GuidePedia

0
قصة طويلة مسلسلة خلال شهر رمضان 
الحلقة11
الكتاب الأبيض
والقلوب السوداء
1939
وصلت الجرافات مع قوة عسكرية أكبر من كل مرة إلى المنزل، دعوا كل من فيه مع المنازل المجاورة إلى الخروج إلى الساحة القريبة. خرجت أم يوسف وزوجته وأبناؤه في حالة فزع شديد بينما تعالت الصرخات والدعوات على الاحتلال من الجميع. ساوت الجرافات المنازل بالأرض في محيط منزل يوسف. وصلته الأخبار وهو في عمله فدخل وهو في قمة الغضب على رئيس البلدية يستوضح منه الأمر، أخذه على وجه السرعة إلى مدير مكتب المندوب السامي. بعد سلسلة من الاستفسارات وصلت المعلومة. هناك قرار بهدم منزل كل من يحمل السلاح في مواجهة القوات الانجليزية وقد تبين أن أحد المقبوض عليهم بعد عملية قطاع حيفا هو ابراهيم درويش. نزلت الكلمات عليه كالصاعقة، فمن العادي أن يختفي بعد كل عملية وخاصة البعيدة لعدة أيام ولهذا لم تصله أخبار الاعتقال. انهار على أقرب مقعد وقد بدأت النبرة تتغير نحوه وتحيطه نظرات الشك. تمالك نفسه قائلا: وما هي ظروف اعتقاله؟ أخبره الضابط لانجليزي أنه قد تم القبض عليه مع مجموعة كبيرة في محيط الانفجار وجاري التحقيق معهم. تهللت أساريره قليلا فهو يعرف أنهم لو تأكدوا من تنفيذه للعملية لقتلوه فورا. أخذ نفسا عميقا واستجمع شتات فكره ثم طلب تصريحا لزيارة شقيقه والضغط عليه لاستخراج أية معلومات ممكنة. أعطوه التصريح مع اعتذار عن هدم المنزل ووعد بإعادة بنائه في أقرب فرصة. توجه من فوره للاطمئنان على أسرته فوجد الجيران قد آووهم ورفعوا بعض الركام للبحث عن حاجاتهم الضرورية، واساهم ورفع من معنوياتهم وطمأنهم على ابراهيم ثم توجه إلى السجن. بعد إجراءات أمنية مطولة وانتظار لساعات تمكن أخيرا من لقاء أخيه. هالته الحالة المزرية التي وجد شقيقه عليها. رأس صلعاء، أظافر منزوعة، علامات ضرب مبرح في جميع أنحاء وجهه، يسير بصعوبة بالغة. أسرع إليه يحتضنه لكن شقيقه أطلق صيحة ألم عالية حين ضمه إليه. أجلسه بهدوء ثم قال بصوت عال: يجب أن تخبرهم بأية معلومة تعرفها لكي نستطيع مساعدتك. أجابه بصوت واهن: أية معلومات يا أخي؟ وهل تعرف عني ذلك؟ لقد كنت في رحلة عمل إلى حيفا للبحث عن مشترين لزيت الزيتون الذي نصنعه فخرج علينا بعض اللصوص، سرقوا هوياتنا وأموالنا وتركونا في مكان لا نعلمه، ولما سمعنا دوي الانفجار هربنا واحتمينا بالجبل. ياأخي لم يكن معنا سلاح. نظر له يوسف متعجبا فأتبع: نعم لا تتعجب لقد قبضوا علينا رغم ذلك وعذبونا كما ترى. صاح يوسف بعد ان اطمأن على موقف شقيقه: أيها الظلمة المتوحشون، سوف أرفع أمركم للمندوب السامي، لا بل سأذهب إلى انجلترا وأقدم شكوى رسمية في رئاسة الوزراء، ألا تعرفون من أنا؟ لقد خدمت التاج أكثر من أي أحد فيكم. وهذا جزائي! تهدمون بيتي وتعتقلون شقيقي وتعذبونه أيها الظلمة؟ اجتمعت قيادات السجن على صيحاته وتهديداته ثم أخذوه إلى مكتب رئيس السجن الذي استقبله بفتور مسخفا من تهديداته مقللا من قيمته كعربي. فاجأه يوسف تماما بالحديث عن كثير من المعلومات السرية الخاصة بالجيش والخطط المستقبلية داخل فلسطين وخارجها، استولى على عقل وتركيز الضابط وأشعره بمدى أهميته. اتصل الضابط ببعض المسئولين وحضرت جهات تحقيق متعددة. بعد مداولات وحوارات استمرت عدة ساعات وافق على ذهاب شقيقه معه بشرط عدم التواجد في أماكن مشبوهة مرة أخرى. اشترط يوسف خروج كل المجموعة التي كانت معه فتمت الموافقة على طلبه. خرج الجميع وقد أعياهم التعذيب للدرجة التي لم يعد أحد فيهم قادر على الحركة. ذهبوا إلى بيت أقرب المجاهدين من العصبة في المنطقة واستمروا لعدة أيام حتى تمكنوا من الوقوف على أقدامهم. في جلسة سمر تحت بدر مكتمل في ليلة صيفية معتدلة الحرارة جلسوا جميعا يتدبرون أمرهم ويحللون الموقف الراهن ويحاولون رسم صورة للمستقبل من وجهة نظرهم جميعا. تحدث القائد قائلا: رغم مرارة التجربة والتعذيب الذي لاقيناه إلا أننا قد التقينا بالكثير من الشباب والقيادات وللأسف الكثير منهم ينتظر تنفيذ حكم الاعدام في أية لحظة، ولكن عزيمتهم قوية وإرادتهم لا تلين أبدا وهذا يطمئننا على المستقبل. بعبارات فيها بعض اليأس تحدث يوسف: ليتني كنت متفائلا هكذا. في مؤتمر المائدة المستديرة بلندن في فبراير ظن اليهود أن انجلترا ستقدم تنازلات للعرب فقاموا بعمليات ارهابية ضدنا في كل البلاد. في مارس رددنا عليهم بموجات ثورية شديدة القوة والعنف. انتهى المؤتمر الفاشل بلا نتائج. ازدادت الضغوط العربية على القيادات السياسية بينما يكاد الانجليز يعتمدون كليا على العصابات اليهودية كشرطة وخاصة بعد تدريبهم وتسليحهم بينما ضيقوا علينا في السلاح وعاثوا فينا قتلا وسجنا وهدما لمنازلنا.
تحدث سامر قائلا: ولكن الانجليز أصدروا الكتاب الأبيض في مايو وقد تعهدوا فيه بوقف الهجرة اليهودية خلال خمس سنوات وإقامة الدولة الفلسطينية خلال عشر سنوات. قاطعه يوسف قائلا: بشرط ماذا؟ لم يجب فأتبع: بشرط وقف جميع العمليات الثورية ضد الانجليز واليهود وإذا تأكدوا ولاحظ تأكدوا هذه، من خنوعنا وخضوعنا فسيمنحوننا جزءا من حقنا الأصلي. إنها مساومات لكسب الوقت وإعطاء الفرصة للقيادات العربية الضعيفة للضغط علينا بكل السبل الممكنة لوقف الثورة. عقب القائد: معك حق يا يوسف، العالم في حالة غليان وأصبح منقسما بسبب هتلر ومن يدري ربما نشهد حربا عالمية جديدة والدليل هذا التقارب الغريب بين فرنسا وانجلترا والذي جعل شيخنا أمين الحسيني بعد تهديدات الاحتلال الفرنسي باعتقاله في لبنان يهرب إلى العراق. تحدث إبراهيم وهو ما يزال متأثرا بشدة قائلا: لست متفائلا، لم ننجح في التوحد تحت راية واحدة، وقد أثرت علينا الضربات المتلاحقة حتى تكاد اتصالاتنا بقياداتنا تنقطع. هل سيكون هذا مصير هذه الثورة الشعبية هو الفشل؟ هل سيتحطم حلمنا بطرد اليهود والانجليز؟ هل ستضيع فلسطين؟ لم يستطع أحد أن يجيب، بل أطرقوا جميعا في الأرض فلا أحد يملك الإجابة لأول مرة منذ سنوات طويلة.
عادوا إلى منزلهم المهدوم وحياتهم القلقة وجراحهم المفتوحه وغدهم الغامض، عادوا إلى المجهول.
إيهاب بديوي
29-6-2015
12-رمضان- 1436




إرسال تعليق

 
Top