا للبلاد بدلا عنه لشجاعته وقدرته وجمع الناس لبيعته تحت شجرة ( دردار ) كبيرة وتمت له المبايعة فلقب بالامير في 27 رجب 1248
هجرية -الموافق الثالث من تشرين الثاني نوفمبر 1832 ميلادية وكان عمره اربع وعشرون سنة . وتذكرني هذه البيعة ببيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بايعه المسلمون تحت الشجرة وبهذا اصبح عبد القادر الجزائري اميرا وقائدا للجزائر .
.
جعل وحدة الأمة الأساس لنهضة دولته واجتهد في تحقيق هذه الوحدة رغم عراقيل الاستعمار والصعوبات التي تلقاها من بعض رؤساء القبائل الذين لم يكن وعيهم السياسي في مستوى عظمة المهمة وكانت طريقته في تحقيق الوحدة الوحدة هي الإقناع اولا والتذكير بمتطلبات الايمان والجهاد، وقد كلفته حملات التوعية جهودًا كبيرة لان أكثر القبائل كانت قد اعتادت حياة الاستقلال ولم تالف الخضوع لسلطة مركزية قوية. بفضل ايمانه القوي انضمت اليه قبائل كثيرة بدون أن يطلق رصاصة واحدة لاخضاعها وكانت بلاغته وحجته كافيتين لتفيهم الناس اهدافه في تحقيق وحدة البلد ومحاربة العدو،
.
قاد الاميرعبد القادر ووالده حملة مقاومة عنيفة ضد فرنسا فألحق بالفرنسيين الهزيمة مما اضطر فرنسا إلى أن توقع معه معاهدة (دي ميشيل) في شباط فبراير\ 1834 ، معترفة بسلطته على غرب الجزائر الا ان السلطات الفرنسية لم تلتزم بتلك المعاهدة، الأمر الذي اضطره إلى الاصطدام بالجيش الفرنسي مرة اخرى فلجأت فرنسا إلى المفاوضات، وعقدت معه معاهدة (تافنة) في مايو 1837. فأتيحت للامير عبد القادر الفرصة لتقوية منطقة نفوذه، وتحصين المدن وتنظيم القوات المقاتلة حيث بث الروح الوطنية في الأهالي، والقضاء على الخونة والمتعاونين مع الفرنسيين .
ومن شعره في الفخر والحماسة بعد أن انتصر على الجيوش الفرنسية وعلى كثير من القبائل التي انضمت إليها:
لنا في كل مكرمة مجالُ
ومن فوق السماك لنا رجالُ
ركبنا للمكارم كل هول
وخضنا أبحرا ولها زجال
إذا عنها توانى الغير عجزا
فنحن الراحلون لها العجال
رفعنا ثوبنا عن كل لوم
وأقوالي تصدقها الفعال
ولو ندري بماء المزن يروى
لكان لنا على الظمأ احتمال
ونحلم إن جنى السفهاء يوما
ومن قبل السؤال لنا نوال
ورثنا سؤددا للعرب يبقى
وما تبقى السماء ولا الجبال
لهم همم سمت فوق الثريا
حماة الدين دأبهم النضال
سلوا تخبركم عنا فرنسا
ويصدق إن حكت منها المقال
فكم لي فيهم من يوم حرب
بت افتخر الزمان ولا يزال
.
لكن سرعان ما خرقت فرنسا المعاهدة من جديد، فاشتبك معهم الامير عبد القادر ورجاله أواخر عام\ 1839 . لذا دفعت فرنسا بالقائد الفرنسي (بيجو) لتولي الأمور في الجزائر، فعمل على السيطرة على الوضع بإتباع سياسة الأرض المحروقة، فدمرالمدن وأحرق المحاصيل الزراعية واهلك العباد والبلاد وأهلك حتى الدواب، إلا أن الأمير استطاع الصمود أمام الجيش الفرنسي ، مُحققا العديد من الانتصارات، مستعينا في ذلك بالمساعدات والإمدادات المغربية له، لذا نرى فرنسا تعمل على ابعاد المغرب وتحييده وإخراجه من حلبة الصراع، فأجبرت المولى ( عبد الرحمن ) سلطان المغرب، على توقيع اتفاقية تعهد فيها بعدم مساعدة الجزائريين، والقبض على الأمير عبد القادر وتسليمه للسلطات الفرنسية عند التجائه للأراضي المغربية.وكان هذا الموقف مشينا ووصمة عار لعبد الرحمن المغربي حيث ادى الى اضعاف قوات الأمير عبد القادر، الأمر الذي حد من حركة قواته، ورجح كفة القوات الفرنسية، حتى اذا نفد ما لدى الأمير من إمكانيات لم يبق أمامه سوى الاستسلام حقناً لدماء من تبقى من المجاهدين والأهالي، وتجنيباً لهم من بطش الفرنسيين،
.
وفي كانون الاول ديسمبر\ 1847 اقتيد الامير عبد القادر إلى أحد سجون فرنسا، عدة سنوات حتى مجيئ نابليون الى الحكم في فرنسا فاخرجه من السجن على ان يبقى فيها ويسكنها . الا ان الاميرعبد القادر رفض السكن في فرنسا فقررت فرنسا نفيه الى خارج البلاد ومن شعره في المنفى ينشد لزوجته فيذكر حنينه وشوقه فيقول :
أقول لمحبوب تخلف من بعـــــــــــدي
عليلا بأوجاع الفراق و البعـــــــــــــد
أما أنت حقا لو رأيت صبابتــــــــــي
لهان عليك الأمر من شدة الوجـــــــــد
و أرى المسكين عذبــــــه النـــــــوى
و أنهاه حقا إلى منتهى الحــــــــــــد
و إني و حقِ الله دائـــــم لوعـــــــــــة
و نار الجوى بين الجوانح في وقــْـــد
ولا هالني زحف الصفوف وصوتهــــا
بيوم يشيب الطفل فيه، مع المــــــرد
وقد هالني بل قد أفاض مدامعـــــي
وأضنى فؤادي بـل تعدى عن الحـــد
فـراق الذي أهـواه كهـلا ويافعــــــا
وقلبـي خـليٌّ من سعادٍ، ومن هــــند
.
فسافر إلى تركيا ومنها إلى دمشق واختار دمشق ليكون منفاه فيها فوصل الأمير اليها مع عائلته وأعوانه إلي دمشق في عام \ 1855 وعندما استقر وضعه فيها أسس ( رباط المغاربة ) في حي ( السويقة ) في دمشق ،ولا زال موجوداً إلي اليوم وسرعان ما أصبح الامير ذا مكانة بين علماء ووجهاء الشام، وقام بالتدريس في المدرسة الأشرفية، ثم الجامع الأموي، الذي كان أكبر مدرسة دينية في دمشق آنذاك . وفي الشام قام بدور المصلح التقي العادل في أثناء مقامه منفيا في دمشق ، إذ يرجع إليه الفضل في إخماد لهيب الفتنة الطائفية التي نشبت بين المسلمين والمسيحيين في لبنان سنة \1860 بدافع من عقيدته الإسلامية ونزعته القومية والإنسانية . وكان دفاعه عن المسيحيين وإنقاذ الآلاف منهم من المذابح محلا لإعجاب ملوك العالم ورؤسائه، فبعثوا إليه برسائل الشكر مصحوبة بالأوسمة وإشارات التقدير وكانت هذه احدى مآثره.
ثم سافر الأميرالى الحج ولما عاد من الحج تفرغ للعبادة والعلم والأعمال الخيرية .
.
توفي الاميرعبد القادرالجزائري بمدينة ( دمشق ) في الثالث والعشرين من رجب عام \ 1300 هجرية – الموافق للتاسع عشر من مايو (مايس) من عام \1883 ميلادية ودفن بجوار( ابن عربي) العالم العربي الشهير حسب وصيته في ذلك بمنطقة ( الصالحية ) بدمشق .
.
وفي عام\ 1965 وبعد استقلال الجزائرى نقل جثمانه الطاهر الى الجزائر ليستقر في مربع الشهداء ب (مقبرة العالية ) الخاص بالشخصيات الوطنية الجزائرية .
ومن اهم مؤلفاته :
1- المواقف
2- ذكرى العاقل و تنبيه الغافل
3- نزهة الخاطر في شعر الامير عبد القادر- ديوان شعر
.
كان الأمير عبدالقادر الجزائري فارسا في مضمار الأدب شعرا ونثرا مثلما كان محاربا لا يشق له غبار في ساحة الحرب. وله ديوان شعر جمعه ابنه محمد وأطلق عليه (نزهة الخاطر في قريض الأمير عبدالقادر).
.
ويلاحظ فيه تباين مستواه الشعري بين قصيدة وأخرى، و كانت بعض مقطوعاته الشعرية تتسم بضعف لغوي وعروضي، فإن ذلك قليل وهو أفضل من أكثر الشعر الذي نظم في عصر العثمانيين الذي انحدرت فيه اللغة العربية بفعل سياسة التتريك . الا انه كان صادق العاطفة ووقاد الإحساس فتنزه عن التبذل الذي شاع في ذلك العصر، فكان شعر ه يمثل رسالة مجد للقيم العربية الإسلامية كما كان كبار شعراء العروبة،
يقول :
إذا جهلت مكان الشعر من شرف
فأي مفخرة أبقيت للعرب
.
ويقول في قصيدة بعث بها إلى جنوده في جبال(جرجرة) يحثهم على مواصلة القتال وكان الأعداء قد اشاعوا موته فلم يعبه بشائعاتهم وظل يجاهد وينظم الشعر ممتدحا رجاله مستنفرا هممهم:
تفديهم نفسي وتفدي أرضهم
أزكى المنازل يا لها من منزل
الصادقون الصابرون لدى الوغى
الحاملون لكل ما لم يُحمل
كم جاهدوا كم طاردوا وتجلدوا
للنائبات بصارم وبمقول
.
ويخاطب زوجته في قصيدة مصورا لها مواقفه النضالية واستماتته في مواجهة الأعداء حتى يظفر بإحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة ،ويذكرني موقفه هذا بشعر عنترة العبسي لابنة عمه( عبلة ) اثناء الحرب والنزال فيقول شاعرنا :
تسائلني أم البنين وإنها
لتعلم من تحت السماء بأحوالي
ألم تعلمي يا ربة الخدر أنني
أجلي هموم القوم في يوم تجوالي
وأغشى مضيق الموت لا متهيبا
وأحمى ذمار الحي في يوم تهوال
أمير إذا ما كان جيشي مقبلا
وموقد نار الحرب إذ لم يكن صالي
وبي تتقي يوم الطعان فوارس
تخالينهم في الحرب أمثال أشبال
وعني سلي جيش الفرنسيس تعلمي
بأن مناياهم بسيفي وعسالي
سلي الليل عني كم شققت أديمه
على ضامر الجنبين معتدل عال
سلي البيد عني والمفاوز والربى
وسهلا وحزنا كم طويت بترحالي
فما همتي إلا مقارعة العدا
وهزمي أبطالا شدادا بأبطالي
فلا تهزئي بي واعلمي أنني الذي
أهاب ولو أصبحت تحت الثرى بالي
.
ويقول لها في قصيدة اخرى:
ولست أبالي حين أقتل مؤمنا
على أي جنب كان في الله مصرعي
ونجد في شعر عبدالقادر الجزائري انه يعزف على وتر القصيدة العربية في أجود ما نظم صياغة وصورا شعرية وبلاغة ربما تختلف بجدتها عما نعرفه من شعره التقليدي فيصف جمال البادية خلال رحلة للصيد في الفلوات فيقول :
يا عاذرا لامرئ قد هام في الحضر
وعاذلا لمحب البدو والقفر
لا تذممن بيوتا خف محملها
وتمدحن بيوت الطين والحجر
فيا لها وقفة لم تبق من حزن
في قلب مضنى ولا كَدّاً لذي ضجر
نباكر الصيد أحيانا فنبغته
فالصيد منا مدى الأوقات في ذعر
يوم الرحيل إذا شدت هوادجنا
شقائق عمها مزن من المطر
نلقى الخيام وقد صفت بها فغدت
مثل السماء زهت بالأنجم الزهر
الحسن يظهر في بيتين رونقه
بيت من الشِّعر أو بيت من الشَّعَر
اما في غزله فهو صادق العاطفة جياشا فيه لوعة وتحسر في اعماق نفسه الوالهة في ظلال الحب ولوعة الهوى يقول :
ألا قل للتي سلبت فؤادي وأبقتني أهيم بكل واد
تركت الصب ملتهبا حشاه حليف شجى يذوب بكل ناد
ومالي في اللذائذ من نصيب تودع منه مسلوب الفؤاد
حينما يشتد به الشوق والهيام يفصح عما في نفسه فيقول:
إلام فؤادي بالحبيب هتورُ؟
ونار الجوى بين الضلوع تثورُ
وحزني مع الساعات يرنو مجدداً
وليلي طويل والمنام نفورُ
وحتى متى أرعى النجوم مسامراً
لها دموع العين ثم تفورُ
.
وفي شعره نجده ايضا يمزج حنينه إلى أهله وأحبته، وقد حال بينه وبينهم نفيه، بذكريات المعارك التي خاضها، و في قصيدة تعد من عيون أشعاره تقترب منه ما حلق فيه الشاعر محمود سامي البارودي وهو يتحسر على فراق وطنه مرغما بعد أن قلب له الدهر ظهر المجن، وتذكرني بقصيدة أبي فراس الحمداني التي قالها في الأسر وأشجاها وقعا في النفس حين يقول :
أقول وقد ناحت بقربي حمامة
أيا جارتنا لو تعلمين بحالي
أجارتنا ما أنصف الدهر بيننا
تعالي أقاسمك الهموم تعالي
فأطلق رائد الشعر العربي في الجزائر هذه الأنّات والزفرات
في قوله:
حنيني ، أنيني، زفرتي ومضرتي
دموعي، خضوعي، قد أبان الذي عندي
ومن عجب صبري لكل كريهة
وحملي أثقالا تجل عن العد
ولست أهاب البِيض كلا ولا القنا
بيوم تصير الهام للبِيض كالغمد
ولا هالني زحف الصفوف وصوتها
بيوم يشيب الطفل فيه مع المرد
وأرجاؤها أضحت ظلاما وبرقه
سيوفا وأصوات المدافع كالرعد
.
ويتبين من هذه الشواهد تأثر الشاعر عبدالقادر الجزائري بالتراث الشعري العربي وتضمينه بعض الأبيات أو شطرها في قصائده كما يتجلى استلهامه لأمجاد أجداده من العرب المسلمين الأوائل وشيمهم في النجدة والمروءة. ومن ذلك هذه الأبيات التي نظمها حينما ارتاد بستانا مطلا على ( جبل أحد ) اثناء سفرته الى الحجاز لاداء فريضة الحج وزيارة ضريح جده الحبيب المصطفى الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا الجبل يحبنا ونحبه ) . إذ هاجت الذكرى في نفس الشاعر ذكرى غزوة ( احد )التاريخية التي وقعت بقرب هذ الجبل فيقول:
تذكرت وشك البين قبل حلوله
فجادت عيوني بالدموع على الخد
وفي القلب نيران تأجج حرها
سرت في عظامي ثم صارت إلى جلدي
وما لي نفس تستطيع فراقهم
فيا ليت قبل البين سارت إلى اللحد
إلى الله أشكو ما ألاقي من النوى
وحملي ثقيل لا تقوم به الأيدي
بطيبة طالب العيش ثم تمررت
حلاوته فالنحس أربى على السعد
أردد طرفي بين وادي عقيقها
وبين قباها ثم ألوي على أحد
منازل من أهواه طفلا ويافعا
وكهلا إلى أن صرت بالشيب في برد
.
واختم بحثي برائعته الرائية فيقول :
يا عاذراً لامرئٍ قد هام في الحضـر
وعـاذلاً لمحـبّ البـدو والقـفـر
لا تذممـنّ بيوتـاً خـفّ محملـهـا
وتمدحـنّ بيـوت الطيـن والحجـر
لو كنت تعلم ما في البـدو تعذرنـي
لكن جهلت وكم في الجهل من ضرر
أو كنتَ أصبحت في الصحراء مرتقياً
بساط رملٍ بـه الحصبـاء كالـدرر
أو جلتَ في روضةٍ قد راق منظرها
بكـل لـونٍ جميـل شيّـق عطـر
تستنشقـنّ نسيمـاً طـاب منتشـقـاً
يزيد في الروح لم يمرر على قـذَر
أو كنت في صبح ليل هـاج هاتنـه
علوت في مرقبٍ أو جلـت بالنظـر
رأيت في كلّ وجـهٍ مـن بسائطهـا
سرباً من الوحش يرعى أطي الشجر
فيا لها وقفة لـم تبـق مـن حـزن
في قلب مضنى ولا كدّا لذي ضجـر
نباكـرُ الصيـد أحيـانـا فنبغـتـه
فالصيد منّا مدى الأوقات فـي ذعـر
فكـم ظلمنـا ظليمـا فـي نعامتـه
وإن يكن طائراً في الجـو كالصقـر
يـوم الرحيـل إذا شـدّت هوادجنـا
شقائق عمّهـا مـزنٌ مـن المطـر
فيها العذارى وفيها قد جعلـن كـوىً
مرقعـاتٍ بأحـداقٍ مـن الـحـور
تمشي الحداة لها من خلفهـا زجـلٌ
أشهى من الناي والسنطيـر والوتـر
ونحن فوقَ جياد الخيـل نركضهـا
شليلهـا زينـة الأكفـال والخصـر
نروح للحـيّ ليـلا بعدمـا نزلـوا
منازلاً ما بها لطـخٌ مـن الوضـر
ترابها المسك بل أنقـى وجـاد بهـا
صوب الغمائـم بالآصـال والبكـر
نلقى الخيام وقد صفّت بهـا فغـدت
مثل السماء زهت بالأنجـم الزهـر
قال الألى قد مضوا قـولا يصدّقـه
نقلٌ وعقلٌ ومـا للحـق مـن غيـر
الحسن يظهـر فـي بيتيـن رونقـه
بيتٌ من الشعرِ أو بيتٌ مـن الشعَـر
أنعامنا إن أتت عنـد العشـيّ تخـل
أصواتها كـدويّ الرعـد بالسحـر
سفائن البـرّ بـل أنجـى لراكبهـا
سفائن البحر كم فيهـا مـن الخطـر
لنا المهارى ومـا للريـم سرعتهـا
بهـا وبالخيـل نلنـا كـل مفتخـر
فخيلنـا دائمـا للحـرب مسـرجـةٌ
من استغـاث بنـا بشّـره بالظفـر
نحن الملوك فلا تعـدل بنـا أحـداً
وأيّ عيشٍ لمن قد بـات فـي خفـر
لا نحمل الضيم ممن جـار نتركـه
وأرضه وجيمع العـزّ فـي السفـر
وإن أسـاء علينـا الجـار عشرتـه
نبين عنـه بـلا ضـرٍّ ولا ضـرَر
نبيت نـار القـرى تبـدو لطارقتنـا
فيها المداواة من جوع ومن خصـر
عدوّنـا مـا لـه ملـجـا ولا وزرٌ
وعندنـا عاديـات السبـق والظفـر
شرابها مـن حليـبٍ مـا يخالطـه
ماء وليـس حليـب النـوق كالبقـر
أمـوال أعدائنـا فـي كـلّ آونـة
نقضـي بقسمتهـا بالعـدل والقـدر
ما في البداوة من عيـب تـذمّ بـه
إلّا المـروءة والإحسـان بالـبـدرِ
وصحّة الجسـم فيهـا غيـر خافيـةٍ
والعيب والداء مقصورٌ على الحضَر
من لم يمت عندنا بالطعن عاش مدى
فنحن أطول خلق اللَـه فـي العمـر

إرسال تعليق

 
Top