GuidePedia

0

انطفأ جهاز التكييف ،بهتت الأنوار فأظلمت الغرفة ..فتح عينيه ..تاهت نظراته في عمق الظلام ..تحسس العرق المتصبب على رقبته ..اعتدل في جلسته متكئا على الوسادة ..قام من سريره متجها إزاء النافذة كاشفا عنها الستارة ..لعله يحظى بقبس من ضوء .أخذ يبحث عن قداحته لم يجدها ..علبة السجائر فقط ..قعد على حافة السرير مطرق الرأس مغمض العينين ..رفع رأسه بغتة وقد انتصب عند عتبة الباب .. ثمة خيال يشع نورا ..ضيّقَ مابين عينيه ..رأى شبحا بهيئة إنسان لاتظهر منه سوى عينان مشعتان كعيني ذئب ..كان رأس الشبح يلامس رتاج الباب العلوي ..انكفأ إلى الوراء والتصق بحافة السرير البعيدة ..لمّا طال وقوف الشبح ولم تبدر منه أية حركة ..صاحَ به مستفهماً وهو يرتجف :
_من أنت ..من أنت ؟..لم يسمع منه جوابا ..كرر النداء وزعق ثانية :
_من أنت اخبرني ..لمَ تقف هكذا ؟لبث الشبح واقفا ..الرجل اجتاحتهُ نوبة هستيرية مباغتة قرر أن يهجم عليه ..أوقفه الشبح بهدوء ثم دفعه على حافة السرير تنحنح بصوت أجش يتردد منه صدى مخيف كأنه يصدر من أعماق واد سحيق .. اصطدمت أصابعه بالزهرية المنتصبة فوق تاج السرير ..قذفَ بها نحو الشبح بقوة ..تناثرت الزهرية تحت قدميه دون أن يتحرك ، أجابه الشبح :
__لاتحاول ياهذا ..أبق كما أنت ..سأجلس في الصالة أنا بانتظارك ..قال ذلك وأوصد الباب خلفه ..أسرع الرجل واضعا أذنه لصق الباب وهو ينصت لخطوات الشبح وهو يتجول في الصالة ثم سمعه بعد قليل ..يجلس على الأريكة سمع لجلوسه أطيطاً ..فتح َ الباب وقلبه يكاد أن يتمّزق رعباً ..ألفه جالساً يبتسم كاشفا عن أنياب بيض بارزة ..استجمع ماتيقى من شجاعته المنهارة :
__ماذا تريد مني ..أنت من الأنس أم من الجن ؟
__أنا خادم من العالم السفلي ..جئتُ لزيارتك كونكَ تبيت وحيداً هذه الليلة .
__من أرسلك ؟
__هدئ من روعك ..اهدأ قليلا ولاتخف ..اطمأن بعض الشيء وجلس قبالته ورجلاه تصطكان ..استطرد الزائر قائلاً :
_وبما أنك لم تحسن الضيافة ورميتني بزهرية الورد ..فانني سأرحل حال عودة الضياء ..نحن معشر الجن لا يمنعنا أحد من الدخول في كل الأماكن ..أنا لم أقدم إلاّ تلبية لطلبك ..فغرَ الرجل فاه وصاح :
_أنا طلبت حضورك؟ !! كيف وأنا لا أعرفك مطلقاً ..نهض الشبح من جلسته وتبعه الرجل واقفا ..سكت قليلا ثم قال :
_ألم تشتري كتابا وعملتَ استحضاراً للجن والعوالم السفلية ؟ . ..أنا حضرتُ لأنك ذكرتَ إسمي ثلاثاً ..هيا اصرفني كي أغادر .
_........!!!
_أها ..لا تعرف طريقة الإصراف ...أطلقَ الشبح ضحكة مدوية تناثرت على اثرها موجودات الصالة وتبعثرت الأرائك والكراسي .. سقطت الصور المعلقة بالحدران وتشظى زجاجها في كل مكان ..
اصطفقت الأبواب وتصادمت درفات النوافذ ...فجأة أشتعلت الصالة بنور الكهرباء ..اختفى الشبح بلمح البصر ..بحث عنه فلم يجده .طفقَ يتفحّص الصالة ..لم يتغير شيء ..كل شيء كما كان ..الكراسي والأرائك والصور معلقة بمكانها وليس هناك ثمة زجاج مكسور ..خطر في باله مطالعة الكتاب الذي جلب له كل هذه المتاعب ..تصفحَ الكتاب .وجد في الصفحة الأولى طريقة الاصراف ..(كيفية اصراف الجن )...استل ورقة صغيرة ودون مافيها ..ثم تأبط الكتاب ..وأسرع غبر بوابة الحديقة الداخلية خارجاً من البيت ...كان الشارع خالياً والإنارة تبدو شاحبة ..أسرعَ يطوي الطريق بخطى متعثرة صوب بالوعة التصريف الصحي ..رمى الكتاب فيها وعاد ليتنفس بارتياح ..لقد تخلّصَ من هم ثقيل ..حمد الله أن عائلته لم تبت معه هذه الليلة ..فقد حلّوا ضيوفاً عند أهل زوجته ...عبرَ الرواق ليدخل ..ألفى الشبح واقفا في زواية الحديقة ..وسط العتمة .. صاح به :
__هل حفظت طريفة اصراف الجن ؟..بهت الرجل وتمتم متلعثما:
__لا لم أحفظها بعد ..كتبتها في ورقة صغيرة نسيتها فوق السرير .
قهقه الشبح وهتف به ساخرا:
_هذه ورقتكَ معي ..من ينقذك مني بعد اليوم ؟سأعود إليك ثانيةً ..قالها ولملًم جسمه منكمشاً كسجادة مطوية ثم إلتوى كالأسطوانة حتى غدا كخيط رفيع ثم طار إلى الأعلى مخترقاً الفضاء المعتم ..وقهقهاته تتبعه مجلجلةً.. تمزق صمت الليل .
___________
صيف عام 2001

إرسال تعليق

 
Top