جابر شلبي
12 يناير، الساعة 09:42 م ·
( الأطلال) " مقال رقم ٨٢"
هذه ليست أطلال " ابراهيم ناجي " كلاما ، ولا " رياض السنباطي " لحنا ، ولا " أم كلثوم " غناء . بل هي أطلال أخرى " جمعها : طلول . ومعناها : " مابقي شاخصا من آثار الديار ونحوها " . فكل منا لديه طموح وأهدف . نفكر كثيرا في المستقبل ، ونحاول أن نجد طريقا للنجاح . ولكن قد نفاجأ بمعوقات وظروف تجبرنا أن نتراجع . نحتاج ساعتها لكلمة تفاؤل تدفعنا إلي الأمام وتعيد فينا روح العزيمة والاصرار للوصول إلي هدفنا وتحقيق أحلامنا . اعلم بأن " السقوط لايهم بقدر ما يهم النهوض " . وأن البكاء علي الأطلال لا يفيد ولا يغير من الواقع شيئا . البكاء على ما مضى وانتهي أمره ، لا يغير من الواقع الذي نعيشه ونكتوي بناره . " نحن عرب وأنا أفتخر بذلك ، العرب هم عرضي وشرفي ورأسمالي وتاج رأسي " . أقول هذا وأفتخر به الآن لما سمعته يقال عنا " أننا متأخرون ، متخلفون ، ولسنا لن نكون أبدا في المقدمة . فنصدق ذلك ونحبط ، وننسى أو نتناسى ما توصل إليه أجدادنا العرب من مجد وحضارة وثقافة ، وقيادة في شتى المجالات وإلمام بجميع الميادين . فنصبح وكأننا نستنجد بأجدادنا ليعيدوا لنا الماضي الجميل ، فيحققوا لنا المراد ، ويضعونا في المقدمة " بقدرة قادر ، وبفعل فاعل " فمن ياترى الذي قال " كن من شئت واكتسب أدبا .. يغنيك محموده عن النسب" أو من القائل " إن الفتى من يقول ها أنا ذا .. ليس الفتى من يقول كان أبي " أليس عربيا من قال هذا وذاك ؟ " عجبا لكم تريدون الارتقاء والنهوض بالأمة وتنتظرون الأموات ليرتقوا بكم إلي المجد وإلي العلا . فهل أبائكم اعتمدوا علي أبائهم ؟ من القائل " ما حك جلدك مثل ظفرك فتولى أنت جميع أمرك " . أليس واحدا من العرب ؟ هذا جدك الذي تفتخر به، هو من نقش اسمه في التاريخ وخلده بالصبر والتحمل .. ونقشت أنت خلفه " البكاء والعويل " . " فضحت نفسك وفضحت أجدادك" . أخي العربي " ليس التقدم بالبكاء والعويل ولا بالشجب والتنديد علي صفحات الجرائد أو في نشرات الأخبار أو علي شاشات الفضائيات . أو الخروج في مظاهرات ، أو الهتافات الحنجورية فقط . فأجدادك لم يفعلوا ذلك " لا تبكي علي الأطلال وقم وشمر عن ساعديك وانفض غبار الهزيمة والذل والخنوع عن نفسك . وحك جلدك بظفرك أنت لا بأظافر غيرك . وابحث واجتهد واكتشف وستخرج من لا شيء أشياء كثيرة كما انطلق أجدادك من الصفر . " صدقني أخي العربي " إن البكاء علي الأطلال لا يجدي ، فلا تتردد بعد اليوم فكلمة " كان " فعل ماضي " ناقص " والناقص لا يكفي كما تعلم ، أو علمك جدك ، واتبع طريق أجدادك كي تنسب لهم " ولا تبكي علي اللبن المسكوب " فاللبن المسكوب لا يعود ثانيا للإناء ، لا تبكي علي أيام مرت أو علي شيء فات فلا وقت للبكاء فالبكاء أصبح حيلة الضعفاء ، فالبكاء ليس من شيمة العرب، فالعرب لا يبكون ولا يصرخون ، بل يفعلون وهم قادرون ، " كفانا بكاء علي الأطلال " كفانا بكاء علي أشياء ليس لها معنى ، كفى بكاء علي أمجاد الأجداد التي ضيعها الأبناء ! " أما كان الأجدر بنا بدلا من أن نقول أجدادنا فعلوا ، كذا وكذا ، أن نعمل نحن حتى يقولون عنا أحفادنا كما نقول نحن علي أجدادنا ... والسؤال : هل سنظل نبكي علي أطلال الماضي ونقول كنت وكنت في الماضي ، وكان لدي ، وكان عندي في الماضي ، كنت أفعل وأفعل في الماضي ، أين أنت من حاضرك هذا ؟ . وماذا جهزت لمستقبلك الآتي ؟ . إن كان حاضرنا غائب فهل للماضي وجود ؟ . بماذا نفتخر ولماذا ؟ " لا أنكر أن ماضي العروبة كن صرحا للانتصارات ، ولكن حاضرنا اليوم غائب او قل أن شئت " كان صرحا من خيال فهوى " وحاضرنا ليس له وجود ! . وإن أردتم التأكد من ذلك اسألوا " فلسطين ، والعراق ، وأفغانستان" أعلم أننا نمر بلحظات ضعف وعجز ، لكن هل نستسلم لها أم نتغلب عليها سريعا ؟ " إن ساعة واحدة حافلة بالأمجاد تساوي عصرا بكامله خاليا من الأمجاد" لكن لابد أن تكون هذه الساعة مطلب لا ذكرى . أي أننا نعمل لإدراكها حتى ندركها ، ثم نعمل لإدراك أخرى أكبر منها ، وهكذا ، ولا نقول كنا ، وكنا . أو نبكي علي الأطلال ، نعم " اللي ماله ماضي ماله حاضر " . بس بشرط نستفيد من الماضي من أجل بناء الحاضر والمستقبل ، " مش نكبر مخدة الماضي وننام عليها نومة طويلة ، لا نستيقظ منها إلا علي كارثة مدوية كبيرة كالتي أيقظنا عليها المدعو " ترامب " . هل ستظل عقدة الماضي عالقة في أذهاننا من المناهج الدراسية وكتب التاريخ ؟ ونظل نقول " أمجادنا في الماضي ، ريادتنا في الماضي، ماضينا المنير ، أين أمجاد حاضرنا ؟ . هل اختصرناه واختزلناه في أغنية " أمجاد يا عرب أمجاد ؟ " أين الريادة في حاضرنا ؟ أين حاضرنا المنير ؟ ... فقد بات التلقين بمثابة تعجيز " الطفل ينشأ علي بطولات الماضي وذكرياته " فيكبر علي أمجاد الماضي ، ويشيخ علي بطولات من سبقونا ، ويموت ولا يرى بطولات حضرنا ومستقبلنا ." من الشرف أن يكون لنا ماضي مشرف نتشرف به ، لكن من الكرامة أن يكون لنا حاضر نعيش ونحيا عليه بعزة لا بذكريات وبكاء وعويل علي " الأطلال " ...

إرسال تعليق