كلما جنّ الليل، يتجهمني خوف كبير ،أشعرُ أن أحدا ما يحاول مهاجمتي ،لا أرى
ملامحه بوضوح ،له شكل هلامي غريب ،كلما غفوتُ ،يدنو مني فيوقظني وأفز منه،
يطوقني رعب فضيع ..لذا فقد هجرتُ النوم ،هزُل جسدي وشحب لون وجهي ،لاحظ
زوجي حالتي المزرية وظن بأني يتراءى لي ذلك وليس هناك شيء اسمه "الجن
"حاصرني ظلام وحدتي وأغلقت دون نفسي كل مباهج الفرح رغما عني ،خطى وجعي
عبرت بي سلالم التيه صوب جنوني القادم ،باغتتني الوساوس والأوهام حتى غدت
حقائق أشاهدها بعيني ، تملكني رعب استوطن كل مسامة في جسدي ،دأبت
أعتاش على الحبوب المهدئة ،طاف بي زوجي بعد يأس على أطباء نفسيين ،كل طبيب
يحرر لي وصفة من الدواء ،ازدادت حالتي سوءا ، الشبح الذي كان يهاجمني ليلاً
بات يهاجمني نهارا ..رغم انكساري وحياتي التي بدت غامضة لم يتركني زوجي
كان ينظر إلي باشفاق ويبدو حائرا عاجزا عن ايجاد حلا لمشكلتي ،سحنة وجهي
تغيرت كثيرا وأهملت اناقتي ونظافتي وبدوت أشبه بالمجنونة ،كلما لمحتُ وجهي
وهندامي في المرايا ،أبكي بحرقة ، حتى تجف دموعي ، خيول ومركبات وعربات
مرصّعة بالجواهر والذهب تمر من أمامي في موكب مهيب .. من بين ستارة العربة
المذّهبة يُخرج لي رأسه الهلامي القبيح ويشير إلي بيده أن _تعالي _ يجلس
عند رأسي ويمسح ‘لى شعري بتؤدة وهو يلقي علي الاشعار والقصائد ،يسمعني
قصائدا لم أسمعها بحياتي ،ثم يطلق ضحكة جهورية تصك أسماعي ويتركني ،لا أراه
يفتح الباب لمحته يخرج من خلل الباب الموصود ، بيد أني اعتدلت في جلستي
غادرتُ فراشي ، طفقتُ أعالج الباب بيدي ..يسمع زوجي النائم صوت المزلاج
،يفز من نومه ويفزع إليّ راكضاً فيربّت على كتفي ويعود بي الى فراشي
..أعرف أنني أصبحت منبوذة وانني مجنونة ولن يصدقني أحد ..حتى أمي استنكرت
أقوالي وتبعها أبي بتصديقها أنني" أهلوّس" بسب الحبوب المهدئة التي
أتعاطاها لا أحد يصدقني في شكواي ..فقررت أن أكون خرساء لا اتكلم أغرق
بلحظة صمت طويلة ربما تمتد تلك اللحظة لتصير ساعات طويلة جدا ،القلق
يسكنني كنجمة آيلة للسقوط من شاهق ،أغادرُ مملكتي وأسقط في بحور الالم
وتجرع غصص لعذابات لا نهاية لها ..غادرت صمتي فجأة بعد ان طفح كيل صبري
وطاقتي المهدورة على أبواب الرجاء : _اسمع أنا لست مجنونة ولا مريضة نفسياً ..أنا يسكنني شخص غريب يطاردني ويتغلغل في دمي _تقصدين أنك تعانين من مس شيطاني؟
_لا أدري ..لاأدري أرجوك ساعدني ..أجهشُ بالبكاء وينهار كياني وارمي برأسي
على كتفه .وانتحب ماشاء لي من العويل ..بعد أيام اصحبتني أمي وزوجي إلى
عرّاف يعالج الذين يصابون بمس شيطاني .. جر جروني هناك ..وأجلسوني على بساط
بسيط ذي لون باهت ..حملق بي الشيخ ىطويلا .لم يكن كبيرا في السن كان شاباً
يافعاً يسمونه _الشيخ_ .طلبَ معرفة إسمي وإسم أمي..سمعتهُ يقول وهو
يمسّدلحيته السوداء بأصابعة المليئة بالخواتم قائلا : __إبنتكم مصابة بمس من الجن ..وهو مايسمى بالتابعة ...قال له زوجي وهو يشبك ذراعيه على ساقيه مقرفصاً : __شيختا ..لم أفهم ..التابعة هي من الجن ؟ __ نعم من الجن وهي تاتي للناس بأشكال وصور غريبة ..تؤذيهم وتنغص عليهم حياتهم قالت أمي متسائلة : __شيخنا الجليل ..نرجو مساعدتك ..عالجها لنا واذا شفيت من علتها ..لك الحلاوة والهدية الكبرى تبسم الشيخ وتمتم قائلا بعد ان رمى بعض البخور في المبخرة القريبة منه :
__أعالجها على انفراد في غرفة مظلمة ... لن يدخل أحد معنا ..اجلبوها لي
غدا لن نختلف على الأتعاب ..سأخرج العارض منها باذن الله ..بدا الشيخ
يعالجني في الغرفة المنفردة يمددني ويقرأ علي أدعية ويتمتم بكلمات ليست
عربيةاطلاقا ..وكان ينادي بين الفينة والاخرى هاتفا : __أخرج منها
..أخرج أيها اللعين ..ثم يعود يتمتم بكلمات لم أسمع بها من قبل ..لغة غريبة
مشوهة ..كانت تصطحبني أمي في تلك الجلسات ...كانت تجلس في الصالة مع بعض
من يأتي لمراجعة الشيخ وأحيانالوحدها .. في تلك الليلة التي دخلت بها على
الشيخ ..وأوصد الباب كعادته قال لي: __إنها المرة الاخيرة.. تلك
الجلسة سأختمها بخروج الجن من جسدك و ستشفين نهائياً ..إذن سأباشر بما
أعطانيه من بخورات وطلاسم وماء أستحم فيه كل يوم جمعة بحسب تعليماته ..شرعَ
يقرأ دعاء لم يسمعنيه سابقا ..شعرتُ بعدها أني أكاد أن أفقد الوعي ..
تحدّث معي بكلمات لم أعيها وكرّر الكلام فلم أستطع اجابته لثقل لساني ..بدا
يمسح على جسدي بخرقة خضراء ..مررها بهدوء على رأسي ثم على رقبتي ومن ثم
على صدري ..سحبَ قطعة القماش وأخذ يمسّد ساقيّ بأصابعه الخشنة ..
شعرت بثقل أصابعه وهو يضغط أسفل بطني ..فتحت عيناي ورمقته بنظرة ..تراجع
فيها إلى الوراء مبغوتاً ..مسحَ فمه بكمه وأفرجَ ساقيّ ودنا مني .صرختُ لعل
أحدا يسمعني ..كان صوته أعلى من صوتي وهو يصيح : _أخرج أيها اللعين
..اخرج منها وإلاّ أحرقتك بنار السموم ..ذهبت محاولاتي بالتخلص من براثنه
أدراج الرياح ..الخدر والوهن الذي أصابني قيد حركتي وأوهن عزيمتي ..اعتدلت
بجلستي ولملمتُ ساقيّ وكورتهما وبكيت بحرقة كما لم أبكي من قبل ، مسح غلى رأسي وقال بانتشاء ظاهر :
_احذري .إياكِ ان تتكلمي عما حدث بيننا ..وإلاّ سأدمًرُ حياتكِ .. سأعمل
لك سحر قاتل لو تفوهّت بكلمة ..مفهوم ؟..خرجتُ من غرفته ورائحة خريفي
الأصفر تتضوع فوق نعش شرفي المُضاع .. تلسع وجهي عقابيل هزيمة فرّت من
أحضاني مذعورة .. تهمسُ لي عن قرابين منحورة سافرتْ فيها سكين الذبّاح بكل
يسر و سهولة .
إرسال تعليق