GuidePedia

0

كأس شاي بالنعناع ممزوج بالدموع ، :*بقلم خالد سليمان
*****************************************************************************
آه وألف آه ، تخرج من قلبي كخنجر محترق يسافر في حنايا روحي ، موقف هزّ كياني وروحي ، وأغرقني في شلال من الدموع أنا ومن رآه ،
دعاني أخ فاضل لعرس ابنه ، وقبل الوصول لمكان العرس ، رأيت كأس شاي يتألّق مبتهجا في المقهى الواقع على ناصية الشارع ، فقلت في نفسي ، عليّ أن أتناول كأس شاي قبل ذهابي للعرس ، وبالفعل جلست أرقب المكان وبساطته ، بينما صوت مطرب - أقصد مترب - شعبي يتقيّأ ترابا على المستمعين ، وحسبي الله ونعم الوكيل في كلّ من خرّب وشوّه أذواق الناس ، 
فطلبت من صاحب المقهى خفض الصوت فأسكته ؛ ليعلو صوت الجالسين المتخلفين المعترضين على ما حدث ، ومنهم شاب في العشرين من عمره تقريبا ، يدخّن لفافة مشبوهة كأنّها سيارة قديمة تحترق ، فبشّ صاحب المقهى في وجوههم بقوله : حاضر بس عندنا ضيوف ، ومن العيب تعكير مزاج الضيف ، 
وساد صمت المكان للحظات ، ليعلو صوت شجار ، أعقبه خروج رجل مسنّ ممزّق الثياب ، دامع العينين ، محمرّ الوجه من صفعات هذا المجرم الذي يمسك بتلابيبه ، وهو كقشّة في يد عنتيل ضخم ، والعجيب أنّ الناس يتفرّجون ، كأنهم يشاهدون مباراة غير متكافئة في المصارعة الحرّة التي علّمت الناس أنّه لا كرامة للجسم البشري ، ولا حوار أثناء المشاجرة ، بل صفع ولطم وانبطاح أرضي لا قيامة بعده ، 
وأخذتني من روحي توسلات ذلك الشيخ ، وهو يقول : لا يا إيهاب يا بنيّ لا تضربني على كتفي ، المرة الماضية قام الطبيب بتجبير كتفي ، وأنا مريض يا بني ، 
كلماته مزّقت كبدي ، وأحرقت قلبي ، وهذا المجرم لا يتوانى لحظة في ضرب الأبّ بلطمات احمرّ لها أنفه ، واحترقت غضبا حين أعلن هذا المجرم مهددا : أي أحد سيتدخل ؛ سأقتله ، وأمسح به الأرض ، أب وابنه فلا يتدخّل أحد ، 
فوضعت أصابعي على وجهي ؛ لينفجر شلال دموع ساخن ونوبة بكاء ، كأنني أختزن أنهار الدموع ، وألجمني الصمت : أهذا المضروب أب لهذ الضارب ؟ 
وبدأ الناس يتراجعون أمام تهديدات هذا المجرم ، وأصبح هذا الأب كأنّه منديل ورقي في يد عابث يمزّق فيه كيف شاء ، نظرت للسماء عسى أن تأتي صاعقة ترحمنا من هذا العذاب ، وتعجّبت جدا ، حين رحمني من نار مشتعلة في قلبي وروحي هذا الشاب صاحب اللفافة المشبوهة ، حين تقدّم ، واستطاع الفصل والتحكّم بيد هذا العنتيل ، وقام شابان ؛ ليمسكا بيد الأب المعجون لكما ورفسا ونطحا ، وأقعداه على كرسيّ ، وأحضرا كأس ماء وكأس من الكركديه البارد ، 
وما لبث هذا العنتيل العتلّ أن بصق في وجه صاحب اللفافة ، ولكن صاحب اللفافة مسح وجهه ، وتوجّه بضربات مباشرة أردتْ هذا العتلّ أرضا مخذولا جريحا ، وبدأت الدماء تنزف من وجهه ، وصاحب اللفافة اكتفى بوجبة اللكم التي أعطاها له ، وما إن تولّى إلى الظلّ ؛ حتى سبّه الابن الفظّ بأمّه ؛ فعاد صاحب اللفافة ؛ ليقتصّ لأمّه بركلات مباشرة في صدره ووجهه ، وهنا اندفع الأبّ مدافعا عن ابنه ، وهو يرجو صاحب اللفافة : كفاية يا بني حقك عليّ عشان خاطري سيبه ، وصاحب اللفافة سيّد الموقف قال : بلّغ الشرطة عشان المجرم ده يؤدّب كيف يضرب أباه ؟ 
وهنا قال الأب راجيا الحاضرين : لا ، لا بالله عليكم لا تفعلوا ذلك ، الشرطة سوف تبهدله ، وتعجبت للأبوّة المغلّفة بأمومة حنونة ، وهو يتقدّم لابنه ، يأخذ بيده ، ويوقفه ، ويخرج منديلا ؛ ليمسح وجه ابنه ، وهو يرجو الحاضرين ألا يبلغوا الشرطة عمّا حدث ، 
وما إن وقف الابن الفظّ حتى توجّه نحو أبيه بسيل من الشتائم : كله منك يا ابن ........ ، والأب يتراجع خائفا نحو الناس ، وتقدّم صاحب اللفافة وقال : اتركه من الأحسن لك والأسلم ، فتراجع الابن الفظّ ؛ حتى لا يتعرّض لوجبة غير مريحة من لكمات صاحب اللفافة ، ولاسيّما وقد هدده بقوله : الشرطة قادمة الآن ، ونحن شاهدون جميعا على ضربك لأبيك ، 
وهنا انبرى الأب باكيا متسائلا راجيا : ليه كده يا بني ؟ هو ابني وأنا مسامحه ، عشان خاطري ، لا تشهدوا ، إنّه مجرّد نقاش بيني وبينه ، أبوس أيديكم وأرجلكم
وبكى الأب راجيا جميع الحاضرين ألا يشهدوا بما رأوا ، وهنا دقّ هاتفي ؛ وحاولت التجاهل ، ولكنّ دقات الهاتف مستمرّة ، وما إن ابتعدت عن المشهد ؛ حتّى تذكّرت أبي - رحمه الله – وبدأت الدموع تنهمر مشتعلة على موقفين : الأول فظاظة الابن الضال ، والثاني حين تحوّل والدي إلى ولدي الصغير الجميل الحنون فقلت : ليتك يا أبي دمت ألف عام ؛ لظللت أقبّل قدميك ليل نهار ، وانكفأت على شجرة ضخمة على شاطئ النيل أبكي منافسا بدموعي هذا النهر في فيضانه .

إرسال تعليق

 
Top