GuidePedia

0


مر أسبوع على لقائى بها.. أبدو قبيحًا جدًّا فى المرآة هذا الصباح.. شبح شارب يلوث ملامحى.. لون رمادى يسكن تحت أنفى.. لكننى سأحظى بشارب جذاب للمرة الأولى فى حياتى.. وكأننى أصمم حياتى بخطوط ورسومات ضد كل التيارات التى خبرتها سابقًا.. أحاول جاهدًا تجاهل السؤال: (هل أستطيع تغيير كل الخيوط مرة واحدة؟).. لكننى كنت أشعر بتوازن نفسى غريب للمرة الألى أيضًا فى حياتى.. كنت هادئًا لا أنتظر شئ ولا اكره شئ.. فى حالة هدنة مع العالم.. سلام مؤقت قبل توقيع مذكرة حرب لا يكرهها أحد.. قررت أن أقضيّ الليلة مع صديقيّ القديمين (شاكر مرتضى وفواز كرم) بعد انقطاع عن السهر لمدة أسبوع كامل.. شاكر شاعر جميل وطبيب أطفال ناجح.. يصغرنى بعامين.. يعتبر أن أهم ما حققه فى حياته هو زواجه من جارته وزميلة دراسته (ريم) رغم أنهما لم يرزقا بأبناء.. هو شاعري حد البكاء بسهولة كلما تركناه وحيدًا مع ضوء القمر.. عندما ذهبت الليلة وجدت شاكر وحيدًا فى مقهى سعفان.. المقهى مكان شبه ناءٍ يقع فى أول الطريق الزراعى.. اندهشت حين زرت هذا المكان للمرة الأولى منذ خمس سنوات لأننى وجدته مرخصًا.. ومازلت أذكر جملة (سعفان) صاحب المكان والقهوجى الوحيد : (وهل تعتقد أنك القاضى الوحيد الذى يأتى هنا؟).. هذا المكان لهواة الاختباء.. هو مخبأ مثالى من كل ما تعرفه فى العالم.. كان شاكر يدخن الشيشة واستقبلتنى رائحة معسل الكرز على البعد.. قلت وأنا أقبل عليه: - قلت لك مائة مرة أن الكرز شيشة (حريمى).. لا أعرف ما يعجبك فيه.. - مازلتَ حيًّا يا (أبو صلاح).. أطلت الغياب.. - أين المجرم الثانى؟ - محبوس فى قضية تصحيح.. نتيجة رابعة تجارة محجوبة بسبب مادته.. كان شاكر هادئًا كعادته باسم الوجه معظم الوقت.. طلبت قهوتى السادة وشيشة (أص صعيدى).. وعلا الدخان فشعرت بأن شهرًا من عمرى لم يمر وأننى سأغادر باكرًا حتى ألحق قضاياى فى الرول غدًّا باكرًا.. شعرتُ بمغص فاجأنى فى الحضور وفاجأنى فى الرحيل.. زلزال معدة صغير.. قال شاكر مذكرًا إياى بالواقع: - تبدو بخير لكنك لا تتصرف بخير.. لا يتغير أحد ويغير كل قوانين حياته بسرعة ويكون بخير.. هل اتصلت بأسرار؟ - الرجل الذى يتصل بامرأة جديدة سريعًا يستعجل النطق بكلمة النهاية سريعًا.. - وما أدراك أنها ستقبل أن تتحدث معك؟ لا تبدو من هذا النوع.. - ولا أنا من النوع الذى يحب (هذا النوع).. ستقبل ولا تشكك فى (أبو صلاح) لأن الأمر مختلف هذه المرة.. - مازلت أستاذًا.. ربنا يتوب عليك.. - وماذا تعرف أنت يا أحادى التجربة ؟.. سأتصل ولكن بعد أن ينمو شاربى.. صرت متسخًا هذه الأيام.. - دعك من كل هذا.. كيف أنت يا صلاح هذه الأيام بحق؟ - كل شئ يمر بسلام.. أخطط لحياتى بهدوء.. بدأت فى تجهيز أوراقى كى أكون محامى أحوال شخصية.. وعلاقتى بابنتى تزداد قربًا لأننى أملك المزيد من الوقت.. لا يقلقنى البعد عن زوجتى فهى ليست المرة الأولى.. - هى امرأة طيبة.. - لكنها ليست ذكية.. لكن لا يقلقنى إلا أمر واحد فقط الآن.. حين تتقدم بنا الحياة تذكرنا كل التفاصيل بتفاصيل أخرى سابقة يسمونها (الذكريات).. كل ما يحدث يذكرك بآخر حدث قبلا.. ومع الوقت تكتشف أنك كبرت.. وأن الحياة لم تعد تدهشك لذا لم تعد كافية.. عليك أن تزهد أو أن تبذل مجهودا أكبر لتجد الدهشة.. لتتمرد على قانون كبير هو : (الاعتياد).. كل الذكريات خائنة حتى لو كانت جميلة.. كل الذكريات تمضى ولا تعود.. - أخيرًا سمعتك تقول (خائنة) بصيغة المؤنث.. كانت الليلة هادئة جدًّ حتى قاطع هاتف شاكر هدوءنا.. هى المرة الأولى التى أصادف فيها حالة أزمة قلبية مفاجئة.. بدا مجنونًا تمامًا حين علم أن زوجته فى طريقها للمستشفى.. أما أنا فاصطحبته فى سيارتى لهناك.. وقاطع قلقى هاتفى: - سيادة المستشار.. أنا الدكتورة أسرار.. - نعم ؟! - أرجوك (الحقنى).. - ماهو تخصصك ؟ - أمراض نساء.. لماذا؟ - "مايضرش".. ألحقي بي فى (مستشفى الدكتور شاكر مرتضى) فى مصر الجديدة.. وهناك (هألحقك).. هل تستطيعين؟.. ومرة أخرى -دون أن تقصد- تجعلنى هذه الفتاة أشعر بالاندفاع من أجل حياة أحبها.. حياة أريد اقتحامها لم أعرفها من قبل.. ورغم أنها تفاجئنى بمشكلة كل مرة تظهر فيها إلا أننى أشعر بهدوء وسلام وأنا أتعامل مع حروبها.. ملحوظة: هذه المذكرات خيالية تمامًا وأى تشابه بينها وبين أية تفاصيل واقعية هو أمر غير مقصود على الإطلاق وقد يقع بمحض الصدفة.

إرسال تعليق

 
Top