GuidePedia

0

المنحوس (2)
سمعت أمي أبي وهو يدافع عن جدي، وينفي عنه تفضيله لسعدون علي، كانت أمي قوية الشخصية، شقيقاتي ورثن عنها هذه الصفة، لست استطيع الحكم حتى الآن: هل قوة الشخصية عيب في المرأة أم ميزة؟ 
ربما كانت ميزة في بعض الأمور وعيب في بعضها الآخر، لكن الرجال بالتأكيد يفضلون المرأة المسكينة الخانعة، أنا أرى وقد أكون مخطئا أن المرأة ضعيفة الشخصية أو حتى التي تتصنع ضعفا في شخصيتها، هي الأقدر على السير بسفينة حياتها الزوجية ومهما كانت الأمواج عاتية ومهما كانت الرياح شديدة، لم تكن أمي من ذلك الصنف الذي أفضله أنا ولذلك لما سمعت أبي يدافع عن أبيه بحجة حزنه على جدتي الراحلة، انبرت له متصدية قائلة:
-- وهل كانت أمك حية عندما ولد سعدون؟
لقد ولدت حكمت ولم يمض شهر على موتها رحمها الله كان الحزن حديثا وشديدا..إنك طالما التمست الأعذار لأبيك وللجميع 
ونهرها أبي قائلا:
--تبا لعقول النساء ولغيرتهن التي تحيل الحياة جحيما...ماذا يفيدك الحديث في هذا الأمر وقد مضى عليه سنوات؟
وقصرا للشر تنازلت أمي عن قوة شخصيتها في تلك اللحظة والتزمت الصمت.
كانت أمي امرأة متعلمة من أوليات النساء اللاتي حزن أعلى الشهادات الجامعية في بلدنا، حصلت على شهادتها تلك وكما تحكي لنا بصعوبة تشبه المعجزة، فأبوها كان ممن يعارضون تعليم النساء ولا يرى فيه أدنى فائدة طالما أن البنت مآلها لبيتها، جدتي لأمي حازت هي الأخرى نصيبا من التعليم فأبوها كان أفنديا وموظفا حكوميا وكان عكس جدي لأمي يشجع على تعليم النساء، جدتي كانت تحكي لنا أنه كان قد بقي لها سنتان وتحصل على شهادة البكالوريا وتصير معلمة لولا أن جدي قد خطبها لتنجب له ذكرا بعد أن أنجبت له الأولى أربع إناث، تزوج جدي منها في السر فقد كان يخشى زوجته الأولى، ومن عجيب أن زوجتيه الأولى والثانية تحملان نفس الأسم خديجة، عندما وصل خبر زواج جدي لزوجته الأولى وسألته :
-- هل تزوجت علي يا حاج درويش؟
فأقسم لها جدي قائلا :
-- والله لم اتزوج غير خديجة يا خديجة
وهكذا اطمأنت المرأة أنها الوحيدة على ذمته.
أمي ورثت حب التعليم إذا عن أمها وأصرت أن تصل فيه إلى أعلى ما يمكنها أن تصل، كان حلمها أن تكون طبيبة، في أيام الثانوية العامة أصابها مرض في عينيها أبعد عنها حلمها، لكنه لم يمت، نقلت حلمها إلينا نحن أبناؤها تمنت أن تحققه فينا، لكننا أيضا وأدناه. 
كانت أمي تحكي لنا أن حكمت زوجة عمي تغار منها لأنها متعلمة ولأنها ابنة الحاج درويش أكبر مزارعي بلدته وعين أعيانها ومن أكبر وأعرق عائلاتها ولأنها أيضا أجمل منها، تحكي لنا كيف كانت تتندر عليها وأنها تمسك في يدها شنطة (حقيبة) مثل تلك التي تحملها الممثلات في التلفزيون، وحتى ولادتي على يد طبيب وليس على يد تفيدة الداية مثل حكمت وكل نساء العائلة لم تفوتها حكمت كفرصة للتلقيح على أمي وكيف أنها لم تخجل أن يكشف عليها طبيب، بل إنها كانت سببا مباشرا لتوبيخ جدي الشديد لأبي أن سمح بمثل هذا الأمر، تضحك أمي وهي تخبرنا أن الله قد انتصف لها لما تعسرت ولادة حكمت الثالثة وأوشكت أن تهلك لولا أن استدعوا لها مجموعة من الأطباء وليس طبيبا واحدا، لولاهم لكانت من الهالكات بسبب جهل بعض القابلات. 
تحكي أمي عن جدتي لأبي، تقول أنها كانت امرأة جميلة جدا بيضاء شقراء زرقاء العينين، ليس في جمالها واحدة لا من بناتها ولا من حفيداتها، أعمامي وعماتي لم يكونوا يسمحوا لأحد منهم ولا منا أن يشبه بها أية واحدة، رفضوا حتى أن تسمى على اسمها واحدة من حفيداتها، كان اسمها مجيدة، لا اعتقد أن واحدة من بنات اليوم تقبل هذا الاسم رغم جماله وفخامة معناه ولكنه التغيير الأحمق آفة عصرنا وكل عصر.
كانت جدتي إضافة إلى جمالها طيبة جدا حد السذاجة، يقولون أن جدي كان يعطيها نقودا تنسى دائما أن تتذكر أين وضعتها، كانت فرصة لبعض أعمامي وهم صغار أن يحصلوا خلسة على تلك الأموال.
حكت لي خالتي أنها كانت تزور أمي كل أسبوع، ومعها ولدها البكر أيمن، أيمن كان يحب جدتي مجيدة، كانت كريمة جدا ترحب به تصر كل مرة أن يتناول معها العشاء تعطيه نصيبا من اللحم وقطعا من الحلوى، بعد أن ماتت جدتي منعت عنه حكمت تلك العادة، فكره ابن خالتي النزول عندها، نسيت أن أخبركم أن حكمت كانت تعيش مع جدتي في الطابق السفلي،بينما نقيم نحن في الطابق العلوي، دخلت أمي بيتنا الكبير مستقلة في معيشتها، بينما عاشت حكمت مع جدي وجدتي و أعمامي وعمتي الصغرى والذين لم يكونوا قد تزوجوا بعد، ربما لهذا السبب أيضا استأثرت حكمت بقلب وعقل جدي دونا عن أمي، أقول ربما. 

إرسال تعليق

 
Top