GuidePedia

0

** سألتنى زوجتى **
*****************باغتتني زوجتي على حين غفلة مني، وسألتني: لماذا لم تكتب عني طوال حياتك قصيدة شعر واحدة، وأنت الذي “دوشتنا” بشعرك أربعين عاماً، لم يثمر لنا فيها سوى المعاناة والاضطهاد والألم؟!

أُسقط في يدي، ووجمت قليلاً، و”بلّمت”، وحاولت الفرار فلم أفلح، لكنني سُرعان ما استجمعت قواي، ولملمت أشلائي، وتدبرت الأمر مليا، فوجدتني فعلاً لم أكتب لها أو عنها بيتاً شعرياً واحدا،ً ولا حتى شطراً من بيت!
سافرت فى الزمان، وتجولت عبر التاريخ، فاندهشت حين لم أجد شاعراً عربياً واحداً كتب عن زوجته ولا حتى مرثية يُعدد فيها مناقبها بعد مماتها! اللهم سوى شاعرين فقط قد خرجا عن تلك القاعدة، وشذا عن هذا النهج العربي المُتفرد؛ وهما: جرير قديماً، ونزار قباني حديثاً!
فلا أحد ينسى مرثية نزار الطويلة الشجيّة الغاضبة لزوجته الجميلة بلقيس، التي قُتلت إثر تفجير حزب الله السفارة العراقية في بيروت، فتحولت بلقيس إلى مرايا مُتكسرة، كما قال شاعرنا العظيم.
كما لاحظت أن الشاعر العربي غالباً ما يكتب عن حبيبته حتى ما تزوجها، كف عن ذلك، أو يكتب عن عشيقته التي تتسلل إلى خيمته ليلاً، أو يفاجئها هو كما كان يفعل عمر بن أبي ربيعة وأبو نواس وغيرهم.
وكان لابد من الإجابة على سؤال زوجتي دون لفّ أو دوران، ودون السياحة في التاريخ والتوهان في حياة الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، لأنهم في كل واد يهيمون، ويعيشون ما يتوهمون، فيجعلون العطور تُرى، ويتذوقون امتداد الصدى!
فقلت: (إحنا، سلونا كده) أي أن هذه من عاداتنا العربية التي تمنع علينا ذكر الحليلة في نصوصنا حية ولا ميتة. ألم تعرفي أن المرأة عورة، كلها عورة، حتى صوتها واسمها عورة، كما أفتى لنا مشايخنا شفاهم الله وعافاهم، وإن تلطف بعضهم فاكتفى باليدين والكفين فقط؟ .
تابعتُ وقد بدا عليها الاستسلام لما أقول: كما أنني أرى أن الحياة الزوجية ما هي إلا قصيدة شعر مُمتدة، أو مَلحمة، أو مُعلقة، تبدأ أبياتها الأولى بالنسيب والهوى والصبابة والعشق، ثم تتنوع فقراتها وفقاً لأحداث الأيام ومُجرياتها، وما الحياة إلا لحظات كحبات المسبحة الملضومة في خيط الود والرحمة، لحظة صدق، لحظة ألم، لحظة وداع، لحظة لقاء، لحظة جموح، لحظة فشل، لحظة نجاح، لحظة صبر، لحظة خلاف، لحظة اتفاق، لحظة إمتاع، لحظة نزق، ثم لحظة فراق!
لكنني حين تأملت وجه زوجتي، اكتشفت أنها تتهمني في باطنها بالنصب والتحايل والمراوغة، على غير ما ألفت منى !! .
مأمون الشناوى ـ المنصورة ـ 19 / 4 / 2015

إرسال تعليق

 
Top