GuidePedia

0

يستغفل الزمن في حلم مضى ولن يعود ..تتوهج الصور وتنساب الذكرى ..يقتعدُ كرسياً في آخر المقهى ..ينزوي وحيدا ..السيجارة لا تفارق اصبعيه وعيناه لا تفارقان النظر إلى الصور المعلقة في أركان المقهى ..صور كثيرة مؤطّرة ،بالأسود والأبيض ..مكتوب في أسفلها سنة التصوير والمكان ..كل يوم يطالعها ..ينهض من مكانه ويتطلع إليها صورة صورة يدور مع استدارة الجدران حتى ينتهي عند آخرها قرب كرسيه المعتاد ..ضجيج مرتادو المقهى لا يهمه فقد تعوّد على ذلك الصخب وتلك والأصوات المتقاطعة ..ينتهي من سيجارته ويرفع رأسه ملتصقا بوسادة الكرسي لينظر نحو التلفاز
..فقد لفت نظره شيء يحبه ..يتوق إليه ..عيناه تعشقانه ..صف من الجنود يسيرون على إيقاع الموسيقى يؤدون التحية إلى ضابط كبير يقف على منصة يحمل النياشين وهو ينظر نحو الجنود التي تحيًيه بحبور وزهو ..اختفت الصورة ..وظهرت قناة أخرى فيها فيلم لبنات يستعرضن أزياءهن ..فتيات في قمة النحول والرشاقة ..فتح عينيه على اتساعهما وحملق في الجالسين ..لمح أحدهم بيده ريموت التلفاز..أدرك على الفور أنه هو من استبدل القناة بحركة من زر الريموت ..نهض إليه وهو يجر خطوات متثاقلة وسحبَ الجهاز من يده ..دون أن ينتظر منه ردة فعل معاكسة ..أخذ يعبث في الازرار بحثا عن القناة الفضائية المفقودة ..ولما عجز عن ذلك صاح بصوت متحشرج :
_عماد ..تعال ياعماد .
_نعم سيادة اللواء ..قالها الفتى بسخرية ولكنه هو اعتاد عليها كجزء مهم من حياته لا يمكن التفريط به ..تشعرهُ تلك الكلمة بالفخر :
_أريد تلك القناة التي كان فيها العسكر.. أولئك الذين كانوا يسيرون فيها على إيقاع الموسيقى العسكرية ؟بهُتَ الفتى ونظر إلى الجالسين ثم تمتم ببلاهة :
_ومايدريني أي قناة كانت تبث استعراضا عسكريا !

--أنتَ حمار ..وستبقى حماراً ..هيا أغرب عن وجهي ...ابتسمَ فتى المقهى وانصرف عنه وهو يهز رأسه
عاد ليجلس في مكانه فيما كان الرجل الآخر ينظر إليه بدهشة.. لم يلبث ان سكن روعه عندما ربّت صاحب المقهى على كتفه قائلا:
_امسحها بلحيتي ..هو صاحبنا ولكنه مجنون ..صاحب المقهى عاد ليجلس خلف دكة الحساب ..بيد أن الرجل اللواء ينظر بغضب نحو الرجل الذي أفسدَ عليه متعته ..التفتَ إلى الأعلى قبالة الجدار ونظر في الصورة المعلقة فوق رأسه مباشرة وصاح بصوت عال سمعه من كان يجلس قريبا منه :
_هزُلت والله ..هزُلت والعباس ..أنظر ياسيدي إلى هذا التافه ..أنا أجزم أنه لم يخدم يوماً واحدا في الجيش ..لم يعرهُ الجالسون انتباههم ..ظل يتكلم دون أن يرد عليه أحد ..فقد اعتادوا تلك النغمة التي لم تنقطع يوما من سماعها .. نهض واقفا على قدميه وأخذ يتكلم مع صورة الرجل العسكري مردفاً :
_وداعتكْ سيدي الزعيم ..أنت زعيمي حقا وان كنتُ أنا أعلى رتبة منك ..ولكنني أحترمك ...بعدك قد هزُلت وضاعَ لجامها ..في حرب تشرين عندما تقدمنا نحوهم على سرف الدبابات ..جعلناهم كالفيران تهرب ..قاتلناهم بكل عزم وتضحيه ..دمشق الغالية جعلناها عصية على اسرائيل اللقيطة ..تفوووه على الدواعش ..هم أيضا لقطاء أولا د كلب ..آه لوكان في العمر بقية ..التفت إليه أحدهم متسائلا :
_متى تقاعدتَ من العسكرية سبادة اللواء .؟
_ها أبو غايب ..عيوني انت..تقاعدتُ في يوم الأربعاء في شهر تموز في 1979..
_هل عدتَ إلى الجيش في حربنا مع إيران ؟
_لا يابة ..تقاعدت لإسباب صحّية ..فقدتُ أصابع قدمي اليمنى بلغم أرضي في حرب تشرين مع أولئك الكلاب ..كنتُ عميداً وتقاعدت في رتبة لواء ..

-_أما زلتَ تحبُ العسكرية ؟
_آه ..أه يا أبو غائب ..العسكرية تسري في دمي ..ويأتي الآن من يحرمني من رؤية العسكر وهم يستعرضون ببزاتهم الجميلة لينقلني إلى قناة استعراض الأزياء لفتيات مصابات بالسل الرئوي ..هنا انفجرت عاصفة من الضحك وهو يردد الكلمتين الأخيرتين ..التفت إليه الرجل وقال :
_ألايكفي حرب ودمار وسلاح وقتل وتشريد ؟؟على الأقل نتفرج على هؤلاء الجميلات ..نهض إليه الرجل اللواء وقال وهو يهّز يده بسخرية :
_أنا أجزم أنك كنتَ هارباً من الخدمة العسكرية .. تحرّكَ الرجل وهو يروم النهوض و قال بغضب ارتسم على ملامحه الخمسينية :
_لا تجزم أيها المجنون ..أنا خدمتُ بالعسكرية في حرب إيران والكويت ولم أهرب يوماً واحدا ..حرب تشرين ستة أيام وحرب إيران ثماني سنين ..هل تحسب نفسك بطلاً أيها المخبول ؟
تقدّم منه الرجل اللواء ووقف قبالته ..ثم رفع الطاولة التي كان يجلس اليها لا عبو الدومينو ..فتطايرت قطع الدومينو في كل مكان ..استاء اللاعبون من تصرفه الغريب وصاحوا به ليبعدوه عن المكان ..نهض صاحب المقهى وأمسكه من ياقته وقال :
_لو لم تكن صديقا لوالدي لرميتك في الشارع ..لا تسبب في قطع رزقي أيها "العريف " المجنون ..اهدأ واجلس في مكانك ..نظر الجالسون ودارت أعينهم في محاجرها وهم يستمعون لصاحب المقهى وهو يقول _عريف _ قام إليه الرجل وجذبه من ياقة قميصه وقال له :
_كنتً عريفا في الجيش وتكذب علينا ..هيا أخرج من هنا قبل أن أُهين كرامتك ؟

--على رسلكم.. كنتُ برتبة لواء في الجيش.. كنتُ قائدا للفرقة الآلية الخامسة.. ضجّ الجالسون من جديد بالضحك ..وشرعوا يجمعون قطع الدومينو ..الرجل اللواء خرج غاضبا والزبد يتطار من بين شفتيه الغليضتين وهو يحمل رتبة عسكرية في كفه ، يصيح :

--حيــوانات ..لا تفرّقون بين العريف واللواء ..أليس هذا النسر والسيفين المتقاطعين؟!..أمسكَ صاحب المقهى بالقطعة الخاكية ونظر فيها ثم لم يلبث أن انفجرض ضاحكا .. وضحكَ بعده الروّاد في المقهى .

إرسال تعليق

 
Top