( النمرود وقرية عبد المعبود )
.......................... .........
عبد المعبود رجل متواضع ، صبغت فرشاة الشيب شعره ، أصبحت متطلباته فى الحياه محدوده ، عاش يصارع الحياه ، تصالحه مره وتخاصمه أخرى وتطعن ظهره مرات عديده ، ورغم كل هذا فأينما يذهب يحمل فى قلبه المودة للجميع ، لم تشغله جراحه يوماً عن الاحساس بجراح الأخرين ، فهو يفرح لأفراحهم الإستثنائية البسيطه ، ويحزنه حزنهم ، يتألم لجراحهم ، يعيش همومهم ومشاكلهم المتراكمه ، يتمزق قلبه على أحلامهم المحطمه بين صخور الواقع المرير ،
وبإحدى القرى المطله على نهر النيل ، كان لـ عبد المعبود منزل ريفى متواضع كجميع منازل أهل القريه ، وكان فى هذه القريه لص نمرود يسطو على المنازل ويخرب المزارع ويتلف المحاصيل ، تعدى اجرامه كل الحدود ، وضع على شوارع القرية الحواجز والقيود ، ولم يستطع أهل القريه معارضته ، أو حتى الكشف عن مشاعر غضبهم ، فهذا النمرود قد نصب نفسه حاكماً ومتحكماً فى مصائرهم ونهب أرزاقهم ، طاغية قيد بالخوف حركتهم ، وبالصمت عقد ألسنتهم ، وعلى هذا النحو تمر أيام القريه ثقيله وقاسيه ومريره ،
وقبيل الغروب وعلى الجانب الآخر للقريه حيث تمتد حدودها الغربيه لتلتقى بصحراء شاسعه ، تنبت بين رمالها الناعمه المتحركه بعض النباتات والأزهار المتناسقة الألوان ، تتجمع حولها الفراشات الجميله ، تتغذى على رحيقها الصافى ، ترسم صفحة نقيه من صفحات الطبيعيه الجميله ، تتلاشى مع آخر ضوء للشمس ، ويخيم الظلام على منازل القريه ، وتتوقف حركة الأهالى ، وشيئا فشيئاً تختفى الصحراء عن الأنظار ، وفوق جبالها العالية يبدأ فصل جديد تعزف حركته كلاب بريه شرسه وذئاب وضباع ، وداخل شقوق أوديتها الصخريه العميقه تتراقص الزواحف السامه على دماء فرائسها الغافله ، وهكذا يسدل الستار على مأساة تلك القريه وتنقطع منها الأخبار ،
وكما عاشت الأغنام دهراً خائفة من الذئاب وهى لاتدرى أنها فريسه للراعى والكلاب ، كذلك وقع أهل القريه فريسه لهذا اللص النمرود ، وهنا يقف عبد المعبود حائراً بعدما انطوت أحلامه وضاعت فرص أهل القريه فى تغيير واقعهم الأليم ، وقف يبحث فى ذاكرته يسترجع كل خطواته ويسأل نفسه هل جانبه الصواب فى النصح والارشاد والتوجيه ، فهو لم يترك أى طريق للتغيير إلا وسلكه ، بذل كل مافى وسعه وأرشدهم لكل سبل التحرر والتغيير ، أم أن أهل القريه فضلوا السير خلف السراب والخيال الذى رسمه لهم هذا النمرود الطاغيه واعتادوا على العيش بقهر وذل وخوف .
.........................
○ صلاح الشيخ ○

إرسال تعليق