الهروبُ إلى الورق
قصة قصيرة
بقلم:هاني زريفة
ومضتْ كما ومض البرق قبل قليل، السماء تصبُّ جامَ عشقها الأزلي على الأرض، والشتاء يدسُّ أصابعه عبر كل الثقوب، فتلسع وجوهاً كادت تشعر بالدفء. اكفهرَّ وجه المساء، وأخذت المدفأة تلفظ أنفاسها الأخيرة؛ ستحتاج بعد قليل إلى غطاء يُدفئُ عظامها!
عليه أن يجسِّدَ الفكرة في قصة قصيرة؛ قبل أن تستولي على رأسه فكرة أخرى... أدارها في خلده، وتصور المقدمة والحبكة والخاتمة،وعليه أن ينسجها على الورق!
زوجته تصب حمم غضبها عليه... كلُّ الرجال يؤمنون حاجات منازلهم... من أين ستأتي بالمازوت؟! الصغار ينقلون أبصارهم بين وجهه ووجه أمهم، علَّ أحدهما يسفر عن معجزة تقطر وقوداً فتدفئ أوصالهم المرتجفة!
انقطع التيار الكهربائي، وسادت الفوضى... جرس الهاتف يرن؛ الاتصال يزيد تشنج الأسرة... البطارية لم تشحن جيداً، والضوء شحيح!.. يرن جرس الهاتف من جديد، مشاكل العمل تطارده إلى المنزل...
يعود التقريع من جديد!... كلّ الرجال أمنوا بطاريات وشواحن وروافع جهد... ما أشبهه ببيت أرملة عجوز... ماذا سنفعل إن طرق بابنا أحد؟!.. لا نار في المنزل إلا الغضب!
انسل من الغرفة كثور مصارعة مهزوم... في زاوية المضافة طاولة من اللدائن عليها قلم وأوراق وولاعة مزودة بنور خافت.
أوصاله ترتجف، والقلم يرتجف، حين يُقلِعُ القلمُ يتعطل كل شيء... تؤجل الحواس شعورها: فلا الجلد المقنفذ يشتكي برودة الغرفة، ولا العين تطمع في أكثر من ضوء ولاعة، ولا الأذن تستقبل غوغاء الغرفة المجاورة!
نشوة الكتابة تسري في عروقه؛ فينسى كلّ شيء!... القصة ستكون رائعة: فكرة وأسلوباً، وسوف تفوز بالمسابقة، وتحظى بإعجاب القراء!..
وكالعادة سوف يستقبل سيلاً من اللوم على عدم نشر قصصه في كتاب، وسيقابل اللائمين بوجه طفل أقدم على كسر تحفة ثمينة!... لا يستطيع أن يشرح قصته لجميع الناس!
ضوء الولاعة يخفت... ذيَّل قصته بالتاريخ!... عاد البرد من جديد... عاد الظلام، وعاد غوغاء الغرفة المجاورة!
تجاسر وعاد إلى الغرفة كالمنتصر متناسياً كل ما نسب إليه من ذنوب!.. تدثر بغطاء ونعم بالدفء والراحة.
(تمت).

إرسال تعليق