GuidePedia

0
شعائر الفقد
*********

أطاع شيخ الجامع هاتف منامه: أدعوه بالتي هى أحسن؛ لإقامة الصلاة؛ وطاعة أمر الله المُقيم في شئون عباده الصالحين؛ وإلا فارجموه بالحجارة؛ أو ادفنوه حياً في الطاحونة المهجورة!.. وعندها؛ يأتيه في حضرة معيته؛ وسط القاعة الفسيحة للمندرة البحرية؛ المسورة بالوسائد والستور الحمراء؛ والمسكونة –كل ليلة- بضباب الدخان الداكن الكثيف لعيدان البخور المُحترق؛ قرباناً لمعبد حرمانه العتيد من الأهل والولد والعشيرة: إسمع؛ خميرة عكننة؛ لا أريد؛ وحسابي في الأخرة أنا عارفه؛ والحساب يجمع؛ بأدبك أهلاً وسهلاً؛ تدوشني مرة أخرى؛ أنت ومن يصح لك!.. ولآن شيخ الجامع يعرف أنه صادق؛ في أعماقه أيضاً صادق؛ يرغب في الله حقاً؛ وفي أعماقه مؤمن؛ ولكن حزنه؛ حزنه لا يحتمل الله الكامل؛ إما أن يقبله هكذا؛ وهكذا يعبده؛ وإما فلا؛ له دينه حقاً؛ الصلاة فيه كانت ركعتا جمعة من كل أسبوع؛ والنهار كان صيام في رمضان؛ هذا صحيح؛ ولكن؛ الأمل في الله كبيراً أن يستجيب للدعوة الإلهية؛ وفي اليوم التالي؛ عند بسطة العتبة الميمونة؛ يلج صحن الجامع؛ ولكن؛ رأسه وألف سيف؛ ألا يقف إلا في أخر صف جموع المُصلين؛ بلا وضوء وبالمداس الثقيل؛ وفوق رأسه عمامته الغبراء؛ وعلى جسده عباءته السوداء؛ المُطرزة بالديباج؛ بالقصب؛ بشراشيب الخيوط الملونة؛ وفي قاعة الجامع المفروشة بالحُصُر الداكنة؛ تتلاقى الوجوه؛ غارقة لا تزال بماء الإفاقة والوضوء؛ عشرة صفوف طويلة ملأت المسجد الصغير؛ أناس ساجدون في خشوع؛ وإن كان سجوداً غير مريح؛ فمعظمهم كبار السن؛ ومفاصلهم وعضلاتهم تصلبت؛ حتى لم تعد تقوى على أوضاع الصلاة!. وقتها؛ يُطيل شيخ الجامع سجدته الاولي والثانية؛ ولا يكتفي بترديد (سبحان الله) ثلاثاًً؛ وعند الثالثة؛ تمعن اللحظة في مضيها؛ دون أن تأتي التكبيرة التي جعلت الشخير يتصاعد من حلقين -على الأقل- من الحلوق التي تراخت؛ وبدأ لعابها يسيل؛ وهنا فقط؛ بدأ يتجسد أمام المدعو إشكال حقيقي؛ يواجهه منفرداً؛ ولأول مرة في حياته؛ ماذا بالضبط عليه أن يفعل؟!؛ وما هو حُكم الدين في موقف كهذا؟!؛ وهل إذا رفع جذعه تفسد صلاته؟!؛ وربما صلاة الجماعة بأسرها؟!؛ ويحمل هو وحده ذلك الوزر كله؟!؛ وهل يحتمل أن يكون هو -دوناً عن الساجدين جميعاً- المتسبب في إفساد الصلاة؟!.. العودة الحديثة لله؛ وبيته؛ وحظيره الدين؛ جعلته يرى الله ماثلاً بجناته وجحيمه ووعده ووعيده أمام عيتيه.. هو (كالتلميذ) يعود إلى المدرسة بدعوة كريمة إلهية؛ بعد طول (بلطجة) و(طرمخة) و(تزويغ)؛ الرهبة من الخطأ؛ أو من الإقدام عليه؛ مسألة لا يمكن أن يحتملها تائب حديث التوبة مثله؛ أو يفكر فيه؛ ولكن الوقت يمتد؛ وألم ظهره يشتد؛ وفي تلك اللحظة؛ يتململ مُتأففاًُ؛ نائحاً عليه غضروف ظهره المُحدودب؛ مذعوراًً إلى الخارج بدبدباته الثقيلة؛ بأيامه البليده؛ بأحزانه المُقيمة؛ بأيمانه الغليظة؛ ألا يواربها مرة أخرى؛ ولو انطبقت مراوح السماوات السبع على طبقات الأراضين السبع!. وبعد تلك الحادثة؛ يمضي كل ليلة؛ وفي صُحبته جُعرانه الصَخري المسحور؛ كلبه الأسود الضخم ذي الذيل الأجرد والخطوة العرجاء؛ يتخطى انحدارة الجدار الطيني للطاحونة المَهجورة المُعتمة؛ وظل شجرة الجميز الضخمة الجرداء؛ والميضَة الخلفية للمسجد العتيق؛ بمأذنته المشروخة وحماماته السّت!.. ومن باب الحمام الأخير يندفع؛ ينعم بـ(الدُّش) البارد النحيل؛ تاركاً سرسوب المياه يتدحرج لاهياًً من الحافة المُدببة لمِصفاة (الدُش) الدائرية؛ المبدورة بالثقوب الصدئة؛ تستدعي -بجلبتها الشقية- اقسى لعنات شيخ الجامع على رأس هذا المُغادر؛ مُتشح عباءة الليل السوداء؛ مُنتعل دبيب خطواته الفيلية؛ البليدية؛ المتموجة برنين صدى قرقعة قبقابه الخشبي على أرضية الدهليز الحجري الخشن؛ المَعروش بالخوص وسعف النخيل ومظلة اللبلاب الذابل؛ المنقوش بخيوط العنكبوت وأوكار الحيَّات!. يصحبه كلبه الأسود؛ الأعرج؛ جعرانه الصخري مشطوف الرقبة؛ المنقوش بالطلاسم والأحاجي القديمة؛ وفي قلبه عهده الغليظ؛ ليله الغطيس؛ شعائره السوداء؛ وقد بدت الرؤى بركة من الظلال؛ والنجوم أفراخ مبلولة بالغيام؛ ومن الجُرن يهرع كتاكيت الصغار؛ وينفض السَّمر والتماسي بالحَجَر؛ ويهمد على البُعد نواح الساقية؛ آنين الناي؛ بحة أرغول الحزين!. وساعتها؛ يهرول حول القرية في سبعة أشواط؛ داهساً العتبات؛ مُسامراً الأموات؛ هائماً في الطُرقات؛ يترصد (جنيَّة) الماء المسحورة التي (لطشت) عقله عند ضفة بحر النيل؛ الموغلة في العُمق والقِدَم!. وقبيل الفجر؛ يشد مزلاج الباب الخشبي بصرير يشق سكون الليل والمكان؛ ترافقه نحنحاته الخشنة؛ عواء كلبه الأشعث؛ ظل مصطبة البحراية المُغبر بالجفاف والشقوق؛ يدس تحت فرشته المُجعدة؛ أسفل ناروزة سقف القاعة الضيقة؛ أعلى رماد طاقة الفرن الميت؛ جُعرانه الصخري؛ وعند الحائط العاري؛ يلكز فخذ إمرأته الأفعواني؛ اللدن؛ يجاور صمته بصمتها؛ تتململ؛ تترك مساحة كافية لتقلبات ليلته الغبراء؛ ليلة العنقاء والغول والنداهة وأبو رجل مسلوخة؛ ليلة الأرق والقلق وشطة الأجفان؛ ليلة الدموع والعرَق وجفاف الحلق؛ ليلة الكوابيس وشطحات الخيال؛ ليلة الخِبَال وعربدة الأبالسة؛ ليلة الذعر واختلال التل؛ ليلة العودة وإنا لله وإنا إليه راجعون؛ ليلة مصرع الزغاريد وآنات الأهات؛ ليلة ذيل القط والع نار في حقول القش؛ ليلة سنابك الخيل وحريق الخيام وهوان الأسر؛ ليلة الشياط؛ ليلة العياط؛ ليلة قطع الوصال ومقتل الحُسين؛ ليلة النصل والفصل وحد السكين؛ ليلة حساب الروح وتسديد الديون للدَّيان الأحد الأمين؛ ليلة الغاشية ولو كنتم في بروج مُشيدة؛ ليلة الآهة والرجفة وجنون الإنتظار؛ ليلة يا ريت ويا ريت ويا ريت؛ ليلة الفقد على متن المركب الغارق بين الضفتين!!!!.
****


إرسال تعليق

 
Top