مــستــقـــلب...
انزوى في مقعد أمامي بمحاذاة مدخل المقهى ذات الواجهة الزجاجية المقابلة للشارع الرئيسي الفاصل لجغرافية المدينة طوليا حيث تباسقت عمارات شاهقة واستوت فيلات سكنية فاخرة عند اليمين بينما تراصت الفنادق و المقاهي جهة اليسار .. لقد اختار هذا المكان كرها عن المقهى التي ارتفعت ربوة صفيحية في أسفل الدرب الموغل في غياهب الوحشة و النفور .. كان يحبذ الركون في هذه المقهى مستأنسا بحديث العاهرات حوله و هن ينفثن دخان الشيشا او يفاوضن القوادة في السعر الواجب الدفععند طلب إحداهن لقضاء الليلة خارج الوكر ..
مكان لقلما تكثر فيه حركة المارة بفعل شبهات أخرى تتعدد أوصافها جنائيا...
غير المكان غصبا عنه .. حيث المقهى الجديد الذي منه سيراقب ابنته و ينتظرها متى استوفت ساعات الدعم اجلها... انه حقا يسعد ابنته التي ألزم عليها اخذ الدروس الخصوصية مقابل مبلغ أرهق ميزانيته الشهرية ..فصار ينتقص من ثمن لقمة أبنائه الصغار لكي يساعدها على مواصلة الكفاح المسلح بالعلم و المعرفة ضد كل نوازع الجهل و الظلامية ...
اخذ جريدة قد أنهى قراءتها زبون قربه ثم طفق يطالعها بدءا بالإعلانات الإدارية من يدري فربما الجريدة الرسمية لا تصل إليه ليطلع على جديد القوانين التي صارت تفبرك إرضاء للغرب و تعميقا لمجاري النزيف المتواصل من أعماق الأرض و ما يسفر عن طلقها من مقدرات تجعل كل مواطن أميرا إذا ما أخلصت النية إقرارا لعدالة توزيع الثروة ...حقا لا يعذر احد بجهله للقانون ..فالكل يتهافت على سرقته بما أوتي من حيلة و سبب ..لا احد بالمرة يلتفت إلى ما قد ترثه الأجيال عنا غير الطريق إلى الانتحار الاجتماعي و الاقتتال العرقي الناجم جراء تفتيت الخريطة إلى جهويات مؤدلجة ستستقل غدا بمنطق الدم و العمالة ...
لا احد ينصت إلى هسيس احتراق الوطن و هو يصيح :-- إني احترق احترق..
لا احد ينتبه إلى فقاعات الماء الملوثة :-- إني اغرق.. اغرق...
لا احد يعييه صعود المؤتفكات في مشاهد الإعلام الداعر فيضج مذعورا :-- إني انهار انهار ..
و لأنه- الاب- مولع بحل الكلمات المتقاطعة .. توقف عند كلمة مستقبل مقلوبة اخر ما يختتم به اطاريح الشبكة .. بمجرد ما قرأها وشوشة و استساغها معنى.. حتى سمع صوت ابنته يناديه :
--- بابا قم هيا إلى المنزل... وبينما هما في الطريق معا حتى اشمأز من تصاديات الوشوشة التي اقلقت دواخله ..
على حين غرة منه توقف حتى أثار انتباه الناس من حوله.. تفرس وجهها مما أبان له عن حروف حميمية / هي اسم ابنته الوحيدة / ر..غ ..د.. ة.....إنها مستقبل..... مقلوب .... في وطن مفترس منهوب ..
--- رغدة ستضيق عليك غدا خانة الشبكة يا بنيتي ... و لا ادري إن كنت سترثين كغيرك أسلوب التفاوض في مقهى الحي الصفيحي هناك لأجل البقاء ....؟؟؟؟؟
--- هل حقا راهنا تموت الحرة و لا تأكل من كد فرجها؟؟؟
لقد صدق أفلاطون لما قال و لب القول ما حفظناه ردحا من الزمن بلا غاية و لا فائدة ترجى:
--- كل بداية لها نهاية ، و هذه النهاية هي البداية لشئ آخر
---هل كان الناس في الجاهلية على حق حينما قتلوا أبناءهم خشية إملاق؟؟؟ ...
--- أبي ما بك ؟؟؟....سألت الفتاة..
رد الاب و هو يفرك جفنه:
--- لا شيء.. وقد ادغم في عسر:--- لا شيء يغني للحياة مشعلها قرة عيني..
و تطوى تحت أقدامهما الطريق ...

إرسال تعليق