GuidePedia

0
الرقــصة الأخـــيرة _قصة قصيرة _
"""""""""""""""""
اختارني من بين العشرات من ذوي الأجسام الضخمة ،لأنضم لأفراد حمايته الشخصية ،لم تمر سوى أيام قليلة حتى جعلني من المقربين إليه ..هو إبن الزعيم الأوحد لا أستطع رفض طلبه لأنني أتوقع أنه لن يتركني لحالي و عائلتي و حتى أقاربي لن يسلموا من شره وطغيانه ،كان الإبن المدلل للزعيم ،أمرني أن أصطحبه في معظم سفراته في حِلّه وترحاله بين مدن بلدي ومدن البلاد الأخرى ،كان يستأنس بطرافتي وحلاوة لساني ومزاحي الذي يرتاح له كثيرا ،برغم كل الهبات والعطايا التي يغدقها علي ،كنتُ متخوفا منه ومحترزاً من أن اخطيء أمامه ،أعرف جيدا أنه نزق ومتهور ومزاجي إلى حد بعيد ..أقرأ في عيون الناس عندما يمر موكبه في الشارع ،أدرك كم يمقتونه ويملأ قلوبهم الحقد عليه ،ذات مساء كنتُ في إجازة لمدة يوم واحد أجلسُ فيها مع أسرتي.. زوجتي وطفلان صغيران أحدهما يبلغ من العمر سنتين والآخر أربع سنوات ،لم تكن زوجتي سعيدة بتلك المهمة التي تورطتُ بها مع إبن الزعيم ..ما أنفكت تصّبُ جامَ غضبها على والدتي لأنها تقرب منه بصلة الخؤولة من بعيد . 
،رنّ هاتفي الأرضي في الساعة العاشرة ليلاً..كان هو على التلفون ،يطلبُ مني الحضور في الساعة الحادية عشرة مساءً .استأجرتُ تاكسياً وذهبتُ إلى مقر اقامته قرب نهر دجلة في قصره المنيف ..وصلتُ إلى هناك وكان قد حضر إثنان من أزلامه كحماية شخصية تحت إمرتي ،ذهبنا نحن الثلاثة وهو رابعنا في سيارتين سوداوين باتجاه منطقة أبي غريب ثم عرجنا عن طريق منطقة الفلوجة إلى مدينة الحيانية السياحية\..كان يعشق هذا المكان يذهب إليه في الشهر مرتين على الأقل ،وباقي الأمسيات والسهرات يقضيها في نوادي بغداد الخاصة..كان دخولنا الأول كالعادة على المسرح الصيفي المقابل للفندق المطل على بحيرة الحبانية الجميلة ،قبل أن نتوقف بسيارتينا شاهدنا كثرة المرتادين من أفراد وعوائل يجلسون إلى موائد للطعام وموائد أخرى للشراب ،حال وصولنا ونزول إبن الزعيم من السيارة ..نهض الجميع وهم في حالة اضطراب وتوجس ،سحبَ كرسياً قريبا وجلس في المقاعد الخلفية ..الأصوات توقفت..خف الضجيج وكف الناس عن الكلام ..ساد صمت ثقيل ..أنا أعرف صاحبي ..أقصد _إبن الزعيم_ إنه يفرح كثيرا ويأخذه الزهو والكبرياء لتلك المواقف وهو يرى الخوف والرعب عندما يرتسم في العيون عند حضوره ..يخرجُ سيجارهُ الفخم ويدخن .. يفتر ثغره عن ابتسامة خبيثة ، أشارَ لي بيده أن أقترب منه ليهمس في أذني :
__أطردهم جميعا ليخلو لي المكان حالا ؟
__تؤمر استاذ ...قلتها له وتقدمنا أنا والرجلان اللذان بمعيّتي وطلبنا من الحضور المغادرة بسرعة ..استجابَ الحاضرون ونهضوا من أماكنهم وهم مطأطئي الرؤوس تغمر نفوسهم الخيبة ..بعد لحظات خلا المكان ..نهض هو من مكانه وجلس في الصف الأول ..صفق بكفيه فتقدم منه أربعة أو خمسة من الُندل بين يديه .,قال كلمة واحدة :
_الشراب ...هم يعرفون ماذا يشرب ..جلبوا الشراب بأقل من دقيقة ووضعوا زجاجات الويسكي والنبيذ المعتق المستورد أمامه ..احتسى كأسا كاملا ..ما ان انتهى منه حتى همس لي: 
_أين مدير المقهى ؟..مدير المقهى كان يقفُ بين يديه بأقل من طرفة عين نظر إليه إبن الزعيم من زاوية عينيه وقال له ::
_أريد راقصات من الغجر الآن.. يرقصنَ أمامي على الأرض ..وليس على المسرح ..مفهوم؟ أجابه المدير متلعثما :
_تؤمر أستاذ في ظرف ساعة سنجلبهن إلى هنا ..حدجهُ إبن الزعيم بنظرة قاسية وهتف به :
_بأقل من خمس دقائق أريدهن جاهزات للرقص ..انحنى المدير صاغرا وانسحب راكضاً مع مساعديه إلى داخل الفندق ..شرعَ إبن الزعيم يحتسي من الكأس الثالث ..إلتفت إلي بعيني محمرتين: 
__تعال أجلس بقربي ؟
__أستاذ ساقف هنا لمراقبة الوضع .
_قلتُ لك أجلس هنا .وأشار إلى الكرسي القريب.. .أسرعتُ بالجلوس معه..قهقه ثم غرس شفتيه الغليظتين وسط الكاس ليكمل مابقي بقعره ..مرت عشر دقائق وصاحبي منغمساً في الشراب محني الرأس منكبّاً على الشرب .. ما ان رفع رأسه حتى انتصبت أمامه خمس راقصات بعدتهن الكاملة وبملابسهن الشرقية والفرقة الفنية التي تقف في الجانب الآخر تحمل الآلات الموسيقية ..أشار لهم بإصبعه وهو يقول :
_هيا ليبدأ الجميع بمارسة العمل ..أريد حفلة صاخبة تريحني ..مفهوم ؟
_مفهوم أستاذ ..قالها الجميع دون استنثناء ..وابتدا الجوق الموسيقي بالعزف..فيما باشرن الراقصات يتمايلن على أنغام الموسيقى ..بين الفينة والأخرى تنتهي احداهن من الغناء لتسلّم الأخرى تكملة الوصلة الغنائية بأصواتهن الريفية الجميلة ..الساعة قاربت الرابعة صباحا وهن لمّا يزلن يرقصن ..بانَ التعب على مستوى أداءهن..فطلبن أن يمنحنهن إستراحة ليعاودن الرقص فيما بعد ..رفضَ ذلك وقال بصوت عال: 
_أريد الغناء والرقص حتى بزوغ الشمس ..هيا مارسوا عملكم؟ ..لمّا شقشق الفجر وبدأت الشمس ترسل بأشعتها الخجلى عبر سطح البحيرة الساكنة من بعيد ..كان التعب يأخذ من الجميع مأخذه ..توسلّنَ إليه بعيون خائفة لعله يرحمهن ويسترحن قليلاً ..كان يبدو مسرورا وهو يشاهد الراقصات يتمايلن ببطء بالكاد ان تهزّ إحداهن وسطها ..ابتسمَ ابتسامة عريضة عندما لمحَ احداهن تتعثر ببدلتها تحاول التماسك كي لاتسقط أرضا..أشار نحو الراقصة بيده زاعقاً : 
_اكملي الرقص بنت القحبة ..استوتْ في وقوفها وبدأت تترّنح ..تتمايل على أنغام كسولة لعازفين تعبتْ أناملهم من العزف المستمر ..ألقى ببصره نحو البحيرة ثم إلتفتَ إلي وقال :
_ها ..نرحل الآن ؟
_على راحتك أستاذ ..وبحركة سريعة لم أكن أتوقعها سحبَ من حزامي مسدسي الشخصي وصوّبه نحو الراقصات ..أصابهن الهلع ..بدت رقصاتهن تثير السخرية والضحك لديه..فيما كان الرعب يرتسم في العيون المتعبة .. ماسورة المسدس تتجه نحو الراقصة التي تعثّرت ببدلتها مرتين أو ثلاث ..لا أتذكر بالضبط كم مرة أرادت أن تفقد الوعي ..فجأة شقّ صمت المكان صوت الرصاصة التي انطلقت من المسدس لتستقر في رأس الراقصة .. لتسقط بعد ذلك إلى الأرض مضمخة بدمها وسط صراخ النسوة المفزوعات ..نهض مترّنحاً ..حدّق بها بلا مبالاة واتجه صوب السيارة وهو يضحك بصوت عال ..عندما تحرّكت السيارتان .. كنتُ أنظر إلى الجمع بعينين يملؤهما الأسى .. لمحتُ النسوة يتمددن فوق الضحية وهن يلطمنَ على خدودهن بوهن.. ويبكين بكل حُرقة .
بقلم عادل المعموري .


إرسال تعليق

 
Top