(خاطرة)
بغداد
ساعات قليلة قبل الغياب ، لهيب الشمس يلسع القلوب قبل أن يحرق الأماكن ، وحدها سعفات النخل تدفع بهذا اللهيب الحار بعيدا ، رائحة الماء تذكي الخيال ، لون السماء المشبع بالبخار يمنح الهدوء ويريح الاعصاب ، كان ذلك قي شوراع بغداد الجميلة ..قبل الغروب بقليل .
عندما حل المساء وارتخى القنديل ، بدأت الجموع تتدفق الى الشوارع كعياسيب نحل . يتمشون ..يتحدثون ..يتسوقون ...حر تموز ..كان عذابا لذيذا اعتاده اهل بغداد كل عام ، لا يستطيعون مغادرة منازلهم ألا مساءا .
وحدي كنت أتجول... أرقب الأماكن ..الصور.... الأسماء هناك ...
علاء الدين ..علي بابا ..المنصور
الكرخ ..
الرصاقة ...
الرشيد ...
أرواح تجوب المدينة منذ ألف عام ..تشكلت مع أسوار المدينة ..حيث مشى الأنسان أول خطواته هناك ....عندما بنى المنصور بغداد ..
لم تكن بغداد سوى حلم الطفولة ...كل شيء فيها جميل ..الهواء ..النخيل ...الماء .. والانسان ...
على الارصفة جبال من الكتب ..أطفال تلهو بدراجاتها ...نساء مع ازواجها ...بجانب ممر ضيق أحدهم يحمل بعض صحون محملة بالطعام ...والأخر يراقب حركة المرور ...برك صغيرة مملؤة سمكا ..يختارها الزبائن فتشوى ..حيث تسمى مسكوفا ...خبز غريب أسمه الصمون ..طوابير من البشر تتناوله ..من المخبز ..
وفي دجلة صرخات أطفال يركبون الزوارق ..فتطير بهم عن سطح الماء كما لو كانت طائرات ...تقلع بهم من مطار
..بغداد أي قصة حب أنت ..
أي قطعة جمال أنت ..
أي همسة شوق أنت ..
عندما صرخت ..صمت العالم ..وعندما صمتي أنت تعالى الأوغاد ..
بعدك يا بغداد ضاع كل شيء ...إنهار كل شيء ...كنت السد المنيع لأمة عظيمة ....دمروك ...تأمروا عليك ...أصمتوك
ثم إستاسدوا على إخوتك ....
تذكرين عندما همست لي وأنا أغادرك ...قلت لي إنك حزينة ..
إنك خائفة ...إنهم تأمروا عليك ليدمروك ...وليقطعوا أوتار صوتك ...لم أبالي بكلامك عندها ...الآن أعلم مدى حزنك وألمك وقهرك ...وصدقك
سيدتي ..أما لك ان تهدأي بعد عن صمت الإنفجارات ..ولو قليلا .اشتقت الى نخلك ...وإلى هواءك وماءك ...
أريد أن أزورك ولو يوما ...إهدأي قليلا فقط ...
هناك لي ذكريات أريد لملمتها ...ونسمات هواء وعدتها أن أتي وأشمها ....هناك صور التقطتها لك...وأنت تضحكين ..أريد استعادتها ..
هناك أريد أن ينبض قلبي بأصوات مأذنك ...من جديد .
عواد المخرازي

إرسال تعليق