GuidePedia

0


عندما أسمع عن الأسرى الذين يفضلون الموت على الخضوع لسياسة التعذيب الجسدي والمعنوي لهم، أقف متعجبة متسائلة بخجل من نفسي وبشعور مليء بنبذ الذات للضعف الكامن فيّ وفي إخوتي وأمتي، وأنا التي كنت دائما منذ الصبا أرسم صورة وطني وأمنية الشهادة فداء لترابه.
كنت أرسم للشهادة طريقاً من الرياحين، أسابق الوقت لأغدو كبيرة بعكس فتيات جيلي اللاتي يتمنين زيادة سنين عمرهن ليرتدين الفساتين ويضعن مساحيق التجميل، كان الدم الفلسطيني المضطرم بشراييني يشتهي عناق تراب فلسطين الذي لم ألمسه ولم أستنشق يوماً نداه. 
لا تدركون حجم العذاب الذي أحياه وأنا أتابع نزف الذكريات التي تسردها أمي عن طفولتها بأرض الزيتون والليمون، حين تذكر بيت جدي وصديقاتها وقريتها وهي في عمر الزهور، يلعبن و يتسابقن في جبال فلسطين.
أذكر عندما ذهبت قبل سنوات بزيارة "سياحية" إلى هناك -نعم سياحة.. كغريب يزور بلدا ليس له، نحن أصحاب الأرض لا حق لنا في دخولها قبل الذهاب إلى السفارة الإسرائيلية وطلب الإذن برؤية ما سلبونا إياه من أرض وبيت وأهل وذكريات وكأننا سيّاح أجانب لا ننتمي لتلك الربوع-
أذكر يوم عودتها وهي تحدثنا عن زيارتها وعن صديقاتها اللواتي تشتتن في بعض البلدان العربية أو الغربية أو استشهدن أو هجّرن أو اغتصبن..
لا شيء ظل على حاله هناك ،كل بيت به شهيد أو أسير أو مُبعد ، كل باب يغلق على كثير من الألم والحسرة وضياع المصير، لم تغب فقط تلك النخوة والشعور بقيمة العروبة التي ماتت في ضمير الأمة . 
أذكر يومها أنها جاءت على ذكر الصخرة التي كن يجلسن عليها وهي حجر كبير يمتد تاريخه لآلاف السنين، أما الآن فقد أصبحت حجارة صغيرة مشتته هنا وهناك، فقصف العدو الغاشم لم يرحم البشر فكيف هو حال الحجر والشجر.
يومها تنهدت أمي بألم وعيناها غارقتان بالدمع فقد تذكرت أخاها الذي قتله الصهاينة وهو في ذروة شبابه تاركاً خلفه زوجة ثكلى في عز صباها وتسعة يتامى.
أكتب والقهر يفتك بحنجرتي لما وصل إليه حال وطني وحال كل لاجئ وكل أسير، أكتب فلا أشعر براحة بل بموت الضمير فلا يوم الأسير ينفع ولا يوم الأرض يذَكّر من نسي وانشغل بمصالح ذاتية ضيقة. 
_____________
الأستاذة:

إرسال تعليق

 
Top