كلما تذكّرَ المشهد القاسي في طفولته ،تتبعثر الصور أمام عينيه كحبات مسبحة
مقطوعة الخيط،،يضيق به الفضاء وترتسم في عينيه أسئلة صاهلة لم يطِوها
الزمن ، مدارات الأوهام تضيق عليه محملة بألم ممض ،،ظل ليله القاتم ينسج
حوله عيون تنظر نحوه بسخرية تشير إليه ،تتأجج في عينيه دموع حبيسة تأبى
السقوط ..كم حاول أن ينسى ذلك المشهد الذي رأه بأم عينيه فلم يستطع إلى ذلك
سبيلا ..يؤلمهُ منظر أبيه وهو يكد من أجل اطعامهم يخرج عند صياح الديك
ويعود إلى البيت وقد توشحت حياته بعباءة الليل ..كم حاول أن يخبر اباه
بماحصل ..ولكنه يتراجع في اللحظة الأخيرة ويطرد الفكرة من رأسه ..يدرك
تماما أن لو علمَ أباه بالخبر ..ستؤول أسرته إلى خراب ..اقتنع أنه لن يخبر
والده بالسر حتى الممات ..كلما جلس يتأمل أمه وهو ينظر إليها خلسة يعتصره
الألم ..عند التنور وهي تخبز وعند المطبخ وهي تعد لهم الطعام ..يرقبها
بعينين حزينتين وهي تدور في أرجاء البيت لتقضي حوائجهم كي ترضيهم جميعا
..كانت تحنو عليه واخوته الثلاثة ..أم رؤوم تحمل في قلبها حبا كبيرا لهم
والاعتناء بشؤونهم ..لا يملك سوى أن يغض البصر ويطرق برأسه إلى الأرض
ليمحو تلك الصورة التي لاتبارح مخيلته ..صورة قاتمة حولت حياته إلى جحيم
مستمر تعيش معه كلما نظر إلى أمه ..كان يسخر من نفسه وهو يرى أمه تتودد إلى
أبيه وتجنو عليه ..كان يحرص أيّما حرص على أن لاينكشف أمره وتنتبه له أمه
وهو يفكر بتلك المسألة .. عندما كبروا وتقادمت بهم السنين ..ظلت تراوده
تلك الصور ة المقيتة التي لازمته في صباه وشطر كبير من شبابه ..مات بعدها
أبوه بالسل ودأبت الأم على أن تكافح من أجلهم ومن اجل اكمال تعليمهم
..لطالما أوغر جروحه رؤيته له وقد جمعهما مكان واحد في شارع أو محل ..كان
الرجل يسكن في المنطقة ذاتها وكان يحاول جاهدا أن لاتقع عيناه عليه ..
استفزته فكرة القتل ..فكّر أن يقتله ليزيح عن كاهله بعض عذاباته ..لقد
شاهدهُ لمرتين وهو يستبيح وسادة أبيه .. كانت تشتعل ثورة عارمة في
داخله كلما رآه أمامه ..وكم من مرة دفعته هواجسه للانقضاض عليه وقتله أمام
الناس ..شحنة الوجع تنناسل في روحه المعذبة عابرة أسوار السكوت المر ..يلعق
جراحه لوحده في هدأة الليل يحتسي من كأس الهزيمة وتلفح وجهه ريح الخيانة
الراقدة في معطف الأيام ..عندما انتهى وأسند رأسه على دكة السرير وعيناه
تدوران في أرجاء الغرفة وعلى الجدران ..كانت عيناه تلتصقان بثمة صورة معلقة
بالجدار قبالته ..أشعل سيجارته ونفث منها نفساً وقال : _هذه صورة زوجكِ ؟..اعتدلت في جلستها ونظرت إليه مستدركة : _أرجوك لا تكن حزينا هكذا ......انهض لتستحم كي تعود إلى دارك .. _ليس لي داراً تؤويني ...أقطن في فندق . _أليسَ لك عائلة ؟
_لي عائلة تفرّقت في الأرجاء.. بعدما مات أبي بالسل وماتت أمي بالسكري
.أهذه صورة زوجك ؟ ؟...اقتربت منه مبتسمة وهي تداعب شعره الفاحم بروية _ نعم ياحبيبي ..ولي منه طفلان ..صفنَ قليلاً ثم نهض من فراشه وهو يرتدي ملابسه ..نظر إليها متسائلا ؟
_زوجكِ شاب جميل وضابط في الجيش ..حتماً هو يحبك ..أتحبينه مثلما هو يحبك
.؟...سكتت وانشغلت بارتداء ملابسها وعلامة استياء ترتسم في وجهها ..أردف
قائلا : _اذا كان يحبكِ وقد جعلكِ في تلك البحبوحة من العيش الرغيد ..فلماذا تخونينه ؟
توقفت هي عن ارتداء ملابسها ..شعرتْ أنها تلقت صفعة آلمت كيانها ..أطرقت
برأسها تنظر في الأرض ساهمة ..نهضت واقفة وسوّرة غضب تجتاح كيانها : _ سؤالكَ سخيف .
_سؤالي ليس سخيفاً ...مالذي دعاكِ إلى خيانته وهو يحبك ..تخونينه على
فراشه ..هل تجزمين أن طفليك لم يرونك معي في الفراش ؟أتدرين كم يؤلمه أن
يرى أمه مع رجل غريب على فراش أبيه ..هل تشعرين بمعاناته ؟هل تعلمين كم
يتعذب ؟ _طفلاي نائمان منذ أذان العشاء ..لم يريا شيئا ولا يعلمان بشيء ..من فضلك أخرج من بيتي ؟ قالت ذلك واتجهت لتفتح له الباب وهي ترتجف : --أخرج حالاً ..كن واعظاً لنفسك ..أخرج أيها المعتوه من بيتي لا أريد أن أرى وجهك ثانية؟
تقدّمَ متجها إليها وعيناه تتطايران شرراً ..فيما اصطكت أسنانه على ثورة
عارمة تنطلق من أعماقه دفعة واحدة ..أمسك بخناقها ..ثم هتف بها :
__لماذا تخونينه ..لماذا تخونين أبي ..ماذا فعل لكِ كي تخونينه يافاجرة
..اتكأت على الجدار القريب وفكّت عن رقبتها ،كفيه المرتعشتين ثم دفعته بقوة
ليرتطم بحافة الباب ..أمسكت بزهرية ورد كبيرة وصاحت به ملوّحة بها : _ أخرج أيها الكلب المسعور ...هيّا أخرج من بيتي ؟
..لم يفه بشيء ..استسلم مقرا بهزيمته ..نهض واقفاً .يحمل جراحه ويلّملم
ماء وجهه المراق .. متجهاً بخطى عارية صوب العتمة ، يلتحفُ بصهيل ذكريات
يبحث في ثقب لجروحه الغائرة عن ملاذ لمجنون مشتعل الحرائق ..توغّلَ في قلب
الظلام يحثُ الخطى.. ليلوذَ بصمت المدينة .
إرسال تعليق