هو ابو الكمر مروان بن سليمـان بن يحيى بن أبي حفصة يزيد ويكني أبو الهيندام أو أبو السمط . و جدّه أبو حفصة مولى لمروان بن الحكم أعتقه يوم الدار .
ولد باليمامة سنة \105 هجرية – 623 ميلادية من أسرة عريقة في قول الشعر وأدرك العصرين الأموي والعباسي فهو شاعر مخضرم . وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن جدّه يزيد المكّنى (أبي حفصة ) كان طبيباًَ يهودياً و أسلم على يد الخلفية عثمان بن عفّان وقيل على يد مروان بن الحكم.
ادّعت قبيلة (عكْـل ) العربية أن أبا حفصة ينتمي إليها وقد أجمع أهل اليمامة وغيرهم على صحة هذا الادعاء . إلا أن أبا حفصة نفسه لم يقرّ بذلك لهم بذلك حتى في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان الذي كان الانتماء العربي مدعاة للفخر والاعتزاز . وكذلك انكر محمد بن ادريس
بن سليمان بن يحيى بن حفيد أبي حفصة زعم قبيلة (عكْـل )أن جده أبا حفصة منهم وصرّح بأنه من العجم كما جاء على لسانه اذ يقول ان جده ابا حفصة :
( إنه رجل من العجم من سبي فارس نشأ في (عكْـل ) وهو صغير والأرجح أنه فارسي الأصل وكان من سبي (اصطخر) التي هاجمها المسلمون مرتين وأصابوا منها ماشاؤوا وقد يكون أبو حفصة أحد ما أصابوه فنشأ في قبيلة (عكْـل) وهو غلام ، ثم اشتراه عثمان بن عفّان وباعه فيما بعد إلى مروان بن الحكم. وتؤكد الروايات ان أبا حفصة كان مولى لمروان بن الحكم.
وقد وقف أبو حفصة إلى جانب مولاه يوم الفتنة المعروف ب(يوم الدار ) وهو اليوم الذي قتل فيه عثمان بن عفّان. وقد أبلى أبو حفصة البلاء الحسن في ذلك اليوم ودعى رفاقه من المقاتلين إلى الصبر والثبات وعدم القبول بالصلح مع الخصوم :
وّمَا قٌلْتُ يَوْمَ الدَّارِ لِلْقَوْمِ صَالِحُوا أَجَلْ لا
وَلاَ اْخْتَرْتُ الْحَيَاة عَلَـى الْقَتْلِ
وَلَكنِّني قَدْ قُلْـتُ لِلْقَوْمِ جَالِدُوا
بِاَسْيَافِكُمْ لاَ يَ خْلُصَنَّ إلى الْـكَهْلِ
وكان قد جرح مروان بن الحكم في هذه المعركة فحمله أبو حفصة إلى دار امرأة من قبيلة ( عنزة ) وبقي يداويه حتى تماثل للشفاء فأعتقه مروان عرفاناًَ لجميله . وإلى ذلك يشير أبو حفصة بقوله:
بَنُو مَرْوَانَ قَوْمٌ أَعْتَقُوني
وَكُلُّ النَّاس ِ بَعْدُ لَهُمْ عَبيدُ
وزاد مروان في تكريمه إذ نزل له عن أم ولد تدعى (سكّر ) اسمها حفصة فحضنها وكني بها وهي حفصة بنت مروان بن الحك .
وفد الشاعر مروان بن ابي حفصة على الخليفة المهدي فمدحه ومن مدحه له قوله فيه :
طلبت أمير المؤمنين فواصلت
بعد السرى بغدوها آصالها
نزعت إليك صواديا فتقاذفت
تطوى الفلاة حزونها ورمالها
يتبعن ناجية يهز مراحها
بعد النحول تليلها وقذالها
هوجاء تدرع الربا وتشقها
شق الشموس إذا تراع جلالها
تنجو إذا رفع القطيع كما نجت
خرجاء بادرت الظلام رئالها
كالقوس ساهمة أتتك وقد ترى
كالبرج تملأ رحلها وحبالها
أحيا أمير المؤمنين محمد
سنن النبي حرامها وحلالها
ملك تفرع نبعه من هاشم
مد الإله على الأنام ظلالها
جبل لأمته تلوذ بركنه
وادي جبال عدوها فأزالها
لم تغشها مما تخاف عظيمة
إلا أجال لها الأمور مجالها
حتى يفرجها أغر مبارك
ألفى أباه مفرجا أمثالها
ثبت على زلل الحوادث راكب
من صنفهن لكل حال حالها
كلتا يديك جعلت فضل نوالها
للمسلمين وفي العدو وبالها
وقعت مواقعها بعفوك أنفس
أذهبت بعد مخافة أوجالها
أمنت غير معاقب طرادها
وفككت من أسرائها أغلالها
ونصبت نفسك خير نفس دونها
وجعلت مالك واقيا أموالها
ثم الهادي من بعده فيقول في يوم بيعته :
عقدتْ لموسى بالرصافة ِ بيعة
ٌ شدَّ الإلهُ بها عرى الإسلامِ
موسى الذي عرفتْ قريشٌ فضلهُ
ولها فضيلتها على الأقوامِ
بمحمدٍ بعدَ النبيَّ محمدٍ
حَيِيَ الْحَلاَلُ وَمَاتَ كُلُّ حَرَامِ
مهديُّ أمتهِ الذي أمستْ بهِ
لِلذُّلِّ آمِنَة ً وَلِلإعْدَامِ
موسى ولى عهدَ الخلافة ِ بعدهُ
جفتْ بذاكَ مواقعُ الأقلامِ
ثم مدح الخليفة هارون الرشيد فيقول فيه :
مُوَفَّقٌ لسبيلِ الرُّشْدِ مُتَّبِعٌ
يَزِينُهُ كلُّ ما يأتي وَيجْتَنِبُ
تسمو العيونُ إليه كلما انفرجتْ
للناسِ عن وجههِ الأبوابُ والحجبُ
له خَلائِقُ بيضٌ لا يُغَيَّرُها
صَرْفُ الزمانِ كما لا يَصْدأ الذَّهَبُ
و كذلك مدح البرامكة وزراء الرشيد. فيقول :
تَخَيَّرْتُ لِلْمَدْحِ ابنَ يَحْيَى بن خَالِد
فحسبي ولمْ أظلمْ بأنْ أتخيراَ
لهُ عادة ٌ أنْ يبسطَ سارَ ولمْ يزلْ
لِمَنْ سَاسَ مِنْ قَحْطَانَ أوْ مَنْ تَنزَّرَا
إلى المنبرِ الشرقيّ سارَ ولمْ يزلْ
لهُ والدٌ يعلو سريراً ومنبراَ
يُعَدُّ ويَحْيَى البَرْمَكِيّ وَلاَ يُرَى
لَهُ الدَّهْرَ إلاَّ قَائِداً أوْ مؤَمَّرَا
وعلى كثرة من مدحهم فقد اختص بمدح الامير معن بن زائدة وقال فيه مالم يقله في غيره .
و قيل على كثرة ما أصابه من خلفاء بني العباس من مال وعلى كثيرة يساره فقد كان بخيلاً بخلاً شديداً قيل انه ضربت به الأمثال ورويت عنه الحكايات.
ويمتاز شعره بالعراقة والجودة ومتانة الألفاظ وقوة السبك والبلاغة وسداد الرأي وقد قال الشعر في المدح والغزل والهجاء والرثاء وفي اغلب الفنون الشعرية . يقول في مدح الخليفة المهدي :
إِلى المُصطَفي المَهدِيِّ خاضَت ركابُنا
دُجى اللَيلِ يَخبِطنَ السَريحِ المُخَدَّما
يَكونُ لَها نورُ الإِمامِ مُحَمَّدٍ
دَليلاً بِهِ تَسري إِذا اللَيلُ أَظلَما
إِذا هُنَّ أَلقَينَ الرِحالَ بِبابِهِ
حَطَطنَ بِهِ ثَقلاً وَأَدرَكنَ مَغنَما
إِلى طاهِرِ الأَخلاقِ ما نالَ مِن رِضاً
وَلا غَضَبٍ مالاً حَراماً وَلا دَما
ويقول واصفا الغيث :
لَعَمري لِنَعمَ الغَيثُ غَيثٌ أَصابَنا
بِبَغدادَ مِن أَرضِ الجَزيرَةِ وَابِلُه
فَكُنّا كَحَيٍّ صَبَّحَ الغَيثُ أَهلَهُ
وَلَم تَرتَحِل أَظعانُهُ وَرَواحِلُه
ومن غزله :
شفاءُ الصدى ماءُ المساويكِ والذي
بِهِ الرِّيقُ مِنْ خَمْلٍ يُغَازِلُها طَفْلُ
فيا حَبَّذا ذاكَ السِّواكُ وحَبَّذا
بهِ البَرَدُ العَذْبُ الغَرِيضُ الذي يَجْلُو
ويقول فيه ابن المعتز :
( أجْود ما لَه( اللامية) التي فُضِّل بها على شعراء زمانه وكانت في معن بن زائدة فأجازه عليها بمال عظيم . ومن( اللامية ) هذه الابيات:
بنـو مطر يـوم اللقـاءِ كـأنهـم
أسود لها في بطن خفان أشـبُلُ
هـم يمنعـون الجار حـتى كأنمـا
لجارهم بين السِّـماكين مَـنزلُ
تجـنَّب لا فـي القـول حتى كأنّه
حرام عليه قول لا حـين يُسألُ
تشـابه يَوْمـاه علينـا فأشْـكـلا
فلا نَحن ندري أيّ يوميه أفضـلُ
أيـوم نداه العمـر أم يوم بأســه
ومـا منهما إلـا أغـر محجّـل
بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكـنْ
كأولهـم فــي الجاهليـة أولُ
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا
أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
فمـا يسـتطيع الفاعلون فعالهـم
وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
وقيل أن ولدا لمروان بن أبي حفصة دخل على الأمير شراحيل بن معن بن زائدة، فأنشده :
أيا شَراحيل بن معن بن زائـدة
يا أكرم الناس من عجم ومن عرب
أعطى أبـوك أبي مالا فعاش به
فأعطنـي مثل ما أعطى أبوك أبي
ما حلّ قط أبي أرضًا أبوك بهـا
إلا وأعطـاه قنطـارا من الذهـبِ
فأعطاه شراحيل قنطارا من الذهب .
إن بخل و طمع الشاعر مروان بن ابي حفصة بالمال قاده إلى تناسي هواه للخلافة الاموية ورجالها وإلى الإغراق في مديح خلفاء بني العباس والمجاهرة بالدفاع عن حقهم في الخلافة ومن ذلك قوله :
الصهر لـيس بـوارث
والبنت لا ترث الإمامة
لو كان حقـكـم لـهـم
قامت على الناس القيامة
أصبحت بين محـبـكـم
والمبغضين لكم عـلامة
وكان من ذلك معارضته العلويين بشدة دون أن يفطن إلى ما ستكون ردة فعلهم عليه فقد أحنق عليه العلويون وتربصوا به شراً سيما بعد قوله قصيدته التي يقول فيها :
أنى يكون وليس ذاك بكائن
لبني البنات وراثة الأعمام
ويذكر أن أحد العلويين يقال له (صالح بن عطية الأضجم) قد عاهد الله على أن يقتل الشاعر مروان بن ابي حفصة انتقاماً منه لموقفه المعادي للعلويين وقد استطاع أن يوهم مروان بصداقته وظل يلازمه طوال وقته مبدياً له كل اللطف والمحبة حتى مرض الشاعر من حمى ألمت له فزاد من ادعاء مودته له وملازمته إياه و في ذات يوم خلى به غدر به اذ أمسك بعنقه ولم يتركه حتى قضى عليه فمات ثم انبرى يتباكى مع أهله عليه ولم يفطنوا إلى فعلته وكانت وفاته زمن الخليفة الرشيد سنة\ 181هـجرية -797 ميلادية .
الا أن الجاحظ وقد عاصره يحدد تاريخ وفاته بسنة\ 182هـ \798م وكذلك يقول المرزباني في معجمه .
إن وفاة مروان بن ابي حفصة كانت في شهر ربيع الأول سنة 182هجرية وأنه دفن في مقابر نصر بن مالك الخزاعي وهي المعروفة بمقابر (المالكية)
واختم في هذه القصيدة للشاعر مروان بن ابي حفصة في مد ح الامير معن بن زائدة :
ويوم عسولِ الآل حامٍ كإنما
لَظَى شَمْسِهِ مَشْبُوبُ نَارٍ تَلَهَّبُ
نصبنا لهُ منا الوجوهَ وكنها
عصائبُ أشمالٍ بها نتعصبُ
إلى المجتدى معن تخطتْ ركابنا
تنائفَ فيما بينها الريح تلغبُ
كأنَّ دَلِيلَ القَوْمِ بَيْنَ سُهُوبِهَا
طريدُ دمٍ منْ خشية ِ الموتِ يهربُ
بَدَأْنَا عَلَيْهَا وهيَ ذَاتُ عَجارِفٍ
تَقَاذَفُ صُعْراً في البُرَى حِينَ تُجْذَبُ
فما بلغتْ صنعاءَ حتى تبدلتْ
حُلوماً وَقَدْ كانَتْ مِنَ الجَهْلِ تَشْغَبُ
إلى بابِ معنٍ ينتهي كلُّ راغبٍ
يُرَجِّي النَّدى أوْ خَائِفٍ يَتَرَقَّبُ
جَرَى سَابِقاً مَعْنُ بنُ زَائِدَة َ الذي
به يفخرُ الحيانِ بكر وتغلبُ
فبرز حتى ما يجارى وإنما
إلى عرقهَ ينمى الجوادُ وينسبُ
محالفُ صولاتٍ تمتُ ونائلٍ
يَرِيشُ فَما يَنْفَكُّ يُرْجَى ويُرْهَبُ
*************************
إرسال تعليق