( ضياع الطريق..)
حارت الى أين تتجه وهي تنظر الى الليل الذي خيم في التو على المكان. كانت متعبة ومنهكة وشعرت بان رجليها لاتعاونها على الحركة. قواها خارت وهي تسمع صوتها الداخلي يقول لها من غير صوت: انه الجوع. فهي لم تتناول أي شييء منذ ساعات، حتى طعام الغداء الذي شاركت فيه أبنها. عندما رأت أن الطعام قليل وأبنها الذي اقبل على التهام الاكل، لذا اكتفت بقطعة خبز بقدر كف اليد، عافت بقية الطعام له كي يشبع. لقد باعت آخر قطعة ذهب قبل ساعتين ربما اكثر، من قطع الذهب التى اخرجتها معها. تدبرت أمرها واقتصدت كثيرا، عندما تأكدت ان الزمن سوف يطول عليها، الى حين عودتها، لذا احتاطت للأمر، كي تحافظ على قدر معقول من العيش بكرامة. فاضت عيونها بدموع الحسرة والفقدان. سألت نفسها: هل قتلوه ام هو الى الان يعيش؟.. تكاثفت ظلمة الليل عليها حتى بدى لها المكان، سجن بلا جدران. : اين هو الطريق الى البيت الذي استجأرته قبل ايام، بعد تركي مجبرة، البيت الذي سكنته لمدة سنتين، لو كان الامر بيدي لما عفته، صاحب البيت ألح عليَ باخلاءه. عتمةُ الليل صارت مخيفة، مع أن الليل لم يزل في بدايته، إذ أن السماء فجأة ادلهمت بالغيوم واخذت ترعد وتبرق بتلاحق مرعب، صدى صوت الرعد خلل كيانها، وومضات البرق الذي ما انفك يتواصل بلا توقف ولا هوادة. حارت الى أين تتجه في هذا الليل الذي سجن معالم الانحاء حتى باتت لا تبصر البنايات في الجانب الثاني من الطريق. لقد ضيعت الطريق الى البيت. دارت في اكثر من طريق وهي تسأل الناس عن الدرب الى البيت،لا احد من الذين سألتهم، دلها عليه، فهي في غمرة ارتباكها واضطرابها وحزنها، لم تحفظ اسم الشارع الذي يقع فيه البيت وأسم الحي، مع انها رددتهما مع نفسها لعدة مرات، لكنها نسيت أسميهما ولا تعرف أي معلم من المعالم التى من الممكن ان تقدمها الى الناس حين سألتهم كي يقودنها اليه. مضت عليها اكثر من ساعتين وهي تفتر، مختنقة بالبكاء، فقد تمكن منها القلق والخوف على أبنها البالغ من العمر عشرة اعوام. تركته وحيدا ينتظرها. صوتها الداخلي أنبها على الخروج في هذا المساء الكئيب. كانت تريد ان تبيع قطعة الذهب وبالفعل باعتها بسرعة، وابتاعت بعض ما تحتاجه من الطعام فقد نضب ما اشترته في وقت سابق. قدرت الوقت ليس اكثر من ساعة وترجع. انقضت ما يقارب الثلاث ساعات وهي لم تستدل على سكة، تمشي فيها الى البيت. وقفت خائفة ومرعوبة امام واجهة احد العمارات المهجورة والتى انهار قسم كبير منها، كانت عمارة فخمة يصدر من غرفها واجنحتها السود، ازيزوصفير، لم تستطع ان تعرف من اي طابق من طوابقها العديدة، يأتيان. ومن ثم جلست على دكة اسمنتية، يأسها جعلها تصفن بانتظار ما ياتي به القدر..كنت أنتظر عودة زوجي من السوق فالوقت قد عبر وقت الغروب بكثير وزوجي لم يرجع،عندما ضجت المدينة باصوات القنابل ورصاص البنادق. فكرت ربما هو الان في الطريق، لذا شعرت بالخوف على سلامته، كنت اعد الدقائق بانتظار ان ياتي واتخلص من هذا الخوف والقلق، لكنه لم يات. بين لحظة واخرى افتح الباب نصف فتحه خوفا وامسح بعنينيَ الدرب علني ابصره قادما نحوي. تلتقط مسامعي هدير الصوت البعيد، لكنه مع هذا البعد، مفهوم: " الله اكبر.. الله اكبر..الله اكبر.." تكاثف الخوف داخلي. أبني يقف وراءي وأنا اقف خلف الباب.اردت الذهاب الى صديقتي هناء واسألها عن زوجها الذي يعمل بذات الدائرة التى يعمل فيها زوجي، هما صديقان، اعتادا التنزه معا في المدينة او الذهاب سوية للتسوق، ذهبا في هذا المساء للتسوق، دوي القنابل واصوات الرصاص منعني من الذهاب إليها وابعد حتى الفكرة عني، بيتها يقع على مسافة شارعين من بيتي. كنت عندما اذهب في الصباح الى السوق امر عليها ونمشي معا الى السوق. كان هذا التسوق من طبيعة علاقتنا مع بعض خلال سنوات، سنوات كثيرة. قبل ايام اختلف الحال وحل في المدينة ما لم يكن في البال؛ فقد اصبح خروج النساء، يشكل خطرا كبيرا عليهن، مما اجبر زوجانا ان يقوما بمهام التسوق. اقتربت الهتافات واشتد الرمي مما اجبرني على غلق الباب وتركت فتحة بمقداراصبع حتى يكون بمقدوري الابصار والاستماع فقد كانت مصابيح اعمدة الأنارة لم تزل تضيء الدرب، لما جرى ويجري في هذه اللحظة على مقربة من باب بيتي. البيوت التى تحيط ببيتي من الجانبين والاخرى في الطرف الثاني من الشارع، كانت قبل لحظة غارقة في بئر الصمت والسكون والخوف والرعب، ارتفع منها صراخ وصياح لنسوة واطفال، تعرفت عليهم من نبر الاصوات. صاحب ذلك بكاء لأطفال ونواح لنساء اخذن ينوحن. وجدتني في حالة من الهلع حتى اني نسيت زوجي، حين رأيتهم يجرجرون مجموعة من الفتيات اليافعات، عرفتهن او اغلبهن عرفتهن، كن من بنات الحي، بيوتهن تقع قبل شارعنا بشارع واحد فقط، كن يتوسلنهم بتركهن. وسعت فتحة الاصبع قليلا وانا ارتجف من شدة الخوف عندما ابصرت الفجيعة، صرخت اعماقي من دون صوت لصرخة، صرخة كتمتها الرهبة : يا الله، شباب سقطوا على سطح الشارع والدم يخشب من صدورهم ورؤوسهم وبطونهم، قتلوهم. سمعت قبل ثواني؛ سب وشتم وانا اقف وراء الباب مرعوبة، الشباب الثلاث قبل ذبحهم بالرصاص صاحوا في وجوههم: أتركوا الفتيات، هن صغيرات،قتلتوا ابائهن. رجل ملتحي تصل لحيته الى منتصف الصدر، خلفهم يسير، على بعد خطوات، بيده كلاشنكوف، يمسكه بوضع الرمي. صليه، صليتان، ثلاث. : ربي انقذني من جحيم الحياة، ألهي احضرني. الشبان الثلاث ممددون على وجه الدرب، درب الرهبة، سقطوا وهم يتلون كما الذبيحة التى ذبحت في التو. : ماما خل نروح لسرداب. كان نبر صوته مرتعش، لا، ليس صوته فقط، جسده ايضا، يختض ويرتجف. انا ايضا كنت من غير إرادة مني، اختض على غير عادتي في مواجهة صعوبة الحياة ومفاجأتها، عندما يفجأني وضع غير محسوب، اتماسك واجد له مخرج ما، يلائمه، لكن هذا الوضع لم امر به في حياتي كلها. كان الظلام في السرداب شديد الكثافة حتى أني لم أجد مكان أبني: سعيد، أين انت. : أنا معاك ماما. كان واقف لصقي، بين اقدامي. شدة العتمة حالت دوني ودون التعرف على علب الثقاب والشموع. استخدمت مبصرات ذاكرتي في الوصول الى مكان علب الوقيد والشموع، ثواني ودلتني عيون ذاكرتي، تلمست باصابعي علب الثقاب، اخرجت عود الوقيد من العلبة واشعلت النار ومن ثم اوقدت احد الشموع. غمر السرداب فيض من النور الخفيف. وضعت أبني في حضني على الرغم من انه تجاوز العاشرة من عمره، أشعرني بالدفء والامان. نظرت الى الساعة في معصم يدي اليسرى، كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل. كنت قبل ان نهبط أنا وأبني، قد اغلقت باحكام باب السرادب. وجدتني اشعر بالتعب والخوف والتوجس. أبني نام في حضني. تأملت وجهه الهاديء وهو يغط في نوم عميق كأنه لم يهتز خوفا قبل حين. ظلت صورة زوجي وهو يودعني متبسما كما هي عادته عندما يخرج للتنزه او التسوق قبل سنوات، ديدنه هذا لم يفارقه رغم الخوف والوجع والتوجس من خطر تقع فيه ولا تدري كيف ومتى، في اي لحظة تسقط فيه: لن أتاخر، سوف ارجع انا وصديقي يوسف في اقل من ساعة. : لماذا تخرجان في هذا الوقت البيئس والمشحون بكل ما هو خارج التوقعات. : رقية، جحيم هذه الحياة تحتاج الى من ينتزع منه نسغ الحياة، تريد من يقتحم جهنمها يارقية. ثم البيت فارغ من طعام يؤكل. واصل صوته في هذا الليل البهيم، يرن في اذنيها الى ان اخذ بالابتعاد حتى غار في مكان بعيد، فقد كان يصلها خافتا، تكاد لا تسمعه ومن ثم اختفى كليا. إذ وجدت نفسها تقف على قمة جبل شاهق، كانت القمة، مساحتها لاتتسع لأقدامها كي تقف باتزان، كانت قلقة التوازن مع ذلك تماسكت وسيطرت على حركة جسدها لتقف بتوازن. اسفل منها، هناك وادي عميق الغور، فيه بشر يتقاتل مما ارعبها، كان جميع البشر المتقاتل لهم وجوه ورؤوس حيوانات. هبت صارخة حين امسك بها من الخلف، اثنان يرومان النزول بها الى قعر الوادي. صرخت مرة ثانية، صرخة شقت الافاق وايقظتها. اشتد هلعها؛ عندما سمعت فوقها وقع اقدام تتحرك. فتحت مسمعيها على سعيتيهما كي يكون في مقدرويهما التقاط اي صوت حتى ولو كان نأمة في البيت وغرفه. سمعتهم يقولون: البيت مهجور. : اعيدوا تفتيش البيت مرة ثانية، كل مكان فيه، وراء الاثاث، تحت الاثاث، في السطح. قال احدهم. وفهمت من أمّرَه لهم، انه كبيرهم. كنت اتسمع ما يجري في غرف بيتي وانا اهتز خوفا من النهاية. خشيت من انهم قد ينتبهون الى مدخل السرادب. مرت عليَ الدقائق ثقيلة، ثقل جبل حط على صدري. صوتي الداخلي قال لي: حين يهمون بفتح الباب عنوة، احرقي جسدك حتى يصعد الى بوابة السماء طاهرا يارقية، امامك وقت كافي بين اقتحام وتكسير الباب ووصولهم إليك. امسكت علبة الثقاب انتظر حتفي، عقدت عزمي على ذلك؛ اشعل عود الوقيد وبعده الشمعة ومن ثم اسكب علبة من علب النفط الكبيرة الحجم الموجودة ضمن الخزين في السرداب، على جسدي، ثواني واكون كتلة نار في وجوههم. : نبشتم جميع الغرف والزوايا والسطح. : لم نترك مساحة بقدر خرم الابرة، لم ننقب عن اصحاب البيت فيها. : يظهر انهم هربوا قبل وصولنا. تأكدت من انصرافهم فقد عم السكون والهدوء. سمعت مواء قطة في زاوية من زوايا البناية المهجورة. انتشلتها مما هي فيه؛ اصوات مختلطة مع بعضها البعض حتى بدت لها ان هناك معركة بالقرب منها؛ مواء ووصوصة ونباح. الطريق لا احد فيه. كان مقفر ومظلم الى الدرجة التى فيها لا تستطيع رؤية البنايات في الجانب الثاني من الطريق. لاتدري متى كفت السماء عن البرق والرعد. السماء لم تزل سوداء بسقف من غيوم سود، كانت قربية من الارض او هكذا هي تخيلتها حتى بدت لها وكأنها في الطريق الى ملامسة سطوح البنايات العالية. قفزت قطتان من فوق رأسها مما جعلها ترتجف من المباغتة والخوف. كأن فلما سينمائيا تدور احداثه حولها في الظلام وعلى مسافة قريبة جدا منها. أحد القطتين الهاربتان في الظلام، بعيدا عن العمارة، لم تنج. أذ، امسكها باسنانه كلب جائع. اختفت القطة الاخرى في زاوية بعيدة وهي تموء مواء يشبه البكاء. ازدرد كلب اخر جرذ صغير، قفز عليه في لحظة خروجه من بالوعة الطريق. ثم غرق المكان في الهدوء والسكينة المخيفان، ألا من اصوات كائنات الليل واطلاق نار من امكنة متفرقة وعلى مبعدة منها. تسمع بين الفينة والفينة، رشقات رصاص لبنادق آلية. امسك الصمت بجنبات المكان، في طوابق البناية المرتفعة فوقها، سكوت مريب وسكون مسكون بالرعب، جاءها فحيح افاعي وزقزقة عصافير لا تشبه الزقزقة الذي تعودت على سماعها وهديل حمام لايشبه الهديل. حين حطت مسمعيها انصاتا الى الفحيح بدافع الخوف والرعب الذي تمكن منها؛ تأكدت من ان الافاعي في عراك دامي في قمة السدرة، فقد ارتفع الفحيح الى حد الرهبة. كانت هناك سدرة تظلل البوابة وعلى بعد متر منها، رغم ذلك لم تنتبه لها عندما حفتها وهي في الطريق الى الدكة الاسمنتية في مدخل العمارة الذي اخذت مكانها عليها قبل حين من الوقت الكثير. سحب نباح الكلاب الذي اشتد فجاءة، مسمعيها من محطته على اغصان السدرة. ابصرت من بين ثنايا الظلام كلب على مقربة منها، كان يحاول الهروب بعد ان دخل الى ميدان، وهو الغريب عنه، ولم يتسع له الوقت فقد هاجمته قافلة كلاب العمارة. كانت معركة شرسة تدور قبالتها وعلى بعد مترمنها،والكلب الوحيد يعوي وهو يريد باي وسيلة الخلاص من رهط الكلاب وهي تتابع عضه من جميع انحاء جسده. في النهاية استسلم لقدره وتمدد في بركة ماء اسن عند حافة الرصيف. من سوء مصيره كانت بركة المياه عميقة فقد تجمعت المياه في حفرة عند التقاء الرصيف بوجه الطريق. عصابة الكلاب لم تزل تنظر اليه وهي تشكل دائرة، تحيط بالبركة. حين يضع رأسه في المياه التى تعلو رأسه بمسافة سنتمرات، من التعب والألم والانهاك، أذ فقد جسده كل قابلية على المقاومة، يرفعه لبرهة كي يتنفس، لكن جسده لم يعاونه في الصمود لأكثر من ثانية. كرر المحاولة لعدة مرات. في الاخير لم يعد جسده يساعده في رفع رأسه، لذا غرق في بركة المياه، هامد الجسد. ثم حل صوت الموت على المكان مما جعلها تشم رائحة الموت في جميع موجودات المكان. كانت مرعوبة من رهاب البناية المهجورة وكائناتها المتناطحة وموت الكائن الكلبي في لحظات معدودة. كانت تتخيل عينيه وهي تتوسل قاتيليه من بني جنسه؛ ان يكفوا عنه ويتركوه الى حال سبيله. بكت رعبا ورهبة من هذه الدنيا. ايقظها من سفرها في الألم والخوف والحزن؛ عراك الكلاب مع بعضها البعض تحت السدرة. عيونها ابلغتها عندما وضعتها في ميدان المعركة الكلبية؛ حمامة كانت تتقاذفها اسنان الكلاب، جنّح في فم واخر في فم اخر. وكذا الصدر والرأس والبطن. اجهشت بالبكاء الصامت ألا من دموع نزلت مدرارا من عينيها. في اللحظة التالية وبصورة مفاجئة ومع ريح عاتية وباردة، هبت بغتة، تهاطل المطر بقوة كأن الغيوم انفتحت فيها صانبير مياه بالمليارات. لاذت وهي تتقرفص وتتكور على نفسها في زاوية من العمارة المهجورة، لايصل إليها وابل المطر وتحتمي قليلا من البرد، برد يخترق العظام. كانت ترتعش من شدة قسوة البرد ورأسها يدور بسرعة اذهلتها. بالقرب منها، فحيح افاعي ووصوصة لجرذان ونباح كما العواء لكلاب خائفة، كانت تسمع. ومن ثم اختفى كل شيء، غطس في جب عميق. كانت نائمة عندما اهتزت، فتحت عينيها لتنظر في الصمت والسكينة، كانت تشعر باطمئنان وسلام داخلي، حين خظها زوجها الذي استيقظ قبلها وهو يقول لها: هل هي حيّةُ؟!..عندما فتحت عينيها ربع فتحة، رات شرطيين يحمالنها. كرر الضابط ما قال قبل برهة والذي يقف على بعد نصف متر من هما: هل هي حيّةٌ؟!.. اجابه احد الشرطيين: نعم سيدي..: اذا اسرعوا بها الى المستشفى...قال لهم وتناول من احد الشرطيين، حقيبتها، حقيبة يد صغيرة. بدأ بفتحها، اخرج منها، هوية الاحوال المدنية. : إيزيدية. تأفف بألم..
مزهر جبر الساعدي- العراق- بغداد
إرسال تعليق