GuidePedia

0
البحث عن النجاه
أثناء تجوالي في احدى المكتبات وقع نظري على كتاب بعنوان – طعام – صلاه – حب - امرأة تبحث عن كل شئ – لكاتبة امريكية من مدينة نيويورك تدعى - اليزابيث جيلبرت -وقد قرأت على غلافه أن عدد من قرأ الكتاب قد فاق الاربعة ملايين قارئ وأن له الكثير من المعجبين منهم - هيلاري كلنتون - وقد علمت أنه قد تم تحويله الى فيلم سينمائي وهو جزء من سيرة ذاتية للكاتبه - لقد فشلت في زواج مدمر وهي في سن يافعه وتعبت في الحصول على الطلاق وعانت بعدها من علاقة حب ملتهبه انتهت بالفشل ايضا – وهكذا بدأت فصول المأساه !!!! – تقول في بداية بحثها عن النجاه – لم أكن مهتمه بآرائي الدينيه بل كنت اسعى الى انقاذ حياتي فقد بلغت حالة من الخطورة واليأس -- في هذه الحالة يلجأ الناس الى الله للمساعده ----
وفي سياق آخر فهي تعزو فشلها في الزواج والحب الى تفكيك النظام الأبوي في أمريكا والذي كان يجعل الآباء أولياء على بناتهم اذ كانوا يدققون فيمن يتقدم لخطبتهن والزواج منهن فكانوا يسألون عن اوضاعهم واحوالهم ومدى كفاءتهم للزواج --- أما وقد تخلوا عن هذا االنظام أصبحت الفتيات يأخذن على عاتقهن اختيار الزوج فيقعن في مآسي الحب العابر والزواج العاثر والطلاق ---- كما أنها تصف سلوك المرأة عموما بظل سيف احدى حديه الأعراف والتقاليد والنظام والحد الآخر هو الفوضى المحفوفة بالمشاكل والمخاطر ---- وهو ما ابتليت به وأوصلها الى مستنقع التعاسه ----
نتيجة المعاناة القاسيه من فشل الطلاق ومغامرة الحب الفاشله وصلت حالتها النفسية الى درجة جعلتها تفكر بالانتحار وقد لجات الى الأطباء النفسيين الذين وصفوا لها انواعا من الحبوب المهدئه --- لقد دخلت حياتها مرشدة هندية لها معتزل في الهند للمارسة رياضة اليوغا --- فقررت البحث عن النجاة بالارتحال الى كل من ايطاليا والهند واندونيسيا بحثا عن الخلاص من الآلام والأفكار السوداوية ولمدة سنة كامله تقضي أربعة اشهر في كل بلد من البلدان الثلاث ---- بحثا عن الاستقرار النفسي واعادة التوازن ما بين متطلبات الروح والجسد --- تبحث عن استكشاف فن المتعة في ايطاليا وفن التأمل والعبادة في الهند والموازنة بين الاثنين في اندونيسيا -- في ظنها أن ذلك يعيد لها الأمن والاتزان وينجيها من متابعة الغرق في وحل عذاباتها ----
قضت أربعة أشهر في ايطاليا تتنقل فيها وتستمتع بما يروق لها من الاطعمة الشهية والاجواء الهادئه وجمال الطبيعة والصداقات العابرة وتعلم اللغة الايطاليه والتي اعجبت بها كثيرا --- وباختصار جاءت لاستكشاف فن المتعه -- وقد وصفت مدينة روما بمدينة الجمال والمرح والنوافير والتاريخ والجنس والاثار --- وقد تعلمت اللغة الايطاليه وزاد وزنها 11 كيلو جراما خلال تلك المدة التي قضتها هناك – وهي تعتبر أن هم الشعب الايطالي الاول هو المتعة بكل اشكالها من الطعام والشراب والحب – عكس مقولة أفلاطون الذي يقول انه لا يمكن لأية مدينة أن تعيش في سلام أيا تكن قوانينها اذا كان مواطنوها لا يفعلون شيئا سوى الاستمتاع بالطعام والشراب والحب --- والطليان يعتقدون أن من ماتوا في حرب العراق انما قضوا في سبيل ثأر شخصي لجورج بوش ولم يؤيدوا تلك الحرب التي شارك فيها حكامهم رغما عن ارادتهم -----
وبعد الشهور الأربعه غادرت ايطاليا وقد اختبرت المتعه الخالصه والتي اعتبرتها ليست مثلها الثقافي فهي تنتمي الى صف طويل من ذوي الضمائر الحيه كما تقول --- لذا عليها أن تخوض في تجارب ومغامرات أخرى بحثا عن الخلاص ----
حطت في محطتها الثانية في الهند - اتجهت فورا نحو المعابد البوذيه وأخذت تمارس الطقوس من صلوات وتامل واعتزال بعزيمة قويه واصرار وجهد شاقين – وقد غنت الاغاني وانشدت الاناشيد البوذية باللغة السنسكريتيه ومارست الأنواع المختلفه من العبادات - فقد توصلت الى أن التأمل يحتاج للسكينة والخشوع بحيث لو وقف طائر على رأس المتامل لظنه تمثالا جامدا --- وأن السجود في الصلاة يحتاج للنية الصادقه والدعاء الحقيقي بحيث كانت تسجد على رخام المعبد وتتلو الأدعيه ولا تقف الا بعد أن تشعر بأنها كانت صادقة في دعائها مهما طال الوقت !!!
لقد لقنت على أن ممارسة رياضة اليوغا يشكل اتحادا بين العقل والجسد بين الفرد والخالق بين المعلم والتلميذ وهي رياضة تلين أعضاء الجسم استعدادا للتامل كما قيل لها وكما دخل في وجدانها
وقد علمت أن التاويين يعزون عدم الرضا عن النفس وما يجلب التعاسة هو انعدام التوازن ما بين متطلبات الجسد والروح - وفي المعتقدات اليهوديه والمسيحيه يعزى عدم الرضا الى الخطيئة الاصليه - أما اتباع فرويد فيعزون ذلك الى التضارب ما بين الرغبات الطبيعيه والضرورات الحضاريه - وممارسي اليوغا يعزون ذلك الى الخطأ في الهويه فهم يعتقدون ان البؤس يتأتى بالاعتقاد بأننا أشخاص وحيدون مع مخاوفنا وعيوبنا واحزاننا واخلاقياتنا فلا بد ان ندرك ان بداخلنا جميعا توجد ذات أسمى تنعم بسلام أبدي – تلك هي هويتنا الحقيقيه الكونيه كما يعتقدون - وبدون ذلك سوف يلازمنا البؤس ولن نرى السعاده أبدا -- فلا بد من السيطرة على النفس وعدم اجترار الماضي أو الخوف من المستقبل – لقد تعلمت أن من يمارسون اليوغا الحقيقيون يؤمنون بوضعية التوازن ويرون أن كل هذا العالم على أنه تجلي لطاقة الله الخلاقه ---
غادرت الهند بعد اربعة اشهر من الممارسات التعبدية التاملية الشاقه واتجهت نحو جزيرة بالي الاندونيسية والتي يدين سكانها بالبوذيه والتي انتقلت اليها من جزيرة جافا والتي وصلتها أصلا من التجار الهنود في القرن الرابع الميلادي --- وفي القرن السادس عشر وعلى اثر انتفاضة اسلاميه لجا ملوك جافا وكهنتها وحرفيوها الى جزيرة بالي وحملوا معهم ارثهم الحضاري والثقافي ---- واخذوا يماسون طقوسهم وأنظمتهم الاجتماعية المعقده وفرضوا وجودهم وثقافتهم وعقيدتهم --- لقد ارتحلت الى بالي للسعي للتوازن ما بين المتعه الدنيويه التي وجدتها في ايطاليا والتعبد الروحاني الذي مارسته في الهند -- قصدت عرافا كانت قد رأته في زيارة سابقه لبالي تاخذ عنه الحكم وقراءة الكف والعلاج بالأعشاب وكان قد ورث فن العرافة عن تسعة أجيال من العرافين --- وتجولت واطلعت على الطقوس البالية الغريبه من خرافات وتقاليد وتنجيم والتقت أسرة فقيرة مكونة من أم وبناتها وطفلتان تبنتهما وهي تعيش من المعالجة بالاعشاب وقد جمعت لها تبرعات عبر الشبكة العنكبوتيه مما ساعدها في ايجاد بيت يأوي هذه الأسرة الفقيره ---
لقد اعتبرت أن التوازن المنشود قد عاد اليها اخيرا بعد الجولات الثلاث - والتي عرفته بأنه الحرية المتساوية أو الامكانية المتساوية للسقوط في أي اتجاه وفي أي وقت كان وفقا لكيفية سير الامور --- وأخيرا قد تعرفت على عشيق برازيلي يكبرها بحوالي عشرين عاما -- شربت معه كؤوس الغرام والحب حتى الثماله حتى مرضت !!! ووجدت العلاج لمرضها من خلال الأعشاب التي اعدتها لها تلك العرافة البالينيه ---- واتفقت مع عشيقها البرازيلي على اللقاءات الحميمية في كل من أمريكا وأندونيسيا والبرازيل واستراليا كلما سنحت لهما الظروف وحسب مقتضيات الحال فلكل منهما مصالحه واهتماماته الخاصه -- ؟؟
لقد ارتأت من خلال رحلتها أن مواطنوها الأمريكان - وهم يتقدمون بالسن يتوقون ليكون لهم ايمان بشئ ما – الى شئ روحي يعبرون فيه عن حزنهم أو امتنانهم أو السعي لفهم ما يدور من حولهم - والمشكلة كما تقول ماذا يعبدون ولمن يصلون !!؟؟ ثم تكمل – لك الحق في البحث وانتقاء الديانة التي تقتنع بها حين يتعلق الامر بالروح وايجاد السلام حتى لو اضطرك ألأمر للسفر بعيدا في سبيل ذلك – انه تاريخ البحث الجنس البشري ولولا ذلك لكان الكثيرون ما زالوا يعبدون تماثيل القطط الذهبية المصريه !!؟؟ - لعل هذا الخواء الروحي هو الذي يهيئ للاسلام الانتشار في أمريكا والغرب عموما بأعداد كبيره !!!
أخيرا اعتبرت أنها قد انجزت في رحلتها التي استمرت عاما كاملا - انجازات كبيره فقد توصلت الى الطلاق وتجاوزت قصة الحب الفاشل ونظفت جسدها من الأدوية المهدئه وتعلمت اللغة الايطاليه ومارست الروحانيات في الهند ودرست الحكمة عند عراف اندونيسي واشترت منزلا لعائلة فقيره وسعدت أخيرا بالحصول على عشيق برازيلي -- يا لها من نتيجة مفجعه !!؟؟ بعد كل هذا الجهد لعلها عادت لنقطة الصفر – ولا أدري كيف ستؤول الأمور بعد ذلك ؟؟؟
لست أدري كيف يكون الحال لو أن هذه السيدة قد التجأت الى احدى المراكز الاسلاميه المنتشره في أمريكا ؟؟ كيف يكون الحال ؟؟– كان من الممكن أن تجد ضالتها في هذا الدين القائم على التوازن الحقيقي ما بين ماديات وروحانيات – دين الفطرة – دين الاسلام الذي ارتضاه خالق البشرية لكل البشريه – نحن المسلمون علينا ان نحمد الله في كل حين على هذه النعمة التي انعم الله بها علينا نعمة الهداية الى هذا الدين القويم الذي يلبي كل الاحتياجات المادية والروحيه للانسان اينما كان ---
لقد ورد في خاطري وانا اطالع هذه السيره كيف ان الله قد هدى الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه الى الاسلام وهو يبحث عن الحقيقة وما يرتاح له من دين --- وهو الذي بدأ حياته في احدى قرى اصفهان من بلاد الفرس - حيث كان ابوه دهقان قريته – مجوسي تشتعل النار عنده باستمرار - الا ان الفتى مر بكنيسة فاعجبته صلاة من فيها واخبروه ان اصل هذا الدين في بلاد الشام فارتحل الى الشام مع التجار واتجه الى احد الاساقفه ليخدمه ويتعلم منه ويصلي معه الا أنه اكتشف أن هذا الأسقف وضيعا يأخذ أموال الصدقة ويكتنزها فكرهه ولما مات الأسقف أبلغ عنه - ثم ارتحل الى الموصل حيث أبلغوه عن رجل صالح هناك فعاش معه حتى وفاته - ثم ارتحل الى نصيبين حيث عاش مع رجل صالح آخر - ولما مات ارتحل الى رجل صالح بعموريه - ولما حضر الوفاه ذاك الرجل الصالح سأله سلمان الى أين يتجه فأخبره أنه لا يعلم رجلا صالحا ينصحه ان يتجه اليه - ولكن أبلغه بالقول – قد اظلك زمان نبي هو مبعوث بدين ابراهيم يخرج بأرض العرب ياكل الهديه ولا يأكل الصدقه وبين كتفيه خاتم النبوه – فانتظر مرور نفر من بني كلب واعطاهم ما كان يملكه من البقر والغنم وارتحل معهم الى المدينه حيث التقى الرسول صلى الله عليه وسلم وتعرف عليه من خلال الصفات والعلامات التي قيلت له - فدخل في الاسلام وناصره بكل قوته وحسن اسلامه ووصل الى مبتغاه من معرفة الحقيقه والنجاة من الشرك والضلال – وعاش حياته في طمأنينة وسلام بعد ان عمر الايمان قلبه فقد كان رضي الله عنه قوي الايمان عاش تقيا زاهدا فطنا ورعا متواضعا --- نال حب الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال عنه حين أراد كل من المهاجرين والانصار ان ينسبوه اليهم – سلمان منا آل البيت - ونال حب الصحابة رضوان الله عليهم فوصفه علي بين ابي طالب رضي الله عنه بلقمان الحكيم -- وهو الذي أشار على النبي عليه السلام بحفر الخندق فيما سميت غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب - وكان يزهد في الاماره ولما سئل عن بغضه لها أجاب - حلاوة رضاعها ومرارة فطامها --- وهو ما نراه هذه الأيام من التمسك المستميت بها ممن يتولون الحكم في بلادنا ---- هكذا وصل سلمان الى الحقيقة الساطعه بعد تقص وبحث وجهاد ونال مبتغاه وسار على الدرب المستقيم --- حتى وفاته قرب بغداد
أتساءل مرة اخرى أية نعمة انعم الله بها علينا من ارسال رسول ليرشدنا الى طريق الله ( وما أرسلناك الا رحمة للعالمين ) - وكم من التضحيات التي بذلها الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه جيل الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين ليصلنا هذا الدين والقويم على طبق من فضه --- جزاهم الله عنا وعن المسلمين كل خير --- وكيف أن البعض رغم بحثه عن النجاه وترحاله من أجل الخلاص الا انه لا يهتدي لنور الايمان الصحيح فالله جل جلاله هو الهادي – نسأل الله الهداية ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمه انك انت الوهاب ) --- وحمدا لله على نعمة الاسلام ---
( نواف الحاج علي )

إرسال تعليق

 
Top