GuidePedia

0

العصفور والصياد
( ذكريات الطفوله )

تعودت صيد العصافير في صغري ، فحين يحط فصل الربيع على الأرض الطيبه ، يتجلى النوار باثوابه الزاهية ، ابيض واحمر وزهري وبكل الألوان ، ينثر عبقه على اغضان الشجر من اصناف اللوز والرمان والدراق والتين والزيتون وغيرها من انواع الفاكهه ، ليرسم لوحات من الجمال الطبيعي الذي يملئ النفوس فرحا وبهجه ! ويزيد المنظر روعة وجمالا حين تتسلق الورود بشتى الاصناف على الشبك الحديدي الذي يطوق بستاننا الواسع من كل جوانبه ، ليشكل سورا فاصلا بينه وبين بساتين الجيران ، تلك الورود الجميله التي تهدي رائحتها الزكية لكل عابر سبيل ، ومن طرف الشبك الحديدي باب يطل على الطريق الريفي الموصل الى مدرسة القرية االوحيده ، التي كانت تحوي الطلبة حتى نهاية المرحلة المتوسطه ، حيث ينتقلون بعدها الى مدارس مدينة نابلس التي لا تبعد عنها اكثر من عشرة كيلومترات !!
اما بيتي الريفي المكون من غرفتين من العقود الحجرية القديمه ، وفوقهما غرفتان كنا نطلق عليهما " العلالي " ، وبجانبهما مطبخ صغير ، اما المرحاض فكان يقع في زاوية السور المرتفع الذي يضم بداخله البيت وساحة كانت تسمى " الحوش " ، تتسع للدواب التي نقتنيها ، كي تساعدنا في حراثة الارض وجني المحاصيل ، كان البيت يتربع على زاوية الجهة المرتفعه من البستان ، والذي كان يقع على اطراف قريتي " حواره " بعيدا عن البيوت المتلاصقه ، والتي نقشت صورتها على جدار قلبي على مر السنين ، وكان البستان وبداخله البيت لا يبعدان عن المدرسة سوى بضع دقائق سيرا على الاقدام ؟؟
كان ذلك في اواسط خمسينات القرن الماضي ، قبل الاحتلال الصهيوني لما بقي من فلسطين ، بعد ان احتل القسم الاكبر منها عام 1948 ، وهو ما سمي بعام النكبه ، وما اطلق على الجزء المتبقي منها اسم الضفة الغربيه لنهر الاردن ، بعد ان توحدت مع دولة شرق الاردن ، حيث اطلق عليها الضفة الشرقية ، وما اطلق على الضفتين معا اسم : " المملكة الاردنيه الهاشميه " بعد الوحده . كنت انتهز الفسحة من الوقت ، التي تعطى لنا ما بين الحصص المدرسيه كي نجدد نشاطنا ، كنت انتهز تلك الدقائق المعدوده كي اذهب جريا الى بستاننا لاتفقد الفخ الذي نصبته لاصطياد العصافير ؟؟ فان وجدته قد امسك بين فكيه عصفورا اخرجته حيا قبل ان يفارق الحياه ، واودعته القفص المعد لهذه الغايه ؟؟؟ كانت فرحتي لا تعادلها فرحه ، حين ارى العصفور من بعيد ينثر التراب من حوله وهو يتململ مرفرفا باجنحته محاولا الافلات من الفخ ؟؟؟
كنا نصنع الفخ العتيد من اسلاك قوية نشكلها طارتين كل منهما على شكل نصف دائره يجمعهما سلك من الحديد الصلب ، يثبتهما عمود من الصلب في المركز ، كنا نطلق عليه " الكرزم " ، بحيث توضع على راسه دودة نستخرجها من سيقان الذرة الجافه تثبت فيه بخيط وخرزة صغيره ، فحين ينقر العصفور الدوده ، ينفلت " الكرزم " ويطبق الفخ بطارتيه على رقبة العصفور ، ليصبح صيدا ثمينا .
في اجازة الربيع المدرسيه وفي يوم من ايام سنة 1955 ، حضر صديقي " رشاد " ، ليشاركني متعة الصيد ، اخترنا الاماكن التي رأيناها مناسبة لنصب الفخاخ مقابل شجرة لوز ، بعد ان زودناها بالطعم المناسب وهي دودة سيقان الذره ، وغطيناها بالتراب الناعم بحيث لا يظهر منها سوى الدودة الممسوكة بالخيط والخرزه في رأس " الكرزم " ، درنا حول الاشجار من مكان لاخر كي نبحث عن عصفور ، وقد نتجاوز احيانا الشبك الحديدي الذي يفصل بستاننا عن بساتين الجيران كي نظفر بالعصفور لنوجهه نحو الشجرة المقابلة للفخاخ بالصفير واشارات اليد ، بعد الدوران من خلفه . ولما لم نوفق جلسنا فترة من الوقت نتبادل الحديث بعيدا عن مكان الفخاخ ، وفجأة قرر صديقي رشاد ان يغادر المكان ، وقد مل الانتظار ، بعد ان فشلنا في الظفر بأي عصفور ، فلعل العصافير قد اختفت في ذلك اليوم ؟؟؟
بقيت وحيدا تحت الشجره انتظر الفرج ، دون ان افكر فيما قد يفعله صديقي ، غير انه ذهب بمفرده ومشى نحو فخه واخرجه من التراب ثم غادر المكان . انتظرت بعض الوقت ، واذا بمحض الصدفة ، قد حط عصفور بالوانه الجميله على الشجرة المقابله لفخي ، واخذ يتفرس في الدوده التي كانت تتراقص فوق الفخ وكأنها تغريه بالاقتراب ؟؟ اما انا فقد صرت ارقب المشهد واعصابي مشدوده ، وكنت ارسم في خيالي صورة للعصفور ، وقد امسكت به واودعته داخل القفص ، واخذ دقات قلبي تتسارع وانا متوثب للركض ، فعندما ينقر العصفور الدوده ، يتعفر مكان الفخ بالتراب ، ويأخذ العصفور برفرفة جناحيه محاولا اخراج رقبته من بين فكي الفخ ، فاخرجه سليما كصيد ثمين ؟؟ . كان العصفور ينظر الى الدوده يتفحصها بامعان مدة ليست قصيره ، ثم أخذ يقفز من غصن الى غصن قريب اخر ، كأنه يفكر في امر عظيم ؟؟ ويعيد النظر والتفرس بالدوده والقفز من غصن لآخر ، وهي تتلوى باغراء لا مثيل له ، وكانها تتحداه بالنزول لالتقاطها ؟؟؟؟
ربما كان يوازن في عقله الصغير بين وجبة دسمه حلم بها طويلا ، وبين المغامرة بحريته ؟؟؟ لعله ادرك ان في المجازفة بالتقاط تلك الدوده ، ربما اودى بحياته او ربما افقدته تلك المغامرة حريته ، بحيث يجد نفسه محبوسا في قفص ضيق ، بعد ان كان حرا طليقا يتنقل من شجرة الى شجره ومن وردة الى ورده ، يتغني بالاغاني في حرية وسلام وأمن وطمأنينه ؟؟؟ واخيرا اتخذ قراره بالطيران بعيدا عن تلك الشجرة المقابله للفخ ؟؟ فربما خشي انه لو بقي يتمعن في تلك الدودة فلربما اغوته وانسته حريته التي يتمتع بها دون قيود ، بان يهوي نحوها وينقرها وتكون النتائج كارثيه ؟؟ اتخذ قراره بان حريته لا تقارن بوجبة طعام دسمه ، فالحرية لا يعدلها اي امر اخر ؟؟ ولو كان ثمنها الجوع والصوم مدى الحياه ؟؟؟ لكن لم كل هذا الخوف والتحفظ وهذا الرفض لتلك الوجبة الدسمه ؟؟ فما هي الا دودة ملقاة على الارض ، سهلة الالتقاط !!! ؟؟
احترت في تفسير تصرف العصفور ، وانا اتجه متثاقلا نحو الفخ ، فقد كانت خيبتي كبيره بابتعاد الطير دون ان اتمكن من اصطياده ، وقد زالت حيرتي ، لكن دهشتي كانت كبيره حين وصلت الى الفخ لاجد صديقي ، ( ربما عن دعابة ثقيله ، او ربما عن شئ اجهله في نفسه ) ، قد اخرج فخي من التراب ووضعه مكشوفا بهيكله الحديدي ، بحيث يوحي للطير ان ثمن الدودة سيكون باهظا ؟؟؟ ، وان الدوده ما هي الا طعم يؤدي به ليكون صيدا ثمينا بين فكي الفخ ، وبذلك يفقد حريته لوقت لا يدري متى يطلق سراحه ؟؟ وربما يؤدي بحياته الى نهايتها ؟؟
سامحك الله ايها الصديق فقد قتلت فرحتي باصطياد ذلك الطائر !! ، حملت الفخ والقيت بالدودة جانبا ، وعدت افكر في ارادة هذا الطائر القويه ، الذي رفض المجازفة بحريته في سبيل وجبة طعام دسمه ، ربما ظل يحلم بمثلها وقتا طويلا ؟؟؟؟ لقد تعلمت من ذلك العصفور درسا ان للحرية ثمن لا يقدره ولا يعرفه ولا يدافع عنه الا الاحرار ؟ وتعلمت درسا آخر وهو ان الصغار احيانا تعطينا دروسا يعجز بعض الكبار عن فهمها ، او استيعابها ، وقد شكرت الصديق عندها والذي كان سببا في استيعابي تلك الدروس ، ربما دون ان يدري ؟؟ فلا تستهينن بفكر أحد ؟؟ صغيرا كان ام كبيرا ، ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو كان ضئيلا ، ومن يومها قررت العزوف عن صيد العصافير ، وتركت لها حريتها ترفرف حول بيتي وفي بستاني استمتع بجمال منظرها وعذب شدوها ، كما خلقها الله -----
( نواف الحاج علي )

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏طائر‏‏

إرسال تعليق

 
Top