قصة طويلة مسلسلة خلال شهر رمضان
الحلقة الرابعة
جنين- 1935
معركة
يعبد
لم يكد الشيخ ورفاقه يصلون الى جنين حتى جاءتهم أخبار المداهمات التي قام
بها الجيش الانجليزي لمسجده ومنزله. اطمأن من الرسل على ابنه محمد وأخواته وزوجته
فأخبروه أن أهالي حيفا وقفوا درع حماية لأسرته، ارتاح الشيخ نسبيا ثم تحدث إلى
مرافقيه: لقد أكرمنا الله بالجهاد في سبيله وهي نعمة حقيقية إذا كانت ضد الاحتلال
أيا كان نوعه، نحن على وشك المواجهة ولذلك سنحاول التحصن في أفضل مكان يمكننا من
مواجهتم والانتصار عليهم بمشيئة الله، وكلما زادت انتصاراتنا ازداد عدد المتطوعين
والمشاركين معنا حتى نكون جيشنا.
استمر مسيرهم بعد أن قسم الأدوار بين من يصحبه
ومن ينتشر في القرى للدعوة إلى الجهاد. وصلوا بعد جهد جهيد في التحري والتخفي إلى
قرية نورس حيث كان موعد مسبق مع بعض مجاهدي العصبة لتحديد الخطوات التالية. صعدوا
إلى إحدى مغارات الجبل القريب من القرية المحددة سلفا والتي أعدها الشيخ فرحان
السعدي لالتقاط الأنفاس. هدأوا وأقاموا معسكرهم الليلي للراحة وخاصة للشيخ الذي
تعدى عمره الخمسين وبدأت آثار الرحلة تظهر عليه رغم عزيمته ومشاركته بإصرار في جميع
عمليات التخييم والإعداد للقتال. قرب الشيخ إليه بعض الشباب مع يوسف بينما وزع
الباقين بين الحراسة وتقصي الأخبار ثم حدثهم:
أولادي، كنت أتمنى أن يكون إبني
محمد بينكم اليوم ليرافقكم رحلة الشرف والجهاد. لكني أثق أن وجوده بينكم في
المستقبل القريب سيكون أكيدا. أنتم تعلمون أن عصبتنا قد أصبحت اليوم قوية منتشرة في
جميع أرجاء الوطن من خلال خلايا صغيرة لا تتعدى الخمسة مجاهدين، تقوم بعمليات نوعية
بصفة فردية أو جماعية من خلال قيادات فرعية تحتويها قيادات مركزية، وهذه المجموعات
لا تعرف شيئا عن بعضها لضمان السرية والتأمين ولكن أفرادها يعرفون أن لهم أقرانا
يتابعونهم من خلال العمليات الجهادية التي نتميز بها، هذه المجموعات وصلت إلى عشرين
أو أكثر وتزيد بفضل الله بصفة مضطردة، قوامها شباب ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
ويريدون الشهادة كما يسعون للنصر، أوصيكم بالاستمرار على هذا النهج والتوسع فيه،
أنتم شباب صغير تلقيتم تدريبات متقدمة وتعلمتم التكتيكات العسكرية الخاصة بالجيوش
وحرب الجبال، يجب أن تنقلوا ماتعلمتموه إلى من تثقون فيه في مناطقكم، كل مجاهد منكم
نواة لجيش صغير، حتى إذا ما دعا داعي الجهاد تجمعتم في جيش التحرير. يجب أن
تعلمواأن قدركم أن تحاربوا صور للاحتلال لم تحدث في التاريخ، يريدون انتزاع أرضكم
وتغيير هويتكم، إن البديل عن أرضكم هو الشتات والتيه وأن تصبحوا لاجئين في كل مكان،
أرضكم شرفكم دافعوا عنها بأرواحكم، مصير الأجيال القادمة بين أيديكم.
وصل حينها
أحد الشباب الذين أرسلهم الشيخ لتقصي الأخبار لاهثا مرتعبا.
هدأ الشيخ من روعه
وأعطاه جرعة ماء ثم طلب منه الحديث:
لقد أعلن الانجليز عن جائزة كبرى لكل من
يعطيهم معلومة تقودهم إلينا، وأشاعوا بين القرويين والشرطة أننا مجموعة مطاردة من
اللصوص مما أثار تعاطف وتعاون الكثيرين مع حملتهم.
وصل حينها عندهم شخص غريب،
هموا بقتله إلا أن الشيخ منعهم، يبدو أنه كان يتبع زميلهم. كان يحمل عصا غليظة برأس
حديدية مميزة.
سأله الشيخ: كيف وصلت إلينا؟ وماذا تريد؟
تلعثم الغريب قائلا
ثم قال: ضللت الطريق.
أشار له الشيخ في أحد الاتجاهات وأخبره أنه السبيل إلى
أقرب قرية.
صاح يوسف بعد أن ذهب الرجل:
كيف تركته يرحل ياشيخ؟ إنه كاذب ولابد
أنه جاسوس سيبلغ عنا.
أجابه الشيخ على هدوئه: مثل هذا الرجل ليس وحده، وكما
اتفقنا خدعهم الانجليز، وسواء قتلناه أو تركناه سيتبعه آخرون لذلك علينا بالتحرك
الفوري.
تنقلوا في الأيام التالية بين قرى كفردان وبرقين وكفرقود حتى وصلوا إلى
جبال قرية البارد حيث أرسل الانجليز الذين اقتربوا منهم جدا جنديا للاشتباك معهم
وتحديد مكانهم بدقة.
حدثت اشتباكات للتغطية على خروج الشيخ ورفاقه استشهد فيها
أحد الأبطال وأصيب البعض واستمرت حتى تأكد قائد المجموعة الصغيرة من تأمين الشيخ
فانسحب عائدا بالمصابين إلى حيفا.
وصل الشيخ ورفاقه أخيرا إلى وجهتهم الأساسية
قرب يعبد حيث كان ينتظرهم الشيخ سعيد حسان أحد قادة العصبة، أخذهم إلى مغارة أعدها
في الجبل القريب وأخبرهم بانتشار الجواسيس في صورة مدنية في جميع القرى المحيطة
لتتبع أخبارهم.
استراح الشيخ ورفاقه وقسم الأدوار كالعادة ثم دعا إلى اجتماع
لوضع خطط المرحلة التالية. تحدث عربي البدوي قائلا:
أرى أن ننقسم إلى مجموعتين،
تدور الأولى حول الانجليز لقطع خطوط الامداد وبث الرعب في نفوسهم بتفجير السكك
الحديدية وما نلقاه من معسكراتهم بينما تستمر المجموعة الرئيسية في التقدم.
أعجب الشيخ بالرأي فقسم الفريق إلى مجموعتين تكونت الأولى من عشرة رجال وتوجهت
إلى الشمال حيث الناصرة والغور ونابلس لتنفيذ المخطط حتى الوصول إلى حيفا ويدلهم
على الطريق الشيخ داوود الخطاب، بينما توجه الشيخ بمجموعته إلى الغرب نحو ضواحي
يعبد
حتى وصلوا إلى خربة الشيخ زيد بعد أن نفذ ماؤهم وخارت قواهم من كثرة ما
يحملونه ، فكل رجل يحمل بندقية وستين مشط فشك وحربة صنعها القسام عند أحد الحدادين
تيمناً بسلاح الصحابة، يُضاف إليها الأغطية وأدوات السفر والطعام. قضوا ليلتهم في
بيت الشيخ سعيد الحسان ثم صعدوا فجر اليوم التالي إلى الجبل.
اقترب يوسف من
الشيخ يطمئن عليه. ابتسم له وسأله عن زوجته وابنه كرم عزالدين، أخبره يوسف أنهما
بخير وأنه طلب من زوجته الذهاب إلى والدته في القدس بعد خروجهم من حيفا ليتشرب
الصغير من جدته هذا المزيج الثوري الذي الذي ملأت به قلبه وقلب شقيقه.
فجأة دوت
طلقات رصاص بالقرب منهم ثم جاء أحد الشباب من المقدمة ليخبره أن الانجليز قد وصلوا
ويجعلون في المقدمة جنود الشرطة العرب. تراجعوا للتمركز داخل الغابة القريبة. أخذوا
الاستعداد القتالي بالتمترس خلف الصخور، بينما أوصاهم الشيخ بتوجيه سلاحهم نحو
الانجليز فقط وتفادي جنود الشرطة العرب الذين لا يعرفون شيئا عنهم ويظنون أنهم
لصوص.
سمعوا مناديا يطلب منهم عدم القتال وتسليم الشيخ ولن يلاحقوا أحدا منهم،
بدأ الشباب إطلاق النار، نزل المتغطرسون من الانجليز من على خيولهم واحتموا بالصخور
والأشجار بعد أن سقط منهم الكثير، احتدمت المعركة، أصيب الشيخ، جثا على ركبتيه تحت
وطأة الجراح، التف حوله الشباب في صدمة وحزن، ابتسم ثم تحدث بصوت متراجع: فزت ورب
الكعبة، أكملوا الجهاد، حي على الجهاد، حي على الجهاد. ظل يرددها حتى سقط شهيدا.
غلبت الكثرة الشجاعة. تسعة في مواجهة اربعمائة قناص.
حمل الشباب شيخهم وبقية
شهدائهم إلى حيفا بعد مفاوضات مع الانجليز الذين قبضوا على البعض بينما هرب يوسف
وتخفى حتى تابع مسيرة العودة لشيخه وقلبه يعتصر حزنا وألما. اشترطوا دفنه مبكرا في
هدوء.
في صباح الخميس الحادي والعشرين من نوفمبر كان الخبر قد انتشر في جميع
أرجاء فلسطين، أغلقت المحلات في حيفا أبوابها وتوافد الناس من جميع أرجاء البلاد
على بيت الشيخ على حدود حيفا وحملوا جثمانه مع مرافقيه إلى جامع النصر. كانت مظاهرة
حب وغضب حاشدة هزت الأرض تحت أقدام جنود الاحتلال وآذنت بمرحلة جديدة من
المقاومة.
إيهاب بديوي
22-6-2015
إرسال تعليق