قراءة في قصة « الماضي لا يموت »
للكاتبة السورية ماجدة تقي
بقلم الشاعر و الرسام التشكيلي جمال الدين العماري
للكاتبة السورية ماجدة تقي
بقلم الشاعر و الرسام التشكيلي جمال الدين العماري
القصة :
نوال إمرأة تجاوزت الخمسُ والثلاثون ربيعاً بدأ التفكير يراودها بكتابة ما أخفت من سرٍ في حياتها ولما لا فقد يكون شيئاً مهماً يفيد الآخرين مسكتْ القلم وبدأتْ تسطرُ ذكرياتها ومافعل بها الزمان .
وحيدة أنا أجلس على سريري خلف نافذة كبيرة تطل على ميناء واسع يضج بالحركة تفريغ السفن من حمولتها وتعبأتها ببضاعة جديدة للتصدير وأناس كثيرون بين هذا وذاك منشغلون لكلٍ مآرب وهدف ٌيسعى إليه.
الحمد لله أنا أتسلى بمتابعة مايحدث في ذلك الميناء فلاشيء آخر لدي أتابعه البيت موحش مهجور إلا مني, أمي وأبي غادرا تلك الحياة رحمهما الله .
أنا لم اتزوج رغم كثرة من طلبوني للزواج ودائما الرفض من قبلي معللا باسباب مختلفة منها أني لا أطيق تركهما وهما كباراً في السن وبحاجة لمن يرعاهما بعد أن تركهما إخوتي الرجال اللذين هاجروا مع عائلاتهم هربا مما يجري في العراق والصراع الذي يحدث به أنا البنت الوحيدة والصغرى في تلك العائلة عائلتنا مفككة فأبواي لم يتفقاعلى شيء طوال حياتهما سوى إنجاب الأطفال مما جعلني أكره أيضاً فكرة الزواج أحياننا يأتيني عريس ويطلب يدي ولكني أتهرب بسرعة منه بحجة عدم تركهما,كانا يقتنعا أحيانا بتبريراتي المختلفة وأحياناً لا ومع ذلك يقبلان برفضي على مضض ,ولكن حقيقة رفضي للزواج ماتا دون معرفتهما والحمد لله. وإلا لكنت أحسستُ بالذنب تجاه موتهما طوال عمري.
سمير ابن الجيران الحب الأول في حياتي والأخير هو السبب كنت في الخامسة والعشرين من عمري عندما دخل الحب قلبي دون استئذان مني أحسست بسعادة لاتعادلها سعادة في الدنيا هو يعمل في البحر شاب وسيم جمع كل صفات الرجولة التي أحلم بها هو فارس أحلامي كان لقائي به في بيته عندما قمت مع أمي بزيارة أهله وهم جيران لنا التقيتُ به والتقت أعيننا وأفصحتْ عما يجول بداخلنا من أول نظرة دون أن نتفوه بكلمة واحدة مد يده لمصافحتي في تلك اللحظة ارتعشت يدي في يده القوية شعرت أنه سرق قلبي وانصرف مودعا إيانا, أنا وماما وتكررت اللقاءات به عندما يعود من البحر كنانتحين كل الفرص لننفرد ببعض أنا وإياه مرات في بيته وأخرى في بيتي عندما لاتكون والدتي واتفقنا على الزواج هو يكبرني بخمسة أعوام وعليَّ إنتظار سنة لا أكثر ريثما يرتب مع أهله أمور زواجنا في تلك السنة لم نستطع أن نصبر على احتياجنا لبعض ووقعت الخطيئة المحرمة من الشرع والقانون فهو مسيحي الديانة وانا مسلمة ولكنه وعدني بإعلان إسلامه وسياخذني معه في البحر لنعيش مع سعادتنا بعيداً عن هذا المجتمع الذي يريد حرماننا منها ,وصدقته في كل ماقال لي ولقد وهبته نفسي دون أي شعور بالندم مرت شهور من السعادة معه كانها حلم جميل نعيشه في جنة الخلد وذات مساء أتت أم سمير لمنزلنا قائلة أتيت لوداعكم قبل الرحيل صباحاَ باكراً وصعقت من سماعي تلك الكلمة وكذلك أمي التي سألتها بسرعة ولما الرحيل ياأم سمير أجابت ودموعها تنهمر لم يعد لنا مكان ببلدنا هذا فقد أُمِرنا بترك البيت كوننا مسيحيون .
العراق ياأم نوال تَحَكَمَ الأرهابُ بها وإن لم نغادر سنحرق مع البيت وقد فعلوا تهديدهم هذا مع غيرنا
وقعت أرضا لسماعي هذا الخبر ولم أتفوه بكلمة واحدة لم يعد يشغلني شيء سوى الوقوف أمام النافذة أرقب الميناء علني أراه لكن دون جدوى سألتُ وبحثتُ عنه كثيراً لم أجد إجابة سوى أنه ترك العمل أُصبتُ بانهارٍ عصبي وإكتئابٍ شديد مدة ثلاثُ سنوات وقد حاولت الإنتحار وفشلت وهاهي سنوات عمري تمضي بطيئة أنتظر رؤياه فلازال قلبي معه
انا ثناء جارة نوال أزورها كل صباح هي مريضة بسرطان الدم وتتعالج بالكيماوي وليس لها من يرعاها
سوى من يتردد عليها من الجيران دخلت بيتها كعادتي صباحاً لأطعمها وأعطيها
الدواء فمفتاح بيتها معي منذ سنة لأنها متعبة لاتقوى على القيام لفتح الباب ولكن هذا الصباح نوال لم تسيقظ حاولت إيقاظها لكنها كانت مفارقة للحياة فيداها باردتان لانبض فيهما
جلست على حافة سريرها ودموعي تتساقط أفكر بحياة تلك المرأة وكيف أتصرف
أنا لاأعرف أقارب لها فجأةً لفت إنتباهي الدفتر المركون بجانب مخدتها هو وصندوق
فتحتُ الصندوق علني أجد مايساعدني على معرفة شيءٍ يدلَّني على أقارب لها ولكن وجدت صورة شاب جميل وبجانب الصورة عدة رسائل إحداها كانت موقعة بإسم سمير كتب فيها زوجتي نوال أمام الله وبعض الأصدقاء إخترتك زوجة لي
أنا كنت مريضا في المشفى لعدة سنوات مبتورٌساقي بسبب تفجير حصل بالميناء أثناء المغادرة منه عائلتي توفت بهذا التفجير وأنا حملني رفاقي بالعمل على الباخرة التي كنت أعمل بها وأسعفوني ولي 7سبع سنوات أطرق الأبواب الرحيمة لمساعدتي بتركيب طرف صناعي وأخيراً نجحت بتركيب الطرف وأنا أعلنت إسلامي وأترك لك الآن الخيار إن قبلت بي زوجا بعد معرفتك بعاهتي سآتي خلال أيام لإتمام إجراءات الزواج وسأكون أسعد رجل
أرجوكِ ياحبيبة عمري فكري بروية ولاتتخذي قرارك بالزواج مني إشفاقاً وتعاطفاً مع
حالتي سأبقى أحبك مهما كان قرارك---سمير.
إنتهت ----ماجدة تقي
نوال إمرأة تجاوزت الخمسُ والثلاثون ربيعاً بدأ التفكير يراودها بكتابة ما أخفت من سرٍ في حياتها ولما لا فقد يكون شيئاً مهماً يفيد الآخرين مسكتْ القلم وبدأتْ تسطرُ ذكرياتها ومافعل بها الزمان .
وحيدة أنا أجلس على سريري خلف نافذة كبيرة تطل على ميناء واسع يضج بالحركة تفريغ السفن من حمولتها وتعبأتها ببضاعة جديدة للتصدير وأناس كثيرون بين هذا وذاك منشغلون لكلٍ مآرب وهدف ٌيسعى إليه.
الحمد لله أنا أتسلى بمتابعة مايحدث في ذلك الميناء فلاشيء آخر لدي أتابعه البيت موحش مهجور إلا مني, أمي وأبي غادرا تلك الحياة رحمهما الله .
أنا لم اتزوج رغم كثرة من طلبوني للزواج ودائما الرفض من قبلي معللا باسباب مختلفة منها أني لا أطيق تركهما وهما كباراً في السن وبحاجة لمن يرعاهما بعد أن تركهما إخوتي الرجال اللذين هاجروا مع عائلاتهم هربا مما يجري في العراق والصراع الذي يحدث به أنا البنت الوحيدة والصغرى في تلك العائلة عائلتنا مفككة فأبواي لم يتفقاعلى شيء طوال حياتهما سوى إنجاب الأطفال مما جعلني أكره أيضاً فكرة الزواج أحياننا يأتيني عريس ويطلب يدي ولكني أتهرب بسرعة منه بحجة عدم تركهما,كانا يقتنعا أحيانا بتبريراتي المختلفة وأحياناً لا ومع ذلك يقبلان برفضي على مضض ,ولكن حقيقة رفضي للزواج ماتا دون معرفتهما والحمد لله. وإلا لكنت أحسستُ بالذنب تجاه موتهما طوال عمري.
سمير ابن الجيران الحب الأول في حياتي والأخير هو السبب كنت في الخامسة والعشرين من عمري عندما دخل الحب قلبي دون استئذان مني أحسست بسعادة لاتعادلها سعادة في الدنيا هو يعمل في البحر شاب وسيم جمع كل صفات الرجولة التي أحلم بها هو فارس أحلامي كان لقائي به في بيته عندما قمت مع أمي بزيارة أهله وهم جيران لنا التقيتُ به والتقت أعيننا وأفصحتْ عما يجول بداخلنا من أول نظرة دون أن نتفوه بكلمة واحدة مد يده لمصافحتي في تلك اللحظة ارتعشت يدي في يده القوية شعرت أنه سرق قلبي وانصرف مودعا إيانا, أنا وماما وتكررت اللقاءات به عندما يعود من البحر كنانتحين كل الفرص لننفرد ببعض أنا وإياه مرات في بيته وأخرى في بيتي عندما لاتكون والدتي واتفقنا على الزواج هو يكبرني بخمسة أعوام وعليَّ إنتظار سنة لا أكثر ريثما يرتب مع أهله أمور زواجنا في تلك السنة لم نستطع أن نصبر على احتياجنا لبعض ووقعت الخطيئة المحرمة من الشرع والقانون فهو مسيحي الديانة وانا مسلمة ولكنه وعدني بإعلان إسلامه وسياخذني معه في البحر لنعيش مع سعادتنا بعيداً عن هذا المجتمع الذي يريد حرماننا منها ,وصدقته في كل ماقال لي ولقد وهبته نفسي دون أي شعور بالندم مرت شهور من السعادة معه كانها حلم جميل نعيشه في جنة الخلد وذات مساء أتت أم سمير لمنزلنا قائلة أتيت لوداعكم قبل الرحيل صباحاَ باكراً وصعقت من سماعي تلك الكلمة وكذلك أمي التي سألتها بسرعة ولما الرحيل ياأم سمير أجابت ودموعها تنهمر لم يعد لنا مكان ببلدنا هذا فقد أُمِرنا بترك البيت كوننا مسيحيون .
العراق ياأم نوال تَحَكَمَ الأرهابُ بها وإن لم نغادر سنحرق مع البيت وقد فعلوا تهديدهم هذا مع غيرنا
وقعت أرضا لسماعي هذا الخبر ولم أتفوه بكلمة واحدة لم يعد يشغلني شيء سوى الوقوف أمام النافذة أرقب الميناء علني أراه لكن دون جدوى سألتُ وبحثتُ عنه كثيراً لم أجد إجابة سوى أنه ترك العمل أُصبتُ بانهارٍ عصبي وإكتئابٍ شديد مدة ثلاثُ سنوات وقد حاولت الإنتحار وفشلت وهاهي سنوات عمري تمضي بطيئة أنتظر رؤياه فلازال قلبي معه
انا ثناء جارة نوال أزورها كل صباح هي مريضة بسرطان الدم وتتعالج بالكيماوي وليس لها من يرعاها
سوى من يتردد عليها من الجيران دخلت بيتها كعادتي صباحاً لأطعمها وأعطيها
الدواء فمفتاح بيتها معي منذ سنة لأنها متعبة لاتقوى على القيام لفتح الباب ولكن هذا الصباح نوال لم تسيقظ حاولت إيقاظها لكنها كانت مفارقة للحياة فيداها باردتان لانبض فيهما
جلست على حافة سريرها ودموعي تتساقط أفكر بحياة تلك المرأة وكيف أتصرف
أنا لاأعرف أقارب لها فجأةً لفت إنتباهي الدفتر المركون بجانب مخدتها هو وصندوق
فتحتُ الصندوق علني أجد مايساعدني على معرفة شيءٍ يدلَّني على أقارب لها ولكن وجدت صورة شاب جميل وبجانب الصورة عدة رسائل إحداها كانت موقعة بإسم سمير كتب فيها زوجتي نوال أمام الله وبعض الأصدقاء إخترتك زوجة لي
أنا كنت مريضا في المشفى لعدة سنوات مبتورٌساقي بسبب تفجير حصل بالميناء أثناء المغادرة منه عائلتي توفت بهذا التفجير وأنا حملني رفاقي بالعمل على الباخرة التي كنت أعمل بها وأسعفوني ولي 7سبع سنوات أطرق الأبواب الرحيمة لمساعدتي بتركيب طرف صناعي وأخيراً نجحت بتركيب الطرف وأنا أعلنت إسلامي وأترك لك الآن الخيار إن قبلت بي زوجا بعد معرفتك بعاهتي سآتي خلال أيام لإتمام إجراءات الزواج وسأكون أسعد رجل
أرجوكِ ياحبيبة عمري فكري بروية ولاتتخذي قرارك بالزواج مني إشفاقاً وتعاطفاً مع
حالتي سأبقى أحبك مهما كان قرارك---سمير.
إنتهت ----ماجدة تقي
القراءة النقدية :
قصة «الماضي لا يموت » للكاتبة ماجدة تقي قصة اجتماعية تندرج ضمن مجموعتها القصصية «يحدثونك من القلب » .
يقول وليم فولكنر "الماضي لا يموت أبداً، الماضي ليس حتى ماضيا".
إنطلاقا من عنوان القصة يظهر جلياً أن الكاتبة أرادت بهذا العنوان أن تؤكد أنه مهما دفنا الماضي لكنه لا يموت بداخلنا .
القصة التي بين أيدينا ذات طابع إجتماعي استمدت أحداثها الكاتبة من قصة واقعية حدثت في العراق بعد الإطاحة بحكم صدام حسين و بروز الصراعات الطائفية التي مزقت البلد . و جعلت المسيحيين غير مرغوب في بقاءهم ضمن مكونات المجتمع العراقي الذي لازال يبحث عن هويته .
تتحدث القصة القصيرة عن فتاة عراقية مسلمة عاشت في كنف أسرة مفككة . رفضت الزواج لأنها لا تريد أن تصبح نسخة مكررة من زواج والديها اللذان لم يتفقا إلا على الانجاب .
تتعرف نوال بطلة القصة على شاب مسيحي إسمه سمير، أحبته بجنون و بادلها نفس الشعور ، أعطته شرفها ، رغم أن علاقتهما كانت محكومة بالإعدام منذ بدايتها . هي مسلمة و هو بحكم ديانته غير مرغوب به في بلده . لكن أملها كان كبيراً عندما وعدها بأنه سيتزوجها بعد أن يعتنق الإسلام .
لكن الرياح هبت بما لا تشتهيه السفن . غادرت عائلة الحبيب البلد مُرغمة و انقطعت أخبار
أملها الوحيد في الحياة ، لتعيش ما تبقى لها من العمر رهينة الماضي الذي لم يمت بداخلها ، تعيش صراعاً داخلياً بين كتابة سرها أو أن يدفن معها .
تمضي السنوات و تصاب بسرطان لم ينفع معه العلاج الكيماوي . و قد لاحظت جارتها ثناء أن عبئا كبيرا يجثم على صدر نوال و كانها تتمنى الموت هروباً من الماضي الذي لم يمت بداخلها .
استجاب الله دعاءها و فارقت الحياة تاركة وراءها هذا السر في مذكراتها و رسالة خطية من حبيبها .
اختارت الكاتبة ماجدة تقي أسلوب السرد من خلال كتابة مذكرات في شخص بطلة القصة نوال ، التي قررت أن تُخرج ما تكتمت عنه سنوات لعل ما تكتبه يكون عبرة لمن يمارسون الطائفية في بلدها الحبيب .
بخصوص بناء قصتها اختارت الكاتبة المكان : منزل يطل على الميناء الذي منه غادر الحبيب الى غير رجعة . حركة البواخر و العمال و الواردات و الصادرات التي تمثل بالنسبة لنوال ذلك الماضي الحاضر الذي لن يموت .
أما الزمان فيتجلى في فترة ما بعد سقوط حكم صدام حسين ، لأن الكاتبة لمحت لذلك من خلال : تهجير المسيحيين و أولهم عائلة سمير .
الكاتبة ماجدة تقي راعت جيداً مقومات القصة القصيرة : نوال بطلة القصة استعملتها الكاتبة كَراوِية و الشخصيات الثانوية تمثل شخوص لم تتناولها الكاتبة الا بحكم علاقتها بالبطلة .
الصراع في قصة «الماضي لا يموت » ، داخليا ، حيت استطاعت الكاتبة أن تبرز ذلك بواسطة أدوات تعبيرية من قبيل : " وحيدة أنا ..." هروبها من الزواج و محاولة الإنتحار .
أما الصراع الخارجي فتمثل في الصراع الطائفي بين أطياف المجتمع العراقي و نتائجه في تشريد عائلات كثيرة .
بالنسبة لسرد القصة اعتمدت فيه الكاتبة أسلوب التشويق و هذا ما أعطى لقراءة أحداث القصة متعة .
و اتسمت القصة بالصدق كونها مقتبسة من الواقع .
كخلاصة نجحت الكاتبة ماجدة تقي في إبراز الوجه الجديد لمعانات الانسان بسبب الصراعات التي تدور في مجتمعاتنا العربية و أن تطلق نداءاً من أجل التسامح و التعايش بين الديانات السماوية ، بلغة بسيطة اتسمت بسرد سلس و وصف دقيق للمكان و الشخصيات .
قصة « الماضي لا يموت » إجتماعية جريئة أوصلت للقارئ تبعات الطائفية في بلدان
تناست تسامح الاسلام .
قصة «الماضي لا يموت » للكاتبة ماجدة تقي قصة اجتماعية تندرج ضمن مجموعتها القصصية «يحدثونك من القلب » .
يقول وليم فولكنر "الماضي لا يموت أبداً، الماضي ليس حتى ماضيا".
إنطلاقا من عنوان القصة يظهر جلياً أن الكاتبة أرادت بهذا العنوان أن تؤكد أنه مهما دفنا الماضي لكنه لا يموت بداخلنا .
القصة التي بين أيدينا ذات طابع إجتماعي استمدت أحداثها الكاتبة من قصة واقعية حدثت في العراق بعد الإطاحة بحكم صدام حسين و بروز الصراعات الطائفية التي مزقت البلد . و جعلت المسيحيين غير مرغوب في بقاءهم ضمن مكونات المجتمع العراقي الذي لازال يبحث عن هويته .
تتحدث القصة القصيرة عن فتاة عراقية مسلمة عاشت في كنف أسرة مفككة . رفضت الزواج لأنها لا تريد أن تصبح نسخة مكررة من زواج والديها اللذان لم يتفقا إلا على الانجاب .
تتعرف نوال بطلة القصة على شاب مسيحي إسمه سمير، أحبته بجنون و بادلها نفس الشعور ، أعطته شرفها ، رغم أن علاقتهما كانت محكومة بالإعدام منذ بدايتها . هي مسلمة و هو بحكم ديانته غير مرغوب به في بلده . لكن أملها كان كبيراً عندما وعدها بأنه سيتزوجها بعد أن يعتنق الإسلام .
لكن الرياح هبت بما لا تشتهيه السفن . غادرت عائلة الحبيب البلد مُرغمة و انقطعت أخبار
أملها الوحيد في الحياة ، لتعيش ما تبقى لها من العمر رهينة الماضي الذي لم يمت بداخلها ، تعيش صراعاً داخلياً بين كتابة سرها أو أن يدفن معها .
تمضي السنوات و تصاب بسرطان لم ينفع معه العلاج الكيماوي . و قد لاحظت جارتها ثناء أن عبئا كبيرا يجثم على صدر نوال و كانها تتمنى الموت هروباً من الماضي الذي لم يمت بداخلها .
استجاب الله دعاءها و فارقت الحياة تاركة وراءها هذا السر في مذكراتها و رسالة خطية من حبيبها .
اختارت الكاتبة ماجدة تقي أسلوب السرد من خلال كتابة مذكرات في شخص بطلة القصة نوال ، التي قررت أن تُخرج ما تكتمت عنه سنوات لعل ما تكتبه يكون عبرة لمن يمارسون الطائفية في بلدها الحبيب .
بخصوص بناء قصتها اختارت الكاتبة المكان : منزل يطل على الميناء الذي منه غادر الحبيب الى غير رجعة . حركة البواخر و العمال و الواردات و الصادرات التي تمثل بالنسبة لنوال ذلك الماضي الحاضر الذي لن يموت .
أما الزمان فيتجلى في فترة ما بعد سقوط حكم صدام حسين ، لأن الكاتبة لمحت لذلك من خلال : تهجير المسيحيين و أولهم عائلة سمير .
الكاتبة ماجدة تقي راعت جيداً مقومات القصة القصيرة : نوال بطلة القصة استعملتها الكاتبة كَراوِية و الشخصيات الثانوية تمثل شخوص لم تتناولها الكاتبة الا بحكم علاقتها بالبطلة .
الصراع في قصة «الماضي لا يموت » ، داخليا ، حيت استطاعت الكاتبة أن تبرز ذلك بواسطة أدوات تعبيرية من قبيل : " وحيدة أنا ..." هروبها من الزواج و محاولة الإنتحار .
أما الصراع الخارجي فتمثل في الصراع الطائفي بين أطياف المجتمع العراقي و نتائجه في تشريد عائلات كثيرة .
بالنسبة لسرد القصة اعتمدت فيه الكاتبة أسلوب التشويق و هذا ما أعطى لقراءة أحداث القصة متعة .
و اتسمت القصة بالصدق كونها مقتبسة من الواقع .
كخلاصة نجحت الكاتبة ماجدة تقي في إبراز الوجه الجديد لمعانات الانسان بسبب الصراعات التي تدور في مجتمعاتنا العربية و أن تطلق نداءاً من أجل التسامح و التعايش بين الديانات السماوية ، بلغة بسيطة اتسمت بسرد سلس و وصف دقيق للمكان و الشخصيات .
قصة « الماضي لا يموت » إجتماعية جريئة أوصلت للقارئ تبعات الطائفية في بلدان
تناست تسامح الاسلام .
جمال الدين العماري

إرسال تعليق