GuidePedia

0


اسرج قنديلك ياولدي _قصة قصيرة _
""""""""""""""""""""
تتأرجحُ دمعة ساخنة ،تنزلق فوق خدك ،تحرقكَ لوعة الاشتياق فتنشج بمرارة ..عيناك تصطبغان بلون الدم ..عويل لاهث يتهشم في صدرك..تتقاذفك أسوار الحزن ،ترمي بك في متاهة أفق منكسر ..ترتسم ابتسامته أمامك كل لحظة ..أسنانه الأمامية وسقوط ِسنّه ..يسألك اعادة الكلمات التي سيقولها فيما لو رمى بسنّه المخلوع في وجه الشمس ..تعيد على مسامعه المفردات كلمة كلمة ..يرمي بالسّن إلى الأعلى هاتفاً بفرح طفولي :
_ياشمس ..هاكِ ِسن الحمار واعطيني سّن الغزال ..الحلم الذي أقضّ مضجعك تلك الليلة احترتَ في تأويله ..حلمتَ أن سنّاً من أسنانك سقط من فمك ..استيقظتَ من النوم يجتاحك حزن كبير لاتستطع تفسيره ..فكرتَ أن تدفع صدقة لدفع البلاء ..نسيتَ
ماعزمتَ عليه في غمرة انشغالك بو ظيفتك الحكومية..
خرج إلى مدرسته ..كنتَ تنظر إليه وهو يحمل حقيبته يركض جذلاً مع أصحابه ..
نهضتَ من مكانك بعد أن أعيتكَ الحيلة في العثور عليه ..عيناك الدامعتان ترمقان السماء ..لسانك يلهج بالدعاء .. تعود إلى مكانك ..تلقي نظرة على أمه ..تقتعد مفترشة الأرض فاردةً ساقيها تدور برأسها يميناً وشمالا موّلولة ..غير عايئة بالنسوة اللائي يواسينها ..تأخذك سنة من النوم ..يأتيك صوته من بعيد ...يقترب الصوت ..يكركر ...يتضخّم الصوت ..يقترب منك حتى يصفع أذنك بقوة ..فتنتبه لنفسك ..
إزميل الزمن يحفر خنادقاً في مغاليق ذاكرتك ..يبحث عن أجمل صورة له ويمسح ماتبقى من صور عالقة لغيره ..لاشيء سيبقى معرّشا سوى بقاء صورته في ذاكرتك المثقلة ...يزداد ألمكَ ضراوة وأنت ترى أمهُ تجلس هكذا لساعات ساهمةً تنظر إلى الأرض لاتفه بكلمة ..ثم ترفع رأسها فتصرخ بصوت عال كمن لدغتها أفعى :
_آه ياولدي ...من قتلك ؟..من قام بخطفك ...في أي مكان أُستبيح دمك ...لماذا يذيحونك أنت بالذات ..ألا يعرفون أنك الولد الوحيد لدي ..واني ُعقِرتُ من بعدك ..وكنت ترد عليها لعلها تسمعك وكنت متيقنا أن كلماتك لاتغني ولا تسمن من جوع :
__من قال أنه مخطوف ..ربما في مكان ما ..نحن لسنا لنا عداوة مع أحد ..ولسنا طرفا في حزب أو منظمة .. ياإلهي أعنّي على البلوى ..مازال الليل طويلا ..أطول من لياليك الماضية ..حريق المشاعر وصخب الدموع ولوعة الفراق تنغرس في رحم الفجيعة لترمي بك على قارعة الخواء ..
ليلك الملغوم بالضمأ والموت القادم ..يدفعانك للخروج للمرة الألف للبحث عنه في شوراع المدينة ..تلف كالمجنون في كل الساحات والميادين.. وتدلف في تلك الازقة القذرة والمباني المهدمة وتعبر جسورا تحطمّت أسوارها منذ سنين طويلة ..تخاطب طيراً يلوح في سماء المدينه يشبه ولدك تماما .. تراه يخفق باجنجته تشم ريحه يدغدغ أنفك عبق شذاه وصف أسنانه المنقوص منه سن واحد ..تركض لا هثا خلفه ..ينزل إلى الشارع ويختفي خلف الجدار ..تجري خلفه وهو يحمل حقيبته بيده ..تناديه باسمه ..يلتفت إليك ولا يجيب ..كان مفزوعا ..يتعثر بغطاء بالوعة قريبة ..تمسك به ..تهزه بقوه صارخا باعلى صوتك ..تخونك الكلمات ويضيع صوتك في الأعماق ..لاشيء يتحرك فيك سوى شفتاك وهما يتحركان . ينفلت منك الصبي ..يحمل حقيبته ويركض هاربا ليغيب وسط الظلمة ..البرد طويل كما الليل وهاجس للدفء مسعى بعيد .. والفراق مسعى .. وخروج الدمع من العيون مسعى ..ماذا لو نفدت دموعك ؟من سيعطيك عيناً تبكي بها .؟أنت والليل شريكان ..كل يحمل همه لوحده ..
تعود إلى البيت كما تعودت في تلك الأيام الماضية ..تجرجر خطى مشلولة أتعبها التسفار والبحث عن قمر مضاع
..تعود كما كنت ..تجلس كتمثال ..وإلى الجانب البعيد من الجدار الباهت ..يجلس تمثالاً آخر ..يئن بلا انقطاع ..تستقيمان في الظل ..لكما صورة تمثالين عشش فوقهما عناكب حلم السن المخلوع ..عندما أطلت الشمس عبرة النافذة ..أرسلتْ يشعاعها إلى عينيك ..اعتدلتَ في جلستك ..نظرتَ حواليك
..فركتَ عينك ..وجدتها واضعة رأسها على الجدار ..أطرقتَ برأسك إلى الارض
وبصوت مبحوح همست وعيناك تعانقان السماء :
_يامن ردّ يوسف ليعقوب ..رُد علي وحيدي وفلذة كبدي .. رانَ إلى سمعكَ طرق على الباب ..فتحت الأم عينيها ..التقت نظراتكما معا ..كانت طرقات قويةو متقطعة ...نهضتْ الأم وهي تجاهد أن تسير متصالبة متصنعة القوة ..فتحت الباب ..طالعها وجه رجلان يرتديان ملابس العسكر ..التفت ازاءك أنت المتوثب ..نهضت مسرعا واقتربت منهما ..ظل الشرطيان ينظران اليكما ببرود ..لم يليثا أن ابتسما ..ليخرج من بيينهما صبي صغير ..ألجمتكَ المفاجأة ..لم يتسن لك ان تتحرك ..وقفتَ تنظر إليه وهو يعانق أمه ..
اقتعدتْ هي على الارض ووضعته في حضنها ..غيّبته تماما عن ناظريك.. انكبّت عليه بجنون ..قال لك أحدهما :
_قبضنا على العصابة الأرهابية التي خطفته ..كان معه طفلان من أماكن متفرقة ..الحمد لله على سلامته ..لم تفه بشيء ..فقط كنتَ توزع نظراتك بينهما وبين ابنك الراقد تحت جسد أمه الضخم ..أردف العسكري :
_لطفا نريدكَ بعد ساعة لتدوين أقوالك ..رحل العسكريان وأُغلقَ
الباب ..الأم متشبثةً بجسد ابنها ..وأنتَ مازلت واقفاً تنظر اليهما ..أنسدلت دمعة فرح عذبه من عينك وتمتمتَ بخشوع :
_شكراً لك يارب..الحمدُ لك .


إرسال تعليق

 
Top