GuidePedia

0



( العزف علي جدران القبور)
---------------------------- 
................................ قصة قصيرة بقلم الكاتب:  ( عاطف عبد الله ) 
----------------------------------------
( منذ رحيلها وهو يأتي اليها كل ليلة ليؤنس وحدتها بالعزف لبضع ساعات في بهيم الليل علي كمانه التي طالما عشقت ألحانه الشجية حين كان يعزف لها مقطوعة ( الحياة ) التي ألفها خصيصا من أجلها ولم تكن لتهدأ من آلام سرطاتها الفتاكة الا عندما كانت تنصت اليه وهو يعزفها عند رأسها وسط ذهول كل الزائرين والمرضي والأطباء في المشفي وحين شرفت علي الموت دعته اليها فاقترب منها ودموعه تقطر علي خديه فقد كانت المرأة الوحيدة في هذا العالم التي استولت علي قلبه بعنف تمتد يدها الي خديه لتمسح تلك الدمعات وهي تهمس في أذنه :
--- الآن سنفترق عدني بأن تأتي الي كل ليلة لتعزف لي أنشودة الحياة
تزداد دمعاته كالمطر الأسود لتبلل خديها بايمائة حانية ...بعدها تفارق الدنيا ..الآن وقد مضي عام علي رحيلها مازال وفيا لعهده معها رغم أن كثيرين من ذوي الموتي يعترضون علي ذلك فهذا يقول حرام وهذا يقول منافيا للأخلاق الا أنه عارضهم وبشدة فاعتبروه مجنونا وتركوه ..هاهو الآن معها يجلس عند رأسها يؤنسها ويحاكيها في ليلة ليست ككل الليالي فهي ليلة ذكري وفاتها بعد عام مضي ...فالحفل سيكون رائعا بمعزوفة اخري جديدة مع معزوفة الحياة ..يبدأ في محاكاة كمانه ..في ظلام ليل وموسيقي وأنفاس موتي منبعثة من قبور موحشة ..تنتصف الليلة التي كان بدرها في أوج عظمته والناي الحزين يتألق في مشهد أسطوري تتجمع من حوله آلاف من أرواح هائمة تلتف حول عروسه الجميلة وكأنهم يزفونها اليه ...فجأة ...تمزق أنوار آتيه من سيارة تتوقف بعنف تنبعث منها ذرات من تراب كثيف قبل مقبرة محبوبته بقليل ... يتواري مسرعا مختبئا خلف احدي المقابر المقابلة فهوا مازال يتذكر ماحدث له من تجار المخدرات الذين يتخذون من المقابر مكانا آمنا لعقد وتسليم وتخبئة بضاعاتهم ..فهم لايحضرون الا في هذا التوقيت من منتصف كل شهر وكادوا يقتلونه لولا أنه استطاع الفرار منهم بأعجوبة بعدما أطلقوا عليه رصاصة استقرت في قدمه لولا تحامله علي نفسه وفراره هاربا والدماء تقطر منه ..وعولج بعدها ومكث في بيته بعيدا عن محبوبته قرابة شهرين كاملين .... تفتح أبواب السيارة الأربعة ...يهبط منها أربعة مسلحين مقنعي الرؤوس ..يطفئون أنوارها ... الا أن نور البدر يكشف له كل المشهد ..يكتم انفاسه وهو يراهم يقتادون بين أيديهم رجلا أربعيني رث الملابس مكبل اليدين خلف ظهره ...وعلي عينيه غمامة سوداء وامرأة ثلاثينية تصرخ في وهن ممزقة ملابسها ..شبه عارية .. يخلعون أقنعتهم ...يكشفون عن وجه الرجل ويجردونه من ملابسه.. الا من سرواله ..ثم يدنوا منه أحدهم مثبتا فوهة مسدسه فوق راسه وهو يقول في غضب :
--- لقد جئت للدنيا عريانا وستغادرها الآن عريانا ولو استطعت قتلك ألف مرة لفعلت لكنك ستغادرها وأنت خائن للشرف وللصداقة وللأمانه
يقتله بطلقة واحدة تخترق رأسه ...فيسقط صريعا ..تصرخ المرأة وهي ترتجف بشدة فيدنو منها نفس الرجل وهو يقول :
--- لماذا تصرخين ؟ الآن فقط عرفت قيمة الحياة ؟ لقد تخليت عنها يوم دنست ذلك الشرف الذي يحمل اسمي ..يوم أن بعت نفسك لهذا الشيطان ونسيت طفلنا المسكين في لحظة طيش وانا مغتربا عنكما من أجل كسب لقمة عيش بالحلال ومن أجل مستقبل جميل ..لكنك للأسف ضربت بكل القيم والمبادي وبحبي واخلاصي لك عرض الحائط من أجل نزوة عفنة ....
تقاطعه ببكاء مرير.. ترتمي تحت أقدامه متوسلة أن يرحمها ..يجذبها من شعرها فيوقفها ناظرا الي وجهها الناطق بكل عبارات الخوف والرعب والتوسل ..فلم يكن ليتخيل أبدا أن تكون زوجته وأم ابته هي تلك العاهرة الماثلة أمامه الآن ... ينطق في حزن وغضب :
--- مثلك لاتصلح للحياة فالخيانة دائما عقابها الموت ...
يقتلها ...تسقط غارقة في دمائها ...يفتحون مقبرة محبوبته ...يدفنون العشيقين ..يكاد أن يفضح عن وجوده معترضا علي دفنهما معها ..الا أنه تراجع عن ذلك فقد أيقن أن في ذلك هلاكه علي الفور...فظل في مكانه متواريا في رعب ...تختفي آثار الدماء ...يغادرون المكان في سيارتهم ..يعود الي مقبرة محبوبته التي لم تصبح وحيدة فقد صارت ثالثة عاشقين خائنين ..يمسك بكمانه ليشطره الي نصفين ...يفارقها حزينا عاقدا عزمه علي ألا يعود اليها من جديد.)
******************************
بقلم :
الكاتب والشاعر 
عاطف عبد الله 
......................

إرسال تعليق

 
Top