GuidePedia

0

الفجر بعيد جدا ،قضيتُ ليلي مسهدا ،استطعت أن أوصد مغاليق الذاكرة وأغفو قليلا ،استسلمت للنوم، لا أعلم كم مر من الوقت،وجدت نفسي في نفق مظلم كنت أركض عابرا مسافات طويلة خلتها دهرا ..أتعبني اللهاث ، فوضى العثرات وارتطامي بجدران النفق جعلاني أترنّح ..خيول الظلام تصهل في الفراغ ،كنتُ أبحث عن ملاذ آمن ..الأشباح التي تطاردني مازالت تتقافز هنا وهناك مكشرة عن أنياب تعبق بالدم ،كنتُ أصرخ مقتفيا ظلي الهارب ،أبحث عن بوابة خلاص في نهاية النفق ،بدا طويلا كأيامي الموغلة في قشور الأمنيات .. فيض من خواء طويل يركض معي عابرا لوح العصور متلاشياً في الظلام يمزق صمت الجدران وهمس الأشباح المبحوح ..
كلما أوغلت في العمق ..تتيه خطواتي وأجدني مرتطما بجدران النفق اللولبية ..أجدُ
نفسي أجري داخل اسطوانة ليس لها إنتهاء ..فجأة شعرتُ أن أحدهم عضّني في ساعدي ..ألم مبرح جعلني أنتفض مذعورا ..أشعلت انارة غرفتي .. هالني الدم الذي ينزف منها ..ثقبان متجاوران ينزفان دما ..لمحتُ شيئا ما خطفَ أمامي ..ثم اختفى خلف خزانة الملابس الكبيرة ..طفقتُ أمسح الدم بمنديلي ..لم يتوقف نزف الدم دنوت من صندوق الأدوية خاصتي ،مسحت الجرح باليود وضغطتُ عليه بأصابعي ..
نظرتُ خلف خزانة الملابس لم أر شيئا بحثت تحت السرير ..ارهفت السمع وجلست على طرف السرير مغلوبا على أمري ..لم يدر بخلدي أن يكون أحد الأشباح هو الذي عضني في يدي ..كنتُ أركض يعيدا عنهم ولم يستطيعوا اللحاق بي داخل النفق ..أمسكتُ ببطارية الانارة اليدوي ..ووجهت ضوءه بين الجدار وظهر الخزانة ..وجدته يجلس قبالتي باسطاً يديه وينظر إلي بعينين تلتمعان ..كان الصبح قد بدا يطلّ من خلل نافذتي ..فكرتُ بطريقة للانتقام منه ..من غير المكن أن أتركه وشأنه بعد ان غرز أنيابه في ساعدي دون أن ينال عقابه ..
الأن حددتُ مكانه .. أغلقتُ عليه المعابر ومنافذ الهروب..الفتحات بين السرير والكوميدينو ..الفتحة الكبيرة بين قاعدة المرآة الكبيرة ..أغلقت المنفذ من تحت باب الغرفة ..الشباك موصد ..سأدخل في معركة معه ولن أجعله يفلت مني مهما كانت النتائج ..أشعلتُ سيجارة ..سحبتُ منها نفسين ..ثم وضعت جمرتها فوق الجرح النازف ..في موضع العضة ..تحملتُ وجع الكي بالنار .. رماد السيجارة ملأ الثقبين في جلدة يدي ..أنهيتُ التدخين على عجل ..وخرجت أبحث عن سيخ من الحديد كي أرغمه على الخروج من خلف الخزانة ..أحتاجُ الى سيخ حديد طويل كي يصل إليه .. ما أن اقترب رأس السيخ منه حتى تراجع إلى الخلف ملتصقا بالجدار والركن البعيد ..أدخلتُ السيخ من تحت فتحات الخزانة و أنا أغرزها في كل الأماكن لعلني أصيبه باحدى تلك الضربات العشوائية ..أتعبني وجلستُ الهث لأ دخن سيجارة أخرى.اكتشفت أن محاولاتي قد باءت بالفشل.. أثناء تمشيطي القاعدة السفلية تحت قوائم الخزانة ..كان يتسلق يقدميه جدار الخشب وينتصب ممسكا بالخشب وسيخ الحديد يدور في الفراغ دون أن يصيبه ..
..برقتْ في مخي فكرة أخرى ..جلبتُ ماء ساخنا جدا ورميتهُ فوقه مباشرة ..أصابه هياج مسعور..أخذ ينتفض بجنون محاولا الخروج والهروب إلى الامام هذا ما كان يبغيه ..كل المنافذ مغلقة إلاّ المنفذ الوحيدالذي كان باتجاهي فقط..عند قفزته نحوي كان مكشراً عن أنيابه في محاولة أخيرة لجعلي أترك له فسحة للهروب ..استطعتُ أن أضيق عليه الخناق عند فتحة باب الغرفة المغلقة ..وجدَ نفسه قد سقط في الفخ .. التّف حول نفسه بحركات غريبة يريد بها القفز نحو وجهي ..قبل أن يكمل قفزته كانت قبضتي وهي تحمل العصا الغليظة قد هوت على رأسه ..ترنّح من أثر الضربة وكبتَ صرخة في أعماقه ..وقفتُ انظر إليه وهو يتلوى من أثر الضربة الموجعة ..نظرتُ إلى يدي المجروحة فثارت نفسي غاضبة ..الضربة الثانية على رأسه ..جعل الدم ينزف من فمه .. أنيابه التي غرزها بيدي رأيتها ..أنياب حادة غرزها بي بكل سهولة ..وحرمني من نومي وأقلقني ..انحنيت عليه بارتياح كبير ونشوة غامرة اعتملت بداخلي ..أمسكته من ذيله كي أرميه في القمامة ..ما أن فتحتُ الباب ..حتى شعرتُ أن أحدا ما يسحبني من ياقة قميصي ..كانت أيدي كثيرة تمسك بي من رقبتي بأظافر طويلة معكوفة تنغرز في عنقي بشدة ..تقهقرتُ إلى الوراء لشدة الجذب محاولا أن أرى من الذي يمسك بي .
الدم أشاهده يغمر رقبتي ويصبغ صدري وقميصي ..طرحوني على سريري .. تركوني أتنفس بعمق ..أبحث عن نسمات هواء تعيد لرئتي الحياة ...بغتة لفح وجهي هواء بارد أنعشني .. عاد لي توازني وهدأ روعي ..نظرت حوالي ..لم أجد أيمّا اثر لجرح أو خدش في رقبتي
أين اختفت الأيدي الأخطبوطية التي كانت تمسك برقبتي ..أين الدم المسال على صدري ؟..
نظرتُ إلى يدي ..الجرح ذو الفتحتين مازال كالوشم يتوسط ساعدي ..نهضتُ واقفا أتطلع إلى مكان
غريمي الذي قتلته ..وجدتهُ ممددا فوق عتبة الباب جاحظ العينين .والدم يملأ وجهه ..حملته من ذيله ..طوّحتُ به بذراعي كالمنتصر ورميتُ به نحو كوم القمامة ..
القطط التي ضربت طوقا عليه ..اقتربتْ منه ..تشممتهُ بأنوفها الصغيرة ..ثم لم تلبث أن غادرتْ جثته دون أن تمسه
أو تجعله فطورا لصباحها الجديد .

إرسال تعليق

 
Top