هي والطائر
مملكةٌ يقودُها اثنانِ، فيها يستحوذُ هو على مفاخرِ الإنجازاتِ، ويرمي باللائمةِ عليها عندَ الإخفاقاتِ، مع ندرتِها، وسواءٌ اتفقَ معها أم اختلفَ، فنظرتُها الطويلةُ الى السماءِ تجعلُها مستمرةً بالحياةِ، ودمعُ المواساةِ لها رهنُ الاعتقالِ، مدونٌ في دفاترِ الشكوى دونَ ذنبٍ، حليفُها شباكُ الفجرِ ومحرابُ الدعاءِ، تثقُّ بأنَّ اللهَ يسمعُها، لأنَّ لها شفتينِ تنطقانِ: يا ربِّ، رأتْ في المنامِ أنَّ هناكَ ورقةً دائريةً في عنقِ زوجِها، لا يراها أحدٌ مكتوبٌ فيها: (شقيٌ أو سعيدٌ، سعادةٌ أو شقاوةٌ، مظلومٌ أم ظالمٌ)، ومستمرةٌ بالدورانِ كلَّ لحظةٍ، ثم خرج ملكٌ عليهِ علاماتُ الهيبةِ والوقارِ فجراً وبيدهِ لوحٌ مدونٌ فيهِ: "وكلُّ إنسانٍ ألزمناهُ طائرَهُ في عنقهِ ونخرجُ لهُ يومَ القيامةِ كتاباً يلقاهُ منشوراً اقرأْ كتابكَ كفى بنفسِكَ اليومَ عليكَ حسيباً" فقالَ لها بغضبٍ: لماذا لا تقفُ الورقة عندَ كلمةٍ واحدةٍ؟ ولماذا لم تمزقيها؟ ولمَ لم تنبهيني؟ أجابتْهُ: لكلِّ كلمةٍ أذنٌ ولكنَّ أذنكَ لا تأبهُ لي، فلا تتهمني بالإهمالِ والغموضِ، وفجأةً خرجَتْ أوراقُ طائرِهِ (عملهِ) تباعاً من عنقهِ، لتركضَ يداهُ قبلَ قدميهِ محاولةً تمزيقَها، وكعرضٍ سحريٍّ بدأَتْ تتشكلُ من الحروفِ المتساقطةِ للكتابِ المنشورِ لتقولَ لهُ: "يومَ تشهدُ عليهم ألسنتُهم وأيديِهم وأرجلَهُم بما كانوا يعملونَ"، استيقظَتِ الزوجةُ المغمى عليها وهي تقولُ: نُدبُ حقدكَ على جسديّ مازالَتْ تؤلمني، وقد شكوتُكَ لربيِّ في محرابِ فجريِّ، انحنى اللسانُ خجلاُ، واليدانِ تحسراً، والقدمانِ أسفاً، احتضنَها ولثمَ لسانَهُ بلسانِها، وضمَّ يدَهُ ليدِها، وأطبقَ رجلَهُ لرجلِها، فغادرَ الحياةَ دونَ أنْ يتوقف طائرُهُ في عنقهِ عن الدورانِ.
أمل الياسري/ العراق
إرسال تعليق