جلس أمام الفيلا الخاصة به في أحد الشوارع الجانبية في مكة بعد أن انتهى من
رمي الجمرات في اليوم الأول للعيد، خلع ملابس الإحرام وارتدى ثوبا من
النوع الرخيص جدا ، أمامه أحد عماله الذي يبدو في أوائل العشرينات من عمرة
وقد نصب طاولة وأخذ يعد أكوابا من الشاي والماء ليسقي الحجاج، جلس رجل
طاعن في السن بجواره ليحتسي كوبه، وينظر إلى ذلك الجبل الشامخ في الجهة
الأخرى، ويزيد التأمل في صخور الجبل السوداء التي تحاول بعض الشجيرات أن
تتحرر من بينها بصعوبة، ارتاب صاحب الفيلا قليلا وأراد أن يقطع صمت الرجل وتأملاته فقال
حجا مبرورا، من أين أنت يا حاج؟
رمقه بنظرة غريبة ولم يجبه، أطلق زفرة شديدة ثم سأله: لماذا جعل الله مكة
صخورا وجبالا صماء قاسية، وهو القادر على أن يجعلها حدائق وزرعا وأنهارا
ومن أجمل مدن العالم ؟
تفاجأ بالسؤال وظهرت عليه الحيرة، أطبق عليهما الصمت مرة أخرى إلا من صوت العامل مناديا ( سبيل ياحاج.. سبيل )
يقوم الرجل وقد فرغ كأس الشاي بيده قائلا أعيش هنا منذ ثلاثين عاما،
أرسلت كل ما حصلت عليه من ملايين الريالات لأولادي، كل منهم يملك عمارة
وشركته الخاصة لا أعرف عنوانهما، حين عدت إلى بلدي رفضوا إعطائي شقة لأسكن
فيها، اتهموني بالجنون وقضيت عاما في المصحة النفسية حتى اقتنع الأطباء أني
عاقل، يتوقف العامل عن ندائه بعدما اخترقت كلمات الرجل الأخيرة أذنيه،
يتحسس جواز سفره في جيبه، تزداد حيرة صاحب الفيلا، يسأله مرة أخرى من أين
أنت ؟ يرد عليه قائلا : أعيش هنا في غرفة بالإيجار، يمر فوج كبير من
الحجاج يلحق بهم الرجل، فجأة يخرج العامل رخصة الإقامة من جيبه ويقذف بها
في حجر سيده، ويجري مسرعا ليلحق بالرجل ووفد الحجيج رافعا صوته قائلا لبيك
اللهم لبيك ويختفيان وسطهم.
إرسال تعليق