مقتطفات من الأدب الساخر
يوميات عبده المغلوب على أمره........1
مدام نكد
يوميات عبده المغلوب على أمره........1
مدام نكد
يرى كثير من علماء النفس والمهتمون بدراسة دوافع السلوك البشري، أن أكمل الأعمال وأكثرها إتقاناً تلك التي تُؤدى عن رغبة ذاتية، وبدوافع شخصية من المرء نفسه، ويعللون ذلك بما يشعر به من يؤدي العمل ـ بدافع رغبته ـ من متعة عميقة، وإشباع ذاتي كلما أتمَّ مرحلة منه بإتقان أو طوَّر أسلوبه في الأداء رغبة منه في الوصول إلى هدفه ونيل مرامه.
ورغم أن هذا أمراً يكاد يكون بديهياً لا يحتاج أي دليل لإثباته، إلا أن سلوك السيدة "وديدة" كان خير ما يجسد هذه النظرية ويؤكد صحتها، .. فهي امـرأة تهـوى مـا تقـوم به ولا تؤديه باعتباره مهام مفروضة، بل تسارع إليه باعتباره هواية محببة، تجلب إليها المتعة وتعزز في أعماقها الشعور بالانجاز والتفوق والتميُّز.
والسيدة وديدة امرأة فريدة، أثير حولها الكثير من اللغط لأسباب عديدة، كان أهمها اصرارها على "النجاح" في حياتها الزوجية، .. بل والتميّز في هذا الصدد، كذلك قدرتها الدائمة على اختلاق الجو العائلي الذي ترغبه وتراه "مثاليا".. مما وضعها خارج نطاق المنافسة في هذا الأمر، وزاد من حسد الكثيرات من بنات جنسها لها.
ورغم ما قد يوحي به الاسم الجميل ـ وديدة ـ من الألفة والتآلف، والحرص الدائم على التواصل والتودد للآخرين، إلا أنها ـ كغيرها من الرائدات النابغات ـ لم تسلم من غيرة وحسد كل من عجزن عن إدراك ما أجادته واتقنت أداءه دوما بطرق مبتكرة، فما كان من هؤلاء الحاسدات إلا أن حاولن تشويه صورتها "البراقة الناصعة" بإطلاق الأقاويل والشائعات المغرضة حولها، إذ ادعت بعضهن أن السيدة وديدة، ورغم اسمها ـ المضلل على حد قولهن ـ لا تعرف أبسط مبادئ الود، أو اللياقة الاجتماعية! .. وادعت أخريات أنها لا علاقة لها بمدلول اسمها سوى التضاد، وأنها ما سميت بهذا الاسم سوى للتعمية وإخفاء الحقيقة، ككثير من المسميات التي لا تحوي مما تعني شيئاً.
أما وفاء وشهيرة ـ ألد "صديقات" وديدة ـ فتؤكدان أن اسمها الأصلي كان اسماً مركباً، وأن كلمة "غير" قد سقطت سهواً لضعف نظر كاتب الأرشيف بإدارة تسجيل المواليد لدي تسجيله لاسمها بشهادة الميلاد، حيث كان الاسم الأصلي "غير وديدة".
وبغض النظر عن مدى صحة تلك الأقاويل، وسواء كانت محض ادعاءات للتفكه والتسلية وتمضية الوقت أم كانت حقائق، فقد كان هناك جانب من شخصية تلك المرأة الفريدة يمكن بتسليط الضوء عليه التأكد من مدى واقعية ما قيل ويُقال، ورؤية المزيد من حقائق الأمر عن قرب، وهذا الجانب كان هواياتها المتعددة التي كانت تمارسها بحيوية وحماس ومهارة وإتقان واضح.
إلا أن إحدى تلك الهوايات كانت من النوع النادر الفريد، إذ برزت بين هواياتها الأخرى بروزاً ملفتاً للنظر، فأصبحت سمة غالبة عُرِفت بها السيدة وديدة وميزتها، وأضحت أهم ما تذكر به في غيابها، إذ يُشار إلى تلك الهواية كلما تطرق الحديث إليها أو إلى حياتها الزوجية، فقد بدت هوايتها تلك وكأنها غايتها الأسمى ورسالتها الأهم في الحياة، ولا عجب في ذلك فقد مارستها بحماس منقطع النظير، وساعدها على البروز فيها ميولها الفطرية "النكدة" وقدرتها الفائقة والدائمة على اختلاق أسباب "النكد" ومسبباته، وتعميم ذلك "النكد" ونتائجه على كل من حضر وكثير ممن غابوا.
وللنكد لديها طرق شتي ووسائل عدة، أجادتها وأجادت الترتيب لها أيما إجادة، بل واتقنتها بإبداع منقطع النظير، ولم يعجزها سلوك أي منها مهما كانت المعوقات، وهي تتأرجح في محاولة اختلاقها للنكد ـ في أغلب الأحيان ـ بين وضعين، فإما أن تبدو عدوانية شرسة جسورة تميل إلى اختلاق المعارك الضارية، وإما أن تبدو ضعيفة مستكينة لا حيلة لها سوى الانكسار والاستسلام للبكاء.
يُتبع..
......................
يُتبع..
......................

إرسال تعليق