GuidePedia

0
لمحة عن دور (نقد النقد....)
1) فعلى المستوى الأول (الميداني العملي المباشر) تقوم نشاطات أدبية في كل بلد عربي في أماكن معروفة تحت أسماء مختلفة، كالملتقيات والمنتديات والصالونات والنوادي والروابط والاتحادات وغيرها من التجمعات الأدبية والثقافية، حيث يعرض الشعراء والكتاب أعمالهم الأدبية بقراءتها في أمسيات أمام جمهور من الحاضرين الذين يكون من بينهم كتاب ونقاد ومتذوقون للأدب. وبعد القراءة يقوم بعض الحاضرين بالتعقيب، ومنهم النقاد حيث يقومون بالتحليل بشكل انطباعي مباشر ومن ثم فهم يبدون رأيهم الذي غالباً ما يتراوح بين التشجيع والمجاملة وبين المبالغة التي تشتط في غلوائها ومجاملتها ونفاقها، والتي من النادر أن تشير إلى بعض أماكن الخلل أو النشاز في العمل الأدبي المعروض... ثم ينفضّ السامر ويخرج الشاعر أو الكاتب الذي عرض إنتاجه وهو لا يعرف شيئاً سوى أنه سمع كلمات الثناء: (ممتاز، رائع، أحسنت)...إلخ.
ومن ناحية أخرى نرى كثيرين من الكتاب يصدرون كتباً ما بين الشعر والقصة والرواية والمسرحية وغيرها بسهولة، نظراً لتوفر الطباعة ورخص تكاليفها. ويأتي دور النقاد فبعضهم يتناول شيئاً من هذه الإصدارات بالتحليل الهلاميّ والتعقيب الذي لا تلمس منه إلا طريقة المجاملات ذاتها التي يتبعها بعضهم شفهياً في المنتديات، وبعضهم الآخر يكتفي بكتابة مقدمة للكتاب قبل طبعه، فكأنه مروّج لسلعة تجارية وليس ناقداً أدبياً!!
وكل ما أشرنا إليه يحدث أكثر منه في هذا المجال، مما أدى إلى كونه سبباً مهمّاً من أسباب تدنّي مستوى الأدب والحياة الثقافية بصورة عامة؛ إذ كيف سيرتفع مستوى الكاتب أو الشاعر ما دام لا يجد الناقد الصادق الذي يدله بأمانة ومسئولية على مواطن الخلل والضعف حتى يتلافاها في كتاباته المقبلة؟ ومن المسلّم به أن هذا هو الواجب الطبيعي الصحيح للناقد الذي يؤدي عمله بأمانة وموضوعية مجردة من الأهواء أو المجاملات.
من هنا يبدو واضحاً أننا بحاجة إلى أن نقول لمثل هؤلاء النقاد: (كفاكم نفاقاً ومجاملة وتغليباً للعلاقات الشخصية وللمصالح على قيمنا الجمالية بل والفكرية والأخلاقية). وهذا هو دور (نقد النقد) حيث ينقد أعمال النقاد الميدانيين الشفهية والمكتوبة.
2 ـ أما على المستوى الثاني (الفكري والمنطقي) الخاص باللون النظري (أو التنظيري) من النقد؛ فالموضوع مختلف لأنه أوسع وأكثر عمومية من النقد الميداني للنصوص، ولهذا فنحن هنا نرى نقاداً من نوع آخر، لأنهم (نقاد مفكرون) لهم نظريات في النقد أو مواقف نظرية وضعوها في مؤلفات، وفيها يناقشون شؤوناً وهموماً كثيرة حول قضايا عملية الإبداع الأدبي، وحول المناهج التي يتبعها الكتاب والشعراء، من ناحية التكنيك والشكل الفني وكيفية عرضه من خلال اللغة أو من خلال وسائل التعبير المختلفة كالصور مثلاً. وكذلك من ناحية المضمون وتفاصيله المختلفة.
ومن المعروف أن النظريات النقدية لا تكون موضوعية أو خالية من الأفكار المسبقة، بل هي تنطلق من معتقداتٍ معينة أو من أيديولوجيات سياسية أو مذهبية، وبناء على هذه الأفكار المسبقة تتعامل النظرية النقدية مع الأدب عامة بشعره ونثره (كما في النظريات اليسارية واليمينية مثلاً). كما أن هذه النظريات تتعالى على الواقع الذي تريد توجيهه وتكييفه حسب رؤيتها، وهنا يكمن سر تناقضها وضعفها عندما تصطدم بالواقع الاجتماعي والثقافي.
وهذا يبين لنا ضرورة أن نقوم بنقد هذه النظريات وهؤلاء النقاد الذين يتخذون منها منطلقات نظرية للتحليل المُوَجَّه والبعيد عن الموضوعية المطلوبة، ومن واجب (نقد النقد) أن يقوم بهذه المهمة، فيتعامل مع هذه النظريات النقدية ويحلل مضامينها وينقدها لكي يبيّن سلبياتها وإيجابياتها.
[الشاعر حسن منصور]
[مقتطف من مقدمة كتابي (نقد النقد) ـ ص 5 ـ وهو تحت الطبع في دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع]

إرسال تعليق

 
Top