GuidePedia

0



مقتطفات من الأدب الساخر
يوميات عبده المغلوب على أمره...... 2
الهدف من الزواج
تعددت مهارات السيدة وديدة، كذلك بدت قدراتها الفائقة وغير العادية أكبر من أن ينكرها منصف، الأمر الذي استفز كثيرات ممن حولها وملأهن غيرة وحسدا، .. ولكنها وعلى الرغم من كل ما تحلَّت به، اعتادت شحذ إمكاناتها وقدراتها، وكل ما لديها من أفكار وأساليب وحِيَل للوصول إلى هدف واحد، حظِي دوما بالأولوية لديها، ومثَّل لها الهدف الأهم والأسمى، فسخَّرت كل قدراتها لتحقيقه كلما وجدت لذلك مجالا، وهو سرعة الوصول إلى جوها المثالي، .. ذلك الجو المشبع بالنكد، .. ولم تكن تجد أي غضاضة ـ في سبيل تحقيق هدفها ـ من تقمص إحدى حالتين، .. حالة إظهار العداء والتنمر والشراسة والاستفزاز، أو حالة المسكنة والانكسار والتظاهر بالاستسلام والانفلات في بكاء مبرح.
ورغم ما قد يبدو للوهلة الأولي من تناقض كبير بين الموقفين وتعارض واضح بين الشخصيتين، إلا أن المتمعن في الأمر يمكنه أن يرى الوضعين وجهين لعملة واحدة، إذ كان هدف السيدة وديدة دوماً الوصول إلى جو مشبع بـ"النكد المركب" .. سواء باستفزاز الطرف الآخر ومواصلة تحرشها به واستفزازه حتى تدفعه لإيذائها، ليتسنى لها تصعيد ما يتبع ذلك من مآسي، .. أو بالعمل على خلق الإحساس بالذنب لدى الطرف الآخر بإقناعه عن طريق التشكي الدائم والبكاء المصطنع المتواصل بأنه قاسي، .. ظالم، .. متعسف، .. سادي، .. مستبد، .. لا يكف عن ممارسة القهر والإذلال بطريقة سادية.
ولتمتع السيدة وديدة بقدر كبير من مرونة الذات، والقدرة على سرعة التقلب، فقد كانت تنتقل من حال إلى حال بسهولة وبساطة وسلاسة غريبة، وكأن الأمر لا يستدعي سوى الضغط على "زر التشغيل والإيقاف" لتنتقل من حالة إلى الأخرى، وتستمر في ذلك حتى تصل إلى ما يحقق مرادها من النكد العميم، .. فاستحقت بجدارة منقطعة النظير لقبها المعبِّر"مدام نكد" ذلك اللقب الذي لازمها منذ اقترنت بالأستاذ عبده ولبقية حياتها.
ورغم ما لاحظه كل عرفوا السيدة وديدة، من شغفها العظيم بالنكد وولعها به، وحرصها الدائم على تهيئة الظروف المثالية لممارسته وتعميمه على الحضور، إلا أنها أظهرت براعة لا تبارى في فرع معين من فروعه المتعددة، وأخذت تعمل على تنمية مهارتها بذلك الفرع، حتى أصبحت عن جدارة أحد الرواد الأعلام لمدرسته الحديثة، وقد كان ذلك الفرع بالنسبة لها يمثل أهم وأمتع فروع علم النكد، .. إنه "النكد العائلي".
ويؤكد كل من لاحظوا اهتمام السيدة وديدة بـ"النكد العائلي" أنها لا تنظر إليه كمجرد هواية محببة، بل تراه ثقافة وأسلوب حياة، فهو زادها وزوادها، ومحط اهتمامها وهمها، وهوايتها المفضلة التي لا تكل ولا تمل من البحث عن كل ما يوصل إليه، وما يجد فيه من أبحاث ودراسات، أو ما يمكن إضافته إلى قوانينه ونظرياته ومراجعه من إضافات جديدة.
ولأن الأستاذ عبده كان أوفر الناس حظاً وأكبرهم نصيباً من نكدها ـ بحكم "تورطه" في الزواج منها وحياته المأساوية معها ـ فقد كان يؤكد بكل إصرار: أن السيدة وديدة لم تفكر في الزواج بدوافع تقليدية كباقي النساء، ولكن لغاية "نكدة" في نفسها أخفتها عن الجميع، وفضحتها تصرفاتها وما مارسته من أفعال، .. فسيادتها ـ وطبقاً لما يؤكده الأستاذ عبده ـ تزوجت ليتسنى لها إكمال أبحاثها "النكدة" .. وإتمام تجاربها التي كانت تجريها على ذلك النوع من النكد، الذي لا تتسني أبحاثه دون بعلٍ (بعين مهملة وليس غين مبغلة) لتجري عليه الاختبارات، كما يُفْعَل بفئران التجارب.
ولقد تضاربت الآراء حول أول من أطلق على السيدة وديدة ذلك اللقب المعبر،.. لقب "مدام نكد" .. ولكن أصح الأقوال تؤكد أن الأستاذ عبده كان أول من حالفه التوفيق في اختيار هذا اللقب المعبِّر، بعد أن ابتلاه الله بالزواج منها تعجيلاً لعقابه في الدنيا .. على حد اعتقاده.
ولم يمضِ وقت طويل على ذلك الزواج "الموفق" حتى حاز الأستاذ عبده هو الآخر على لقب كان خير معبر عن حاله هو ذاته، إذ لقّبه أصحابه المطّلعون على حقيقة حاله وما خفِيَ من أمره بلقب "عبده المغلوب على أمره" .. بعدما رأوا ما حلَّ به وما آل إليه وضعه.
يُتبع...
..................

إرسال تعليق

 
Top