- أما هناك. في الأقصر. حيث كانت البعثة العلمية تأخذ راحتها الليلية بعد
يوم مرهق خاصة بالنسبة لشيرين التي استمرت في محاولة الحصول على أية
معلومات. ولم تنتبه إلى أنها كانت قد حصلت على معلومة بالغة الأهمية إلا
بعد أن هاجمها حلم غريب. رأت أنها تسير في ممر طويا ضيق ومظلم تهرب من شخص
ما يطاردها. تقترب وقع أقدام تطاردها شيئا فشيئا حتى تختفي فجأة تلك
الأصوات. ترى نورا فتسرع إليه. وما أن تأخذ أنفاسها حتى ينقض عليها كيان
غريب لا تستطيع استيضاح ملامحه وتتمكن منها كل مشاعر الفزع والرعب. إلا
أنها تسمع كلمتين أخيرتين: ( ليس أنت ). ثم تستيقظ صارخة وقد تملكها رعب
هائل. أسرعت إليها شريكتها في الخيمة إحدى مساعدات الدكتور جان بيير بينما
تجمع جميع من في الموقع على صوت صرختها المدوية. كان أكثر ما أذهل الجميع
خصوصا هي وزاد من رعبها ظهور الشسخ أنس فجأة بين الحاضرين. احتضنت رفيقتها
بقوة الرعب والفزع المسيطر عليها. عاودت نظراتها الحائرة والتائهة بين
الجميع والخوف والارتباك يسيطران عليها حتى بكت. بكت لأول مرة في حياتها
أما أحد. طوال عمرها وهي حريصة على على ألا تظهر ضعفها أمام أي إنسان.
تعتقد دائما أن أهم عيوب المرأة سرعة بكائها. اطمأن الجميع عليها بعد
أن أخبرتهم أنه كابوس مزعج. أرجعوه إلى طبيعة المنطقة المعزولة ووجود مقابر
بالقرب منهم. لم تقتنع بذلك. خاصة بعد أن تذكرت ما قالته أم الفتاة الضحية
الأولى من أن حلما قد جاء لابنتها قبل ذهابها إلى القاهرة بيوم في المرة
الأخيرة جاء فيه أنها سمعت هاتف يقول ( لقد جاء دورك. الآن.) مرت الخواطر
متعددة في رأسها إلا أنها استسلمت مرة أخرى للنوم بعد أن شربت جرعة ماء
واستعادت شيئا من توازنها ومن حاجتها إلى الراحة لمتابعة البحث الذي يزداد
غموضا وإثارة كل يوم... في تمام الثامنة من صباح اليوم التالي كان
الدكتور جورج في مكتب الدكتور سالم بالطب الشرعي. ومعه صبري في انتظار
تقرير فحص الجثة الخامسة المحايدة والتي علم أنها لشاب في الحادية
والثلاثين من عمره توفي إثر أزمة قلبية... ما إن وصلت الفحوصات حتى أخذ
الدكتور جورج في فحصها على حدة ومقارنتها مع تقارير الضحايا. وقد كان واضحا
أنه يركز على صور الأشعة المقطعية على المخ. استمر في فحصه ومقارناته لمدة
زادت على الساعتين حتى صاح في فرحة: وجدتها.. أسرع مرافقوه إليه في لهفة لمعرفة السر الذي توصل إليه ذلك العالم. وجه حديثه إلى الدكتور سالم قائلا: هل قارنت بين أشعات المخ؟ د. سالم: بالتأكيد. هناك فرق واضح في الغدة الصنوبرية. ضامرة في ضحايا القضية، طبيعية في الجثة الطبيعية. د. جورج: وما تفسير ذلك؟ د. سالم: الحقيقة أنني لم أجد أية قاعدة علمية يمكن أن تستند إليها لتفسير هذا الأمر. د. جورج: دعك من الحقائق العلمية هذه الآن. يجب أن توسع تفكيرك معي. لا شيئ ثابت. ولا توجد حقائق مطلقة. صبري: هل يمكن أن يكون لذلك دخل لما يمكن أن نطلق عليه البعد غير المرئي أو الخفي للوجود الإنساني. د. جورج: هذا هو ما أريد أن أسمعه. نعم. له علاقة مباشرة بذلك. د. سالم: ماذا تعني؟ د. جورج: هل أجريت مقارنة بين المسح الذري للضحايا وبين الجثة الطبيعية؟ د. سالم: بالطبع. د. جورج: وهل لاحظت شيئا؟
د. سالم: الحقيقة هناك شيء أصابني بالحيرة. جثث الضحايا الأربعة بدت
وكأنها مطفأة أو مظلمة. بعكس الجثة الخامسة الطبيعية. فقد كان يظهر منها
إشعاع واضح. صاح د. جورج: رائع. رائع جدا. عبقري. إن ملاحظتك الفريدة
هذه قد تكون هي مفتاح حل القضية. بل مفتاح حل لغز من ألغاز الحضارة
الفرعونية العظيمة. فلو أنك أجريت تلك الاختبارات على كل جثة لإنسان توفي
لأسباب طبيعية أيا كانت لظهرت تلك الإشعاعات بدرجات متفاوتة. وتظل موجودة
بعد الوفاة لمدة تصل إلى أربعين يوما ثم تختفي. أما الشيء الغريب الذي لم
أشاهده في حياتي. هو اختفاء تلك الأشعة أو الغلاف الحراري للجسد بعد الوفاة
مباشرة. وربما قبلها! د. سالم: قبلها؟ د. جورج: قبلها إذا كانت هي إحدى أسباب الموت. أو ربما كانت السبب الرئيسي. د. سالم: هل تقصد من ذلك أن هناك عاملا خفيا أثر على بعد خفي مما أدى في النهاية إلى الوفاة!!! د. جورج: هل لديكم استعداد للتعرف على أحد أسرار الجسم الإنساني الغير مرئية. نظر د. سالم إلى صبري. ثم أومأ برأسه خلف صديقه في حماسة وترقب. فتابع الدكتور جورج وقد اتخذ وضعية أكثر راحة:
الأرض يحيطها غلاف جوي يحفظها من هجمات العوامل الكونية وبقايا انفجارات
الكواكب والنجوم... كما أن للأرض غلافها الحافظ. للجسد الإنساني أيضا غلاف
حافظ يحيطه في صورة إشعاعية غير مرئية. نحن نعلم أن طبقات الغلاف الجوي غير
مرئية. ولكن العلم استطاع أن يكتشف وجودها وأن يعرف عدد طبقاتها وأن
يستفيد من كل طبقة فيها. ورغم ابتعاد الغلاف الجوي عنا وعدم إمكانية الوصول
إليه إلا في القرن العشرين حسب معلوماتنا. إلا أننا توصلنا إليه وفسرناه
ودرسناه. بعكس جسم الإنسان الذي يوجد معنا منذ آلاف السنوات. منذ بداية
تواجد البشر على الأرض. من يصدق أننا رغم هذا التقدم العلمي في كل المجالات
لم نستطع اكتشاف سوى 15-20% من أسرار الجسد. ولهذا لا نستطيع أن نفسر
كثيرا من المظاهر والظزاهر التي يمكن أن نسميها إعجازية. رغم أنها مادامت
قد حدثت فلابد من وجودها في صميم وأساس تصميم هذا الجسد. ومن هذا المنطلق
يمكنني أن أفسر هذا الاختلاف في تقارير الفحص وطبيعة الضحايا الخاصة.
الغدة الصنوبرية: لا بد أن الدكتور سالم يعلم أنها من أكثر مناطق المخ
غموضا وإثارة للتساؤلات والحيرة. نحن نعلم أنها مسئولة عن إفراز مادة
الميلاتونين الأساسية للنوم. كذلك مسئوليتها عن المزاج النفسي. هناك شيء
آخر أكثر أهمية. الأشعة المحيطة بالجسد هي في الحقيقة عبارة عن جسم ( إثيري
) محيط بالجسم المادي ومتصل به من خلال الجبهة بالغدة الصنوبرية وأيضا
متصل من خلال اليد اليسرى وتحديدا من تحت أظافر اليد اليسرى. هذا الجسم
الإثيري في الحقيقة هو المسئول عن الأحلام بمعنى أنه يتحر أحيانا بعد النوم
ومن خلال نفس الغدة ليرحل إلى عوالم أخرى وأزمنة أخرى كذلك. أي أن هذا
الجسم الإثيري في الحقيقة له قدرات أعلى وأقوى بكثير من الجسم المادي. فله
القدرة على اختراق الأزمنة والذهاب في أي مكان نعلمه ولا نعلمه. ذهبنا إليه
أو لم نذهب. وهو ما يفسر لنا سبب الأحلام الغريبة التي قد نراها بأننا
قابلنا أشخاصا ماتوا مثلا أو لا نعرفهم حتى نراهم في أحلام تتحقق بعد ذلك.
هنا يجب أن نلاحظ أن تحرر الجسم الإثيري لا يكون كاملا. بمعنى أنه يظل
مرتبطا ارتباطا لا نعلم طبيعته بالغدة الصنوبرية. بحيث يمكن أن يعود من أي
مكان أو زمان هو فيه في الوقت الذي تسمح فيه الغدة للجسد المادي بالإفاقة
من النوم. ولا يحصل هذا الجسم الإثيري على حريته الكاملة إلا بعد أن يتحلل
الجسد المادي، ولهذا فبعد الموت وحتى التحلل يمكن أن نلاحظ وجود ترددات
اشعاعية صادرة عن الجسد المادي. وهي في الحقيقة دليل استمرار وجود هذا
الجسم المادي وهي في الحقيقة دليل استمرار وجود هذا الجسم الإثيري. ما
حدث هنا في قضيتنا حسب اعتقادي هو حدوث عملية ما أدت إلى انتزاع هذا الجسم
الإثيري انتزاعا من الجسد الإنساني وهو ما يفسر حدوث النزيف من العينين
واليد اليسرى. فهي الأماكن التي يمكن أن يخرج منها هذا الجسم. وبالطبع لن
يتم ذلك دون حدوث ضمور للغدة الصنوبرية. نظر د. سالم ود. صبري كل منهما للآخر مرة أخرى غير مستوعبين لما يسمعونه. ثم قال صبري: وهل ثبت حدوث مثل هذه الحالات من قبل؟ د. جورج: الحقيقة لا. ولكن من حسن حظنا أنها حدثت في عصرنا حتى نستطيع أن نؤكد وجود الجسم الإثيري. د. سالم: ولكن كيف يمكن انتزاع هذا الجسم الإثيري؟
د. جو: هذا ما يجب أن نعرفه. على فكرة. هناك افتراض آخر يقول أنه إذا حدث
انتزاع للجسم الإثيري فإن الجسم المادي سوف يتحلل خلال سبعة أيام من الوفاة
مالم يكن هناك عامل آخر لا نعرفه يحافظ عل سلامة الجسد. صبري: إذًا كل رأيك مبني على افتراض لك يثبت من قبل. د. جورج: لقد قلت من قبل أن أساس الحقائق افتراضات كانت في وقتها ضربا من الجنون. د. سالم: إذا كان افتراضك صحيحا فقد مر الآن أكثر من سبعة أيام على الضحية الأولى. فلماذا لا نذهب ونراها؟ استجاب الجميع للرأي وأسرعوا في اتجاه ثلاجة الحفظ الخاصة حيث يوجد الضحايا تحت حراسة مشددة. فتح الدكتور سالم الدرج الخاص بالفتاة. فتح الجميع فاه... أذهلهم ما رأوه. إيهاب بديوي
إرسال تعليق