لا النواح ولا الأمنيات !!
بقلم الدكتور محمد القصاص
ما أنتُزع بالقوة ، هل يُسترد إلا بقوة أشد وأعظم ؟
شريعة الغاب التي يطبقها الصهاينة في فلسطين ، ضاربين عرض الحائط بكل القيم والمواثيق والأعراف التي وضعتها الدول الظالمة ، لتستخدمها حينما تشاء ، بلا عدالة ولا نزاهة . لا والله لن يسترد حقنا إلا بتضحيات كبيرة تفوق مستوى المواجهة مع العدو الذي اختار طريقا موحلا محاطا بالقتل والدمار وأنهار الدماء .
نحن أمام غطرسة عصابات صهيونية مجرمة ، لم تفهم سوى لغة القوة ، ولن يثنيها عن ارتكاب مزيد من الحماقات والمجازر بحق أمتنا وأوطاننا المحتلة سوى المواجهة الشجاعة وتقديم التضحيات والبطولات التي يعرفها الصهاينة عن العرب ، ويفهمون لغتها والطرق التي يردون بها ، حينما يجمعوا على تقديم قرابينهم من الأبناء في ساح الوغى بشرف ورجولة ، وبعد أن يعلن أصحاب الحق صدقا بأنَّ حقهم لن يضيع مهما بلغ تعنت الصهاينة ، وقد بلغ بالفعل حدَّا لا يمكن السكوت عليه أبدا ، بل فقد زاد عنادهم واستهتارهم بالحق العربي ، ومارسوا أنواعا من الاضطهاد والبغي ما لم نسمع عنه في التاريخ ، منذ أن قامت أمريكا باحتلال بلاد الهنود الحمر في الغرب الأمريكي ، حينما غزتهم في عقر دارهم ، ونكلت بهم وقتلت وشردت عشرات الملايين منهم ، وقتلت أطفالهم ونساءهم بلا رحمة ولا شفقة .
إن لغة الاحتلال وتشريد المواطنين من أراضيهم التي تفهمها أمريكا ، هي بالنسبة لهم أمرٌ مشروع ، لا يحرك شعرة في أجسادهم ، ولا يهزَّ مشاعرهم ، لا من قريب ولا من بعيد .
الصهاينة اليوم ، باتوا يدركون أكثر من ذي قبل ، أن العرب حينما يثورون ، فإنهم يملئون الدنيا زئيرا ودخانا ، ولا يخيفهم لا الموت ولا الاستشهاد ولا التضحيات ، ولا العنف و لا القوة ولا التهديد . والدنيا كلها تدرك بأن مواكب الموت والتضحيات التي قدمت خلال سنوات الربيع العربي في سبيل الشيطان ، كان بإمكانها أن تحرر ما احتل من أراضي الهنود الحمر كلها من طغيان واحتلال أمريكا التي استمرأت القتل والاحتلال وتشريد أصحاب الحق من أوطانهم ، وأن تحرِّر كل أرض فلسطين من براثن الاحتلال والبغي بكل بساطة .
آن للحكام العرب أن يستعيدوا كرامتهم ، وأن يلمُّوا شعثهم ، ويوحدوا صفوفهم ، على أن يكونوا قبل كل شيء ، صادقين مع الله ومع أنفسهم وضمائرهم ومع شعوبهم وأوطانهم ، بل وإن عليهم أن يقطعوا كل وسائل التواصل مع الصهاينة ومن يساندهم من دول البغي والشر والعدوان ، على أن يبادروا فورا وبلا تأخير أو تأني بقطع العلاقات حتى الشخصية منها والودية ، والاتصالات بكل أشكالها ، وإغلاق السفارات وطرد الدبلوماسيين التابعين لتلك الدول ، وعدم السماح برفع الأعلام القذرة التي ترفرف في سماء أقطارنا وإلى الأبد .
إن الجامعة العربية اليوم ، يجب أن تكون أكثر ما تكون جدية وصرامة ، وعليها أن تدعو إلى اجتماع جاد وهادف وصادق ، يشترط أن يحضره جميع زعماء العرب الشرفاء ، وألا يتخلف عنه أي منهم مهما كانت الحجة والظروف ، وعليهم أن يتخذوا قرارا بالإجماع ، من أجل قطع العلاقات بكل أشكالها مع العدو الصهيوني أولا ، ومع كل الدول الظالمة التي تسانده في احتلاله وغطرسته ، حتى العلاقات الودية والشخصية ما بين بعض الساسة العرب الذين اعتادوا على رضاع لبان الكذب والنفاق والعمالة من براثن العدو ، وأن تتخذ كلها موقفا واحدا صادقا لا مراوغة فيه ، من أجل أن تجد في قراراتها صلابة وجدية وقوة ومنعة ، وبهذا وحده يمكنها أن تجبر كل الدول المعادية إلى إعادة النظر بأهمية وجود جامعة عربية صادقة لا تتراجع في قراراتها حينما تتخذ ، ولا يحضر جلساتها أي خسيس من العملاء والصحافة العميلة البغيضة ولا حتى أي خسيس من الساسة من خارج المنظومة العربية ، وبهذا فقط ، يمكن أن نفخر بوجود أقطار عربية متحدة تحت راية واحدة ، وزعماء أطهار صادقوا الضمائر ، مخلصين منتمين أوفياء لكل قضايا الأمة ، وعليهم أن ينبذوا كل الخلافات جانبا ، وأن يدَعوا كل أسباب الفرقة والنزاعات والحروب التي ما زالوا يقومون بها نيابة عن العدو وأذياله في المنطقة وفي العالم ، وأن يترفعوا عن القتال من أجل الكراسي والمناصب والزعامات .
وليعلم الزعماء العرب ، بأن المسئولية التي يتولونها هي تكليف وليس تشريف ، وعليهم أن يفهموا جميعا بأن الدستور هو الذي يجب أن يطاع وينفذ ويسود ، وعلى كل زعيم عربي أن يتخلى عن مرضه وجشعه ورغباته ، وشهوته وحبه وشغفه لممارسة السلطة على حساب الوطن والشعب ، بل وعليه أن يعلم بأن السنوات الأربع التي يتولى فيها الزعامة ، هي كفيلة بأن تجعل منه بطلا قوميا ، أو عميلا وخائنا لا يمكن الاعتماد عليه بأي مسئولية في المستقبل .
أيها الزعماء العرب : عليكم أن تجعلوا من أنظمة الغرب اقتداءً لكم عندما تحكمون ، وهي ضرورة التقيد بمواد الدستور ، وبالمدة الزمنية التي يقرها الدستور وهي أربع سنوات لا غير ، إذ يتوجب على كل زعيم بعد انتهاء مدته الزمنية أن يغادر الكرسي وهو مطمئن ، كريم الجانب ، بلا انقلاب ولا وحشية ولا حروب ولا قتل ، ولا دمار ولا نهب لثروات شعبه ووطنه ، ولا حروب ولا دمار ولا تخريب .
فهل يمكن للزعماء العرب أن يصبحوا بعد اليوم وبعد هذا الانفلات الأمني والدمار الذي لحق ببلدانهم ، أن يصبحوا أكثر منطقا واتعاظا من ذي قبل ، وأن يصبحوا سادة وقادة مخلصين يتحدث عنهم التاريخ ؟ هل يصبحوا مثل عمر بن عبد العزيز ؟ هل يصبحوا مثل زعماء العالم الذين لا يعرفون عن الإسلام شيئا ، لكنهم أثبتوا وجودهم حقا على خارطة الإصلاح ؟ هل يكونوا على الأقل مثل نيلسون مانديلا ؟؟
أتمنى ذلك ، وعسى أن يقوم أمين عام الجامعة العربية بالكثير من البطولات لكي يحقق لنا الأماني ، وإن لم يستطع فعليه أن يغادر قبل أن يلعنه الساسة والسفهاء على حدٍّ سواء ، والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل ...
إرسال تعليق