أنا في باصٍ آخرَ
__________
عذراً محمود درويش ، عذراً ياصديقي الجميلَ
وأنا مثلكَ تعبتُ من السَّفرِ ولا شيءَ في الأَرْضِ يعجِبُني مذْ فقدتُ أمِّي لاحضنَ في الصَّقيعِ يدفئني و لاخميلةَ في قيظِ الحياةِ تظلِّلني ، سعيِّ وراءَ لقمةِ العيشِ يسرقُ قميصَ الفرحِ من روحي ويبدِّدُ ماذخرتهُ من مرحِ الطُّفولةِ و سحرِ الغوى ،متاعبُ الرَّحيلِ امتصَّتْ نَضَارتي ، هجرُ الأحبةِ غيَّب بلابلي حتى صرتُ لاأشبهني ،
لكنِّي في باصٍ آخرَ لم يسألني إن كنتُ أودُّ النزولَ ، و لم يسألْ أحداً من الركابِ في أيِّ محطةٍ ينزلون ، كان يرمي من مقاعدهِ من يَشَاءُ في كلِّ محطةٍ ، لاندري من المذنبُ الأثمةُ الذين يطلقون علينا حُممَ النيرانِ من الخارجِ فيهشمونَ قلوبَ النَّاسِ ويحرقونَ أحلامَ العصافيرِ بحقدهم أم هذا الباصَ ؟!
لكنَّني ندمتُ كثيراً لأَنِّي لم أنزلْ عند تخومِ الطفولةِ الورديةِ أو عند ربيعِ الصِّبا ، حيثُ كانت الْحَيَاةُ تبتسمُ لنا رغمَ أنَّ الشَّقاءَ كان يركضُ كأرنبٍ خلفنا ،لم أكن أَعْلَمُ أن الحياةَ هي أمِّي وأخوتي ، هناكَ حيثُ عقدُ الألفةِ يجمعنا مع الجيرانِ والغرباء، وحيثُ جزرُ الحبُّ العابقةُ بالرياحينِ فلا جارَ يقتلُ جارهُ لاختلافٍ في الرأي أو العقيدةِ ولا أخَ يطمعُ بعرقِ أخيهِ ، هناك نسيتْ أغلى كنوزي بين أحضانِ الريفِ الذي يقرئنا الحبَّ ، وتركت طفولتي الشقيةِ ترسمُ لوحاتِ الأحلامِ بأصدقاءَ جددٍ في الإنسانية وأشقَّاءَ آخرينَ في مدنِ الغدِ القادمةِ
كلُّنا قد أدمتهُ الحربُ ياصديقي وذاقَ من كؤوسها مرارةَ الحنظلَ وقصمَ ظهرهُ زحفُ الطامعين ؛ فهنا سيدةٌ قد فقدتْ ابنها الْوَحِيدَ عِنْدَ بابِ الرجاءِ قبلَ أن تودِّعهُ ، و أخرى فقدتْ أحدَ ذراعيها و هي ترغبُ أن تكونَ الْجَنَّةَ لأبنائها ، وهذا عجوزٌ سرقتْ الغربةُ فلذاتِ أكبادهِ يئنُ على فراشِ المرضِ يردَّدُ الصدى نداءهُ ، أما أنا فقد فقدتْ أحبَّتي جميعاً بَعْضُهُمْ ارتقى إلى السَّماءِ و بعضهم هَربَ من جرادِ الحربِ وصراعِ الصَّيادينَ على الطَّرائدِ ، و هاأنا أجرجرُ خيباتي و عوزي الفضفاضِ الطَّويلِ أسيرُ برجلٍ وَاحِدَةٍ ومعي أطفالي نبحثُ عن محطاتٍ بعيدةٍ عن الفقرِ والحرب .
بِمَ تنصحنا أيُّها النبيلُ ، عسانا نشفى من جراحنا فتخفُّ آلامنا قبلَ أن نلقاكَ ؟؟
_______
مرام عطية

إرسال تعليق