ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها :
*بقلم وألوان : خالد سليمان
************************************************
قد تزرع نصيحة في النار وتنبت وردة نابضة حيّة باسمة !
هذه الليلة شهدت مولد تلك الوردة ، وما أسعدني بنموّها ، لا تيأسنّ مهما كان ، فالنفس البشرية لا تخلو من رصيد الخير مهما كانت قسوة صاحبها وسوء حاله .
أثناء سيري إلى المسجد لصلاة الفجر شعرت بوحدتي في الشارع ، وجاءني إحساس - وأنا أتأمّل قطيعا من النجوم الأنيق - وسألت نفسي : كيف يراني أهل السماء ؟
وجاءني شعور أنني نجمة وحيدة فريدة تسير بخطى كلها شوق لنيل رضا الله - عزّ وجل - ، وكما أرى تلك النجمة الرقيقة ؛ فكذلك يراني أهل السماء .
وبينما أنا في وسط هذا الشعور الرقيق ، لمحت رجلا في ضوء أعمدة النور يبحث في صندوق القمامة الذي فقد ملامحه من إسرافنا وسوء استخدامنا للنعم الربّانية الجليلة ، رأيته يجيد فنّ النكش والفرز لأكوام متناثرة من القمامة ، وهو يصنّف الورق المقوّي في جهة ، والعلب البلاستيكية الفارغة في ناحية ، وأخرى مخصّصة للبقايا المعدنية ، سمعت قراءة الإمام لسورة الفاتحة وخاصة أجمل دعاء اهدنا الصراط المستقيم ، فقلت في نفسي : لم يقل رب العالمين اهدني ، ولكن قال : اهدنا ، ولمحت على الفور ذلك الرجل الذي لا تستطيع أن تميزه عن أكوام الزبالة إلا بذراعية اللتين تنكشان في كلّ شيء ،
اقتربت منه وقلت : السلام عليكم ، فردّ السلام وهو مستمر في النكش والفرز ، وسألته في دهشة : هل من الممكن أن تجد هنا ذهبا ؟ فقال في عجب : ذهب ، عفا الله عنك يا أستاذ ، ولم يكمل ؟ فقلت ، حتى لو كنت تقلّب يديك في أكوام الذهب ، فأنت خاسر ، فقال خاسر ، وكيف ذلك ؟ ، فقلت قال رسول الله ، فأكمل هو بلهجة المتعجب عليه الصلاة والسلام : ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ، فقال صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .
وهنا قلت ما رأيك ؟ ركعتا الفجر أم ذهب الدنيا ، فسكت لحظات تغيّرت فيها ملامح وجهه إلى ملامح حادة صارمة قائلا : شوف مصلحتك يا أستاذ ، فما كان منّي إلا أن رددت عليه تلقائيّا : جزاك الله خيرا ، ما أعظمها من نصيحة ! فعلا سأرى مصلحتي ، أحلى نصيحة سمعتها هذا الصباح ؛ فركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ،
ومضيت على الفور ؛ عساني أدرك الركعة الثانية من الفجر ، وأنا أسير بروح المهزوم فقد غلبني ولم يستجب ، وبالفعل صليت وأثناء التسليمة الأخيرة لمحت في آخر الصفّ صاحبنا صاحب القمامة وهو قائم يصلّى ، ودققت النظر ورجعت البصر كرتين ولكن لم ينقلب البصر خاسئا وهو حسير ، بل باسما سعيدا ، ترى كيف تغيّرت الحسابات البشرية الدنيوية الخاسرة إلى حسابات ربّانيّة ، ماذا جال في خاطره ليغيّر رأيه سريعا ؟
عجبا لقد قرأت ملامحه وهي صارمة عنيدة وخشيت أن يعقبها إعصار شتائم وقذف وسبّ ، فماذا حدث حتى لانت جوانبه ورفّت جوانحه ببشر وقبول
تركته حتى انتهى ثمّ اقتربت منه ، وأنا فرح به ، وقلت : تقبّل الله ، فلم يرد إلا بقوله : الحمد لله حرما فابتسمت وقلت : اللهم اجمعنا في بيتك الحرام معتمرين وحجاجا يارب العالمين ، وأضاءت ملامحه بابتسامة قائلا الحديث بكلماته التي فهمها : ركعتان الفجر أحسن من الدنيا واللي فيها ، مترجما الحديث ( ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ) ، فقلت له : غدا سأراك إن شاء الله في صلاة الفجر فقال : إن شاء الله ،
وانصرف والصرامة قد ارتسمت على ملامحه من جديد ، ومضى إلى حال سبيله ،
كم من أمثال هذا الإنسان في المجتمع ؟ !
ما عليك إلا البلاغ ، والنفس البشريّة لها حساباتها المتدنية بجدول الضرب البشري أحيانا ، ولكن حين تربطها بجدول الضرب الرباني ؛ تتغيّر تلك الحسابات ، ويعلو سقف المكاسب : فالحسنة عند الله بعشر أمثالها - والله يضاعف لمن يشاء - ، بينما في حسابات البشر قد يمتنع الإنسان عن فعل الخير ؛ لأنّه لا عائد له يساوي الجهد المبذول فيه ، اترك دائما في أفعالك وأقوالك نصيبا للتجارة مع الله ، مهما كلّفك الخير قليلا ، فهو عند الله ليس قليلا ، ولا تجرّد إيّ إنسان من رصيد الخير مهما صوّر لك الشيطان ذلك .

إرسال تعليق