في فصل الصيف وفي منطقة ريفية ، وعلى مقربة من الجبل تعيش إمرأة تبلغ من
عمرها خمسون سنة . تعيش الفقر و الخصاصة و الحرمان من أبسط مقومات العيش
الكريم ، أرملة و لها أربعة أبناء : ولد و ثلاث بنات .
وفي كل صباح و
قبل شروق أشعة الشمس اللاهبة الحارقة ، تخرج المرأة حافية القدمين و بيدها
حبل ، متجهة نحو الجبل لتقتلع الحلفاء . .. الخوف ينتابها بين الفينة و
الأخرى . و الجبل وعر ، شديد المرتفعات ، قليل السهول ، به نباتات متنوعة
كالعرعار و الإكليل و الزعتر . و كانت
تقضي نصف اليوم هناك إلى أن تجني حزمة الحلفاء ، لترميها على ظهرها و تعود
إلى بيتها مرهقة و محمرة الوجه . إنه مشهد يتكرر كل يوم ليتم بيع الحلفاء
من أجل توفير لقمة عيش أبناءها ... الحي الذي تقطنه يسوده الهدوء و السكون
فهو حي إقصاء و تهميش ، حي حط سكان رحالهم قرب الجبل ، حيث لا عين ترى و لا
أذن تسمع .فالسكن مشتت و وجوه أهاليه كالحة توحي بالفقر و البؤس .. و ذات
مساء إستلقت المرأة على فراشها ، تنهدت .. ثم قالت : ما أمر الحياة ، لا
طعم لها .... دخل إبنها أحمد ، سألها ما بك يا أمي ؟ . أجابته : مرهقة و
أحس بوجع في كامل جسدي . أجابها : إغسلي أطرافك كي تستريحي قليلا ، قالت :
نعم سأفعل ذلك ... كانت الٱلام تستبد بالأم أكثر فأكثر لا تكاد تستقر على
وضع مريح في فراشها و خزات الألم في عمودها الفقري تجعلها تتلوى وجعا .
كانت تتأوه بصوت خافت و سيل من الدموع على خديها و طوفان من الصور في
مخيلتها ، و أسئلة تزيد من أوجاعها - ما مصير أبناءها من بعدها . نظرت إلى
سقف الغرفة المغطى بألواح خشبية و سعف النخيل كأنها تحاول أن تتجاوزه
ببصرها إلى السماء . فكرت أن ألمها هذا سيمنعها من الذهاب إلى الجبل لجلب
الحلفاء . و هذا يعني أيام من الجوع ، إذ لاغيرها للأبناء سندا . باتت
ليلتها تلك لم يغمض لها جفن ، إذ كيف ينام من يحمل على عاتقيه هموم الزمان
مع المرض .؟؟؟ . و عند طلوع الفجر نادت بناتها الثلاث و أمرتهم أن يسرعوا
إلى جارهم ، صاحب سيارة كي ينقلها إلى مستشفى بعيد عنهم حوالي 50 كيلومترا
.. جاءت السيارة و إتجهوا نحو المستشفى و عندما وصلوا كان صراخها في الممر
قد جلب إنتباه الناس و المرضى . و أدخلوها غرفة العلاج ، فحصها الطبيب و
أعلمها أنها سترقد بضعة أيام إلى أن تشفى ، أما بناتها فقد إغرورقت عيناهن
بالدموع .... صاحت الأم و هي تتأوه - دكتور لا أملك المال أرجوك ساعدني ...
تركها و أنسحب للمشرب ، و ذهبت توسلاتها أدراج الرياح ... وخرج إبنها من
الغرفة و عيناه تنظر بالأفق لعله يجد يدا حنون تمتد له ، ووقف بجانب جدار
المستشفى كالمتسول ، إلا أن ذلك لم يجدي نفعا.
إرسال تعليق