( نزيف الذاكرة)
تمددت على الفرشة التى أعدت لي بطلب مني؛ تحت السدرة. أنظر الى الليل والنجوم. جاء بي الحنين. أذ أوصلتني مسيرتي في الحياة الى آخر درجة من سلم العمر، لذا جئت مسافراً بدوافع شوق روحي الى الأرض التى اسقطتني أمي من رحمها. في بداية مشواري الأول في الدنيا. من زمن بعيد، صار الآن في غيهب النسيان. سبعة عقود مضت والليل ذات الليل. في المدرسة الثانوية التى أعمل فيها حارساً؛ أقضي الوقت في قراءة الكتب. البعض من المدرسين يستهجنون حملي لكتاب في يدي وأنا اغادر الى غرفة الصفيح القريبة. مضت أكثر من سبعة عقود. كأنها ما كانت. من أغوارالارض، أسمع صوت المله، ينهرني ويطلب مني الانصات لما يتلو من آيات القرآن: " أنصت يا حسن..". ختمت القرآن حفظاً وتلاوتا.ً يسمعني السكون، صوت أبي: " لا ترادد السركال والحوشية". صمت المله ورفع رأسه من كتاب الله وأشرئب به ناحية الباب الوطىء، دخل إليه منه، نداء السركال: " تعال مله". كنت مشدوداً الى النغم الشجي لصوت المله وهو يتلو الآيات، أغاضني أنهاء الدرس، جعل داخلي يغلي حقداً على السركال. ونحن نخرج، نظر السركال ألي نظرة متفحصة، فيها الكثير من القسوة. تسائلت حينها ماذا يريد مني درب البردي. كنا نحن الفتيان نلقبه لضخامته بدرب البردي. عيناه تزمع أقتلاعي من وقفتي على الارض وتقذف بي الى النهير القريب. : تعالا أبنا بهية وحسنة..". كان يريد نقل الشلب الى داخل سدانة الحراز الطينية. رفضنا. شتمنا بعصبية. ومن ثم طوح نحونا بخيزرانة الغضب. سببته والدم يفور في عروقي. هذه الليلة هي الليلة الثانية وغداً أغادر. نزفت ذاكرتي عندما سمعت السدرة تحاكيني: الجميع رحلوا، لم يبق ألاأنا. أنا ومضيفي، أبن عمي، قاسم، كان كما أنا طاعناً في السن. جرنا الحديث في الليلة السابقة الى ما فات من حياتنا لزمن مضى وأنقضى: الليل في ذاك الزمن، حمل الى الناس رعب الموت. قتل محسن وعدد من زبانية الشيخ. فز الناس على صياح ورمي نار كثيف. مسحت العيون كتف النهير. كان الرمي يأتي من هناك. الحوشية تطلق الرصاص من البرنو الأنكليزية بأتجاه السدرة وغابة الحلفاء المتوسدة زند النهير. ومن هناك تتسلم بنادق الحوشية الجواب. محسن يدافع عن نفسه وهو مطمور بين الحلفاء، على مقربة من جذع السدرة. أنهال بالرصاص على حماة المحفوظ. أذ كان في ذاك الزمان يلقب الأقطاعي بالمحوفظ. فك بطانة الشيخ عقد الحبل الذي ربط به أحد الحوشية الى جذرع السدرة. يبز روحي نبر أبن عمي، الحاج قاسم؛ ظل بين تذكرة وأخرى يعرج على ما أقترفت بحق نفسي من أخطاء أو خطأ جر وراءه جميع أخطاء حياتي والتى وضعتني في خانق التيه. يلومني على عدم زواجي ويحملني ما آل إليه وضعي؛ وحيداً في الدنيا بلا معين وآنس، تائها في زواغيرها. " لو تزوجت لكان لك ما يرد عنك وحشة العمر..". مباضع المشارط توغل في صدري ألماً. احاول طرد أحساسي بها وهي تجز لحم صدري بالأستماع الى مناجات كائنات الليل لبعضها البعض. لكائنات الليل صوت يوجع الروح؛ نقيق الضفادع وأزيز الحشرات الطائرة، يحفران الدروب في رأسي. خف الآلم. ثمة خدر لذيذ وممتع في عروق دمي وأوصالي. سكون والصمت في القرية. كنت أقتعد على جرف النهير بالقرب من السدرة. السماء فوقي تمسك بالقمر المكتمل في سمتها. آتامله، تمتعني روعة الوجود. سب وشتم يتقدمان نحوي. " من هؤلاء وجميع الناس يرقدون في مناماتهم مطمئنون"؟. بحة الصوت لأحدهم قدم الجواب لسؤالي، أنه السركال اللعين والذي أمقت وجوده في أي مكان حل. تراجعت قليلاً واخفيت جسدي في غابة الحلفاء القريبة من الجرف. أنظر إليهم. أثنان من الحوشية والسركال ورجل رابع مقيد اليدين. عرفته؛ محسن الرجل الشرس والمشاكس للشيخ والسركال. أنصرفوا بعد قيامهم بما قاموا به، ألا واحداً. أهات محسن الغارق الى رقبته في المياه والمكبل بحبل متين الى جذع السدرة؛ تجرحني في صميم رجولتي الفتية. أصبر وانتظر الفرصة. الحوشي يحمل البرنو الأنكليزية ويقظ. صرير اسنان الرجل الغاطس الى الرقبة والذي أكن له الود والمحبة والأعجاب؛ يستفز عقلي بالبحث عن مخرج ما. للجبروت غفلة وخطأ. لذا وضع الحوشي البرنو بأطمئنان على الثيل البليل بندواة الليل. وأقترب من الرجل ليزجي وقته في التفكه عليه. وضعت البندقية في يد محسن وقلت له أهرب قبل أفتضاح الأمر. " لن أهرب..". تركته مرعوباً من القادم. دخلت الى الكوخ. الجميع نيام حتى أبي وأمي نائمان. قلبت ليرة الذهب في كف يدي بعد أن اخرجتها من مدفنها المعلوم. كانت جدتي قبل رحيلها، على فراش موتها المؤجل لحين، ذات ليلة، أعطتني ليرة حميدية من الذهب. " أحفظها لعرسك ..". كنت مرتبكا وخائفاً وعازما على الرحيل بسرعة قبل أنكشاف ما جرى، مهما كان الأمر.أنسللت من الكوخ بعد ان شققت جدار البردي. ابتلعني الليل والظلام راكضاً. ينقل الليل الى مسمعي أصوات أطلاق رصاص كثيف."من جاء بي"؟. الارض فرغت من الحياة، حياة كانت يوما ترفل بها هذه الارض. لم يبق ألا بيوت الطين القليلة المنتشرة هنا وهناك. بكيت في الليل والصمت، بكيت على عمري الذي أنقضى. لا أعرف كيف بدء وكيف سار بي على دروب الحياة الموحشة والوحدة والفراغ. الآن أقف وحيداً على منصات أنتظار الرحيل من الدنيا. جاء الزمن مسرعاً من طيات النسيان، أثناء عتابي لنفسي وتوبيخهاعلى ما فات من عمري سداً: كنت أمشي في الجادات؛ أبحث عن نفسي. من أجل رغبتي وحاجتي إليها. أشعر بديبب في قدميَ ومن ثم صعد مثل نمل على بطني ليجتاح صدري ورقبتي. وجدتني أحلق بعيداً عني ومن ثم أرتحت... أعتلت الشمس صفحة السماء والرجل لم يزل نائم. الصبية التى طلب منها جدها، الذهاب الى منامة جدها الضيف. راحت الصبية الى الرجل النائم تحت السدرة المعمرة لأيقاضه لأن الوقت تأخر كثيراً والرجل لم يستيقظ. وقفت الصبية خائفة أذ تعبت من الخض، هزته من أكتافه ولم يتحرك. صاحت في أذنه: " حجي أكعد، أكعد، أكعد". صرخت: " جدي الحجي مات"...
مزهر جبر الساعدي_ العراق
تمددت على الفرشة التى أعدت لي بطلب مني؛ تحت السدرة. أنظر الى الليل والنجوم. جاء بي الحنين. أذ أوصلتني مسيرتي في الحياة الى آخر درجة من سلم العمر، لذا جئت مسافراً بدوافع شوق روحي الى الأرض التى اسقطتني أمي من رحمها. في بداية مشواري الأول في الدنيا. من زمن بعيد، صار الآن في غيهب النسيان. سبعة عقود مضت والليل ذات الليل. في المدرسة الثانوية التى أعمل فيها حارساً؛ أقضي الوقت في قراءة الكتب. البعض من المدرسين يستهجنون حملي لكتاب في يدي وأنا اغادر الى غرفة الصفيح القريبة. مضت أكثر من سبعة عقود. كأنها ما كانت. من أغوارالارض، أسمع صوت المله، ينهرني ويطلب مني الانصات لما يتلو من آيات القرآن: " أنصت يا حسن..". ختمت القرآن حفظاً وتلاوتا.ً يسمعني السكون، صوت أبي: " لا ترادد السركال والحوشية". صمت المله ورفع رأسه من كتاب الله وأشرئب به ناحية الباب الوطىء، دخل إليه منه، نداء السركال: " تعال مله". كنت مشدوداً الى النغم الشجي لصوت المله وهو يتلو الآيات، أغاضني أنهاء الدرس، جعل داخلي يغلي حقداً على السركال. ونحن نخرج، نظر السركال ألي نظرة متفحصة، فيها الكثير من القسوة. تسائلت حينها ماذا يريد مني درب البردي. كنا نحن الفتيان نلقبه لضخامته بدرب البردي. عيناه تزمع أقتلاعي من وقفتي على الارض وتقذف بي الى النهير القريب. : تعالا أبنا بهية وحسنة..". كان يريد نقل الشلب الى داخل سدانة الحراز الطينية. رفضنا. شتمنا بعصبية. ومن ثم طوح نحونا بخيزرانة الغضب. سببته والدم يفور في عروقي. هذه الليلة هي الليلة الثانية وغداً أغادر. نزفت ذاكرتي عندما سمعت السدرة تحاكيني: الجميع رحلوا، لم يبق ألاأنا. أنا ومضيفي، أبن عمي، قاسم، كان كما أنا طاعناً في السن. جرنا الحديث في الليلة السابقة الى ما فات من حياتنا لزمن مضى وأنقضى: الليل في ذاك الزمن، حمل الى الناس رعب الموت. قتل محسن وعدد من زبانية الشيخ. فز الناس على صياح ورمي نار كثيف. مسحت العيون كتف النهير. كان الرمي يأتي من هناك. الحوشية تطلق الرصاص من البرنو الأنكليزية بأتجاه السدرة وغابة الحلفاء المتوسدة زند النهير. ومن هناك تتسلم بنادق الحوشية الجواب. محسن يدافع عن نفسه وهو مطمور بين الحلفاء، على مقربة من جذع السدرة. أنهال بالرصاص على حماة المحفوظ. أذ كان في ذاك الزمان يلقب الأقطاعي بالمحوفظ. فك بطانة الشيخ عقد الحبل الذي ربط به أحد الحوشية الى جذرع السدرة. يبز روحي نبر أبن عمي، الحاج قاسم؛ ظل بين تذكرة وأخرى يعرج على ما أقترفت بحق نفسي من أخطاء أو خطأ جر وراءه جميع أخطاء حياتي والتى وضعتني في خانق التيه. يلومني على عدم زواجي ويحملني ما آل إليه وضعي؛ وحيداً في الدنيا بلا معين وآنس، تائها في زواغيرها. " لو تزوجت لكان لك ما يرد عنك وحشة العمر..". مباضع المشارط توغل في صدري ألماً. احاول طرد أحساسي بها وهي تجز لحم صدري بالأستماع الى مناجات كائنات الليل لبعضها البعض. لكائنات الليل صوت يوجع الروح؛ نقيق الضفادع وأزيز الحشرات الطائرة، يحفران الدروب في رأسي. خف الآلم. ثمة خدر لذيذ وممتع في عروق دمي وأوصالي. سكون والصمت في القرية. كنت أقتعد على جرف النهير بالقرب من السدرة. السماء فوقي تمسك بالقمر المكتمل في سمتها. آتامله، تمتعني روعة الوجود. سب وشتم يتقدمان نحوي. " من هؤلاء وجميع الناس يرقدون في مناماتهم مطمئنون"؟. بحة الصوت لأحدهم قدم الجواب لسؤالي، أنه السركال اللعين والذي أمقت وجوده في أي مكان حل. تراجعت قليلاً واخفيت جسدي في غابة الحلفاء القريبة من الجرف. أنظر إليهم. أثنان من الحوشية والسركال ورجل رابع مقيد اليدين. عرفته؛ محسن الرجل الشرس والمشاكس للشيخ والسركال. أنصرفوا بعد قيامهم بما قاموا به، ألا واحداً. أهات محسن الغارق الى رقبته في المياه والمكبل بحبل متين الى جذع السدرة؛ تجرحني في صميم رجولتي الفتية. أصبر وانتظر الفرصة. الحوشي يحمل البرنو الأنكليزية ويقظ. صرير اسنان الرجل الغاطس الى الرقبة والذي أكن له الود والمحبة والأعجاب؛ يستفز عقلي بالبحث عن مخرج ما. للجبروت غفلة وخطأ. لذا وضع الحوشي البرنو بأطمئنان على الثيل البليل بندواة الليل. وأقترب من الرجل ليزجي وقته في التفكه عليه. وضعت البندقية في يد محسن وقلت له أهرب قبل أفتضاح الأمر. " لن أهرب..". تركته مرعوباً من القادم. دخلت الى الكوخ. الجميع نيام حتى أبي وأمي نائمان. قلبت ليرة الذهب في كف يدي بعد أن اخرجتها من مدفنها المعلوم. كانت جدتي قبل رحيلها، على فراش موتها المؤجل لحين، ذات ليلة، أعطتني ليرة حميدية من الذهب. " أحفظها لعرسك ..". كنت مرتبكا وخائفاً وعازما على الرحيل بسرعة قبل أنكشاف ما جرى، مهما كان الأمر.أنسللت من الكوخ بعد ان شققت جدار البردي. ابتلعني الليل والظلام راكضاً. ينقل الليل الى مسمعي أصوات أطلاق رصاص كثيف."من جاء بي"؟. الارض فرغت من الحياة، حياة كانت يوما ترفل بها هذه الارض. لم يبق ألا بيوت الطين القليلة المنتشرة هنا وهناك. بكيت في الليل والصمت، بكيت على عمري الذي أنقضى. لا أعرف كيف بدء وكيف سار بي على دروب الحياة الموحشة والوحدة والفراغ. الآن أقف وحيداً على منصات أنتظار الرحيل من الدنيا. جاء الزمن مسرعاً من طيات النسيان، أثناء عتابي لنفسي وتوبيخهاعلى ما فات من عمري سداً: كنت أمشي في الجادات؛ أبحث عن نفسي. من أجل رغبتي وحاجتي إليها. أشعر بديبب في قدميَ ومن ثم صعد مثل نمل على بطني ليجتاح صدري ورقبتي. وجدتني أحلق بعيداً عني ومن ثم أرتحت... أعتلت الشمس صفحة السماء والرجل لم يزل نائم. الصبية التى طلب منها جدها، الذهاب الى منامة جدها الضيف. راحت الصبية الى الرجل النائم تحت السدرة المعمرة لأيقاضه لأن الوقت تأخر كثيراً والرجل لم يستيقظ. وقفت الصبية خائفة أذ تعبت من الخض، هزته من أكتافه ولم يتحرك. صاحت في أذنه: " حجي أكعد، أكعد، أكعد". صرخت: " جدي الحجي مات"...
مزهر جبر الساعدي_ العراق
إرسال تعليق