الانطباعية والأسلوبية
قراءة ونقد قصيدة الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان
((حافية بين لون ووتر ))
تقديم الناقد مهند طالب هاشم
..........................................
حافية بين لون ووتر
شعر : هيام مصطفى قبلان
قراءة ونقد قصيدة الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان
((حافية بين لون ووتر ))
تقديم الناقد مهند طالب هاشم
..........................................
حافية بين لون ووتر
شعر : هيام مصطفى قبلان
تعرّش على جنح ليلي
احدودب الوقت ، احتال على رمشي
ظلّ ينزف شقائق نعمان
يتورّد الماء اشتعالا
تتساقط الأصابع على الأصابع
في اللاشيء ...
تشاكسني قدماي ..يشرئبّ الهمس
ويتلوى رمح المساء على نحر الحرف
لامس قشور الوجع يا عاشق حزن السيّدة
حافية ..ترفرف ايقاعاتي على لون الوتر
يشهق الفراغ ..نتباكى ،،يتراقص عطر الأرجوان
سمّني بكل الأسماء التي عرفت
لي مقعد في مشتهى ليلك
لك أن تحتويني لأعود غزالة تهادت
على مرج ،، على ساحل ،، على غيمة
لم تشبه قمرا توضّأ على جديلة الريح
لم تصعد على فنن حلمك الى السّماء
هناك ..حيث يخلعون أحذيتهم
يستعطفون الرّب يتكوّر الكرز خجلا
تحت حفيف أنفاسهم ،،يتناثرالضوء تبرا
امتشقني وارسمني على تلال كنعان
أيقونة تنساب منّي،،من احتمائك بي
أنهمر على أحداق صداك وأناك
يتلولب عرش هواك فوق ركام الوقت
تنجلي الرؤية ،،كنا يوما هناك
من عصير الروح اختمرت لذّة الشّهب
أتقفّز بين رحيقك
بزنبق من احتراق ،، تعفّر بالسّراب ..!
................................................
الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان , تقدم لنا نصاً جميلاً تضعنا فيه أمام تجربة من تجارب العشق بشاعريةٍ معطرةٍ بالفصاحة واللغة الجميلة , وقبل ان نتسلل الى مكنون النص , نتفرس في العتبة الأولى فيه وهي العنوان , ((حافية بين لون ووتر)) يعد العنوان من أهم العتبات النصية الموازية المحيطة بالنص الرئيس, حيث يساهم في توضيح دلالات النص, واستكشاف معانيه الظاهرة والخفية إن فهما وإن تفسيرا, وإن تفكيكا وإن تركيبا, ومن ثم فالعنوان هو المفتاح الضروري لسبر أغوار النص, والتعمق في شعابه التائهة والسفر في دهاليزه الممتدة, كما أنه الأداة التي بها يتحقق اتساق النص وانسجامه وبها تبرز مقروئية النص وتنكشف مقاصده المباشرة وغير المباشرة, وبالتالي فالنص هو العنوان والعنوان هو النص وبينهما علاقات جدلية وانعكاسية أو علاقات تعيينية أو إيحائية أو علاقات كلية أو جزئية , وذلك من خلال ثلاثة مستويات منهجية سيميوطيقية ويمكن حصرها في : البنية، والدلالة، والوظيفة, وهكذا، فالعنوان ليس عنصرا زائدا كما يعتقد الكثير من الباحثين والدارسين. وينطبق هذا الحكم أيضا على كل العتبات المجاورة للنص، من إهداء، واستهلال، وتقديم، واقتباس، وفهرسة، وهوامش، وصور، وحيثيات النشر… فالنص الموازي هو عنصر ضروري في تشكيل الدلالة، وإثراء المعنى. ومن هنا، فمن الضروري دراسة العتبات، وتفكيك المصاحبات المناصية، واستكشاف الدوال الرمزية، وإيضاح الخارج، قصد إضاءة الداخل.
وهنا نجد ((حافية بين لون ووتر)) تعكس مدى عمق المعنى المخفي في النص , وعلاقة هذا المعنى وتراكبيته مع الضمون , احياناً كثيرة يكون العنوان اعمق صوراً شعرية من النص نفسه , خصوصاً عندما يتعمد الناص اختزال مضمون النص في العنوان , وهذا ما اجادته الشاعرة" هيام مصطفى قبلان" عندما اختزلت مضمون النص كله في هذا العنوان ( حافية + بين لون ووتر) الحافية لها معان عدة متشظية في جوفها من حيث الاستدلال ودوالّها التي تعكس الكثير من الصور المختلفة , فيقال مثلاً : الرجلُ الحافِي : الْمبالِغُ في إِكْرامِ الغيرِ ، أوِ المُكْثرُ من السؤالِ عن حالِ الآخرينَ , ويقال العاري القدمين , الحَافي : المبالغُ في الاحتفاء , ثم نجد (( بين لون ووتر)) وهنا نجد / اللون + الوتر / وايضا للون عدة معان وعدة مفاهيم وعدة ادوات تتناول هذه المفردة وتعكسها لاهداف متعددة لون الروح لون الحياة لون الاشياء وايضا اللون هو الصبغة الشكلية للاشياء او الكلمة المجازية لها , حسب ما يسبقه او يلحقه من كلام , والوتر لا يقل تعددية في معناه وقد استخدم في كثير من التعابير المجازية / الوتر الحسّاس : أي نقطة الضَّعف /
جرك أوتار القلوب : أثّر في النفوس / وتر خيط الة موسيقية / يضرب على وتر واحد : يكرّر الشيء نفسه / أوتار البدن :رباطات بين أعضائه / فنحن امام هذا العنوان ذو المعان المكثفة المتشظية سوف نقف امام قصدية العنوان التي تتجزء كل غاياتها في النص لذلك لنبدأ بالعتبة الثانية من النص وهي الاستهلال في النص لننزل قرائياً مع النص :
تعرّش على جنح ليلي
احدودب الوقت ، احتال على رمشي
ظلّ ينزف شقائق نعمان
يتورّد الماء اشتعالا
تتساقط الأصابع على الأصابع
في اللاشيء ...
تشاكسني قدماي ..يشرئبّ الهمس
ويتلوى رمح المساء على نحر الحرف
لامس قشور الوجع يا عاشق حزن السيّدة
حافية ..ترفرف ايقاعاتي على لون الوتر
سنجد ان أول عتبة في النص هي الثيمة الدالّة على / أنزياح / تدفق / أنثيال / أستقراء يتمحور حول تتبع تلك العلامات اعلاه للوصول الى كلية تامة في احتواء مشهدية النص وفق أيدولوجيه النص وايغوسنتريته ( نزعة الاستقطاب حول الذات) وهذا المدخل (( تعرّش على جنح ليلي)) دنكوشوتي الأستهلال (محاربة الوهم) لانه أبتدأ متسيداً الفعل مع مجازية الناص المتوهجة , فهنا الشاعرة تكتب رمزيتها بلغة فارهة غير معقدة مثل ((احدودب الوقت ، احتال على رمشي )) انها اذ تخبرنا انها رغم طوال الوقت وسهرها الليالي الطويلة فلم تشعر بتلك الزمنية لانها ((ظلّ ينزف شقائق نعمان )) انا لست بصدد تأويل النص بقدر ما اسعى لمسك مغاليقه وفتحها واظهار مخفياته التي يتعمد اي شاعر او شاعرة لاخفائها , لانه بذلك تتحقق الشعرية , فما فائدة النص يفهم كله ويعرف كله ؟!! وطالما لمحنا الى فوضية قصيدة النثر وتناقضاتها التي هي التلاحم بنفس الوقت ((تتساقط الأصابع على الأصابع + في اللاشيء ...)) فوضى + انتظام/ هدم + بناء / و هذه المتناقضات هي أساس القوانين الإيقاعية التي تبنى عليها قصيدة النثر, ((لامس قشور الوجع يا عاشق حزن السيّدة)) يبدأ هنا التعريف الأشمل في النص واعتقده الأكبر حيث ((يا عاشق حزن السيّدة )) تليباثي الأيحاء : التخاطر عن بعد / ((حافية ..ترفرف ايقاعاتي على لون الوتر)) نعرف الأن طبيعة العنوان وذروة توهجه من خلال هذه المقطوعة التي تعكس لنا علاقة العنوان بالنص حيث انها الحافية المتجردة من كل شيء ((ترفرف ايقاعاتي )) خطواتها التي تحسب كل اثر وكل خطوة ضمن براجماتيه تمنح كل خطوة بسبب , وربما تكون ذات معنى انتظار متلهف فيأتي ((على لون ووتر )) تحسس واهتمام بنوع هذا الانتظار الذي يعطينا دلالة معرفية مفادها ان المعنى رهن الأشارة ((ترفرف )) تتأمل / تتنظر / تستعد / تترقب / وهذا أيضا بُعداً اخراً يجعلنا نتمعن في توهج هذه الذات وطبيعة هذا التوهج .
يشهق الفراغ ..نتباكى ،،يتراقص عطر الأرجوان
سمّني بكل الأسماء التي عرفت
لي مقعد في مشتهى ليلك
لك أن تحتويني لأعود غزالة تهادت
على مرج ،، على ساحل ،، على غيمة
لم تشبه قمرا توضّأ على جديلة الريح
لم تصعد على فنن حلمك الى السّماء
هناك ..حيث يخلعون أحذيتهم
يستعطفون الرّب يتكوّر الكرز خجلا
تحت حفيف أنفاسهم ،،يتناثرالضوء تبرا
ان الأيحاء هو ذات الدلالة الزمنية المستوحاة من مادة وشكل الكلمة وهيئتها وما تؤديه من وظائف صرفية تتمثل في دلالتها على الحدث المقرون بالزمن وإيحاءاتها الدلالية الناتجة عن مادتها وهيئتها التي بنيت عليها ومن تنوع استعمالاتها, فأننا نجد ان (( يشهق الفراغ ..نتباكى ،،يتراقص عطر الأرجوان)) دخول وخروج في المعنى حيث الايحاء جاء منفردا وهذا خروجاً ((يشهق الفراغ )) ثم يتحول مجتمعاً وهو دخولاً ((نتباكى )) بمعنى آخر , ان الشاعرة تهيأ لمغاليق النص انفراجات ثانوية عندما يكون المعنى المراد ايصاله يسلك دخولا وخروجا بنفس الوقت ثم يلحق ذلك ((سمّني بكل الأسماء التي عرفت .. لي مقعد في مشتهى ليلك )) وهنا ممارسة اتصالية تهدف الطريقة الإيحائية إلى إعطاء الآخر مقدرة متقدمة في المحادثة , فنجد ان التخاطب يقابله مجموعة العوامل المؤثرة فأننا نجد في لغة الشاعرة ما مضمونه ان استخدام اللغة يكون بالتحديد في وظائفها الإنفعالية وأن تعلمها يكون قبل كل شيء من أجل تلك الوظائف , اي انها تعي مقدار فهم المتلقي في استقطاب المعنى , وقد تكون مدركة تماماً الى توجه فهم المتلقي الذي سيجد نفسه في طبيعة النص اما مسيراً واما مخيراً حتى وان كانت هنالك خيارات عدة له في تأويل النص , فبعض النصوص تحدد للمتلقي خيارات قليلة للسفر في مضمون النص وهذا طبعا حسب طبيعة وامكانية الناص التي يجيد فيها التحكم بذهن المتلقي , ثم ان الشاعرة هنا انفلتت من ايحائها في المقطع ((لك أن تحتويني لأعود غزالة تهادت .. على مرج ،، على ساحل ،، على غيمة)) لانها خرجت من ذاتها المتموقعة في الانصات لها الى تشبيه وتجسيد اخر خار اطار هذا التموقع اذ تقول ((لم تشبه قمرا توضّأ على جديلة الريح ...لم تصعد على فنن حلمك الى السّماء))التقديم والتأخير في بعض بنى النص، كتقديم الخبر على مبتدئه. أو الفاعل على الفعل أو النتيجة على السبب. كذلك الحذف الفني الذي يستغني عن بعض البنى والمفردات سعياً وراء التلميح لا التصريح، الذي هو أبلغ أثراً وأعمق دلالة وذات نزياحات تركيبية , ((هناك ..حيث يخلعون أحذيتهم .. يستعطفون الرّب يتكوّر الكرز خجلا.. تحت حفيف أنفاسهم ،،يتناثرالضوء تبرا ))
ميكافيلية نفعية فالغاية تسوغ الوسيلة , توظيف أدوات الربط وجوداً وعدماً , هذه الأسلوبية ظهرت بشكل جليّ في الشعر العربي الحديث , عبث بالجملة الشعرية ذاتها ومحاولة لتقليل المحسنات البديعية على جسدها وإدخالها في روحها, ليكون الشعر أكثر ملائمة وأقرب من التفكر والتبصر والإغراق .
امتشقني وارسمني على تلال كنعان
أيقونة تنساب منّي،،من احتمائك بي
أنهمر على أحداق صداك وأناك
يتلولب عرش هواك فوق ركام الوقت
تنجلي الرؤية ،،كنا يوما هناك
من عصير الروح اختمرت لذّة الشّهب
أتقفّز بين رحيقك
بزنبق من احتراق ،، تعفّر بالسّراب ..!
تستحضرنا هنا زمكانية في السرد الشعري , حيث ان الشاعرة هنا يكون بوحها انزياحياً ايحائياً / ثم يتدارك هذا الانزياح والايحاء شعرية الكلمة وتطورها , ومنها التحولات في هذا الجانب إذ أن التناسب بين الكلمة / المعنى وبين الغرض / الموضوع كان الأساس الذي يتم به التخاطب , لتأخذ المعنى الدلالي المراد توصيله , ((يتلولب عرش هواك فوق ركام الوقت ..تنجلي الرؤية ،،كنا يوما هناك)) إن تقليل سرد حدث شخوص /زمان، مكان، أصعب بكثير من الإسهاب في كتابته وكلمة واحدة على الأقل قادرة على تغيير النص وحتى على نزع رؤيته , القدرة على التكثيف الدلالي بحاجة إلى براعة كبيرة في النص من الناص , وهذا ما قدمته لنا الشاعرة حيث تختزل في رؤيتها الصورية لجملها الشعرية وتقدم لنا تكثيف في انساق اللغة وايقاع ممتد على طول النص , وهذا ما نقرأه هنا في مقتبس النص اعلاه ((يتلولب عرش هواك)) مما يؤدي إلى تعددية الاحتمالات والتأويل في القراءة , يؤدي إلى حضور الرمزية في النص حتى وإن كانت غير مكثفة , ((من عصير الروح اختمرت لذّة الشّهب ..أتقفّز بين رحيقك ..بزنبق من احتراق ،، تعفّر بالسّراب ..!)) بينما نكون في حلم اليقظة داخل النص , ننتبه الى نهايته على صورة متلاشية متبخرة في العدم ليكون النص بلا نهاية مفتوحاً للحياة يتنفس اختفائه وغياب الوعي فيه , وهكذا نجدنا امام سيزيف : رمز العبث لكل النهايات التي لا تستقر على نقطة محددة او كلمة مقررة فنجد النهايات دائما تبقى بلا استقرار , حتى وان كان ما كتبته الشاعرة هنا ((بزنبق من احتراق ،، تعفّر بالسّراب ..!)) ضياع ما كان مرجو ولكنه بلا احتمال قائم لنحدد هل هنالك امل هل هنالك امكانية للتغيير او الحدث , انه نص منتهي وقد ذكرت "سيزيف " رمز العبث لاني اعتقد ان تلك النهايات الغير مقرر هي من عبث الحياة التي لا ترسم النهايات بنقطة بل تدعها نهاية مجهولة .
"
"الناقد مهند طالب هاشم
احدودب الوقت ، احتال على رمشي
ظلّ ينزف شقائق نعمان
يتورّد الماء اشتعالا
تتساقط الأصابع على الأصابع
في اللاشيء ...
تشاكسني قدماي ..يشرئبّ الهمس
ويتلوى رمح المساء على نحر الحرف
لامس قشور الوجع يا عاشق حزن السيّدة
حافية ..ترفرف ايقاعاتي على لون الوتر
يشهق الفراغ ..نتباكى ،،يتراقص عطر الأرجوان
سمّني بكل الأسماء التي عرفت
لي مقعد في مشتهى ليلك
لك أن تحتويني لأعود غزالة تهادت
على مرج ،، على ساحل ،، على غيمة
لم تشبه قمرا توضّأ على جديلة الريح
لم تصعد على فنن حلمك الى السّماء
هناك ..حيث يخلعون أحذيتهم
يستعطفون الرّب يتكوّر الكرز خجلا
تحت حفيف أنفاسهم ،،يتناثرالضوء تبرا
امتشقني وارسمني على تلال كنعان
أيقونة تنساب منّي،،من احتمائك بي
أنهمر على أحداق صداك وأناك
يتلولب عرش هواك فوق ركام الوقت
تنجلي الرؤية ،،كنا يوما هناك
من عصير الروح اختمرت لذّة الشّهب
أتقفّز بين رحيقك
بزنبق من احتراق ،، تعفّر بالسّراب ..!
................................................
الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان , تقدم لنا نصاً جميلاً تضعنا فيه أمام تجربة من تجارب العشق بشاعريةٍ معطرةٍ بالفصاحة واللغة الجميلة , وقبل ان نتسلل الى مكنون النص , نتفرس في العتبة الأولى فيه وهي العنوان , ((حافية بين لون ووتر)) يعد العنوان من أهم العتبات النصية الموازية المحيطة بالنص الرئيس, حيث يساهم في توضيح دلالات النص, واستكشاف معانيه الظاهرة والخفية إن فهما وإن تفسيرا, وإن تفكيكا وإن تركيبا, ومن ثم فالعنوان هو المفتاح الضروري لسبر أغوار النص, والتعمق في شعابه التائهة والسفر في دهاليزه الممتدة, كما أنه الأداة التي بها يتحقق اتساق النص وانسجامه وبها تبرز مقروئية النص وتنكشف مقاصده المباشرة وغير المباشرة, وبالتالي فالنص هو العنوان والعنوان هو النص وبينهما علاقات جدلية وانعكاسية أو علاقات تعيينية أو إيحائية أو علاقات كلية أو جزئية , وذلك من خلال ثلاثة مستويات منهجية سيميوطيقية ويمكن حصرها في : البنية، والدلالة، والوظيفة, وهكذا، فالعنوان ليس عنصرا زائدا كما يعتقد الكثير من الباحثين والدارسين. وينطبق هذا الحكم أيضا على كل العتبات المجاورة للنص، من إهداء، واستهلال، وتقديم، واقتباس، وفهرسة، وهوامش، وصور، وحيثيات النشر… فالنص الموازي هو عنصر ضروري في تشكيل الدلالة، وإثراء المعنى. ومن هنا، فمن الضروري دراسة العتبات، وتفكيك المصاحبات المناصية، واستكشاف الدوال الرمزية، وإيضاح الخارج، قصد إضاءة الداخل.
وهنا نجد ((حافية بين لون ووتر)) تعكس مدى عمق المعنى المخفي في النص , وعلاقة هذا المعنى وتراكبيته مع الضمون , احياناً كثيرة يكون العنوان اعمق صوراً شعرية من النص نفسه , خصوصاً عندما يتعمد الناص اختزال مضمون النص في العنوان , وهذا ما اجادته الشاعرة" هيام مصطفى قبلان" عندما اختزلت مضمون النص كله في هذا العنوان ( حافية + بين لون ووتر) الحافية لها معان عدة متشظية في جوفها من حيث الاستدلال ودوالّها التي تعكس الكثير من الصور المختلفة , فيقال مثلاً : الرجلُ الحافِي : الْمبالِغُ في إِكْرامِ الغيرِ ، أوِ المُكْثرُ من السؤالِ عن حالِ الآخرينَ , ويقال العاري القدمين , الحَافي : المبالغُ في الاحتفاء , ثم نجد (( بين لون ووتر)) وهنا نجد / اللون + الوتر / وايضا للون عدة معان وعدة مفاهيم وعدة ادوات تتناول هذه المفردة وتعكسها لاهداف متعددة لون الروح لون الحياة لون الاشياء وايضا اللون هو الصبغة الشكلية للاشياء او الكلمة المجازية لها , حسب ما يسبقه او يلحقه من كلام , والوتر لا يقل تعددية في معناه وقد استخدم في كثير من التعابير المجازية / الوتر الحسّاس : أي نقطة الضَّعف /
جرك أوتار القلوب : أثّر في النفوس / وتر خيط الة موسيقية / يضرب على وتر واحد : يكرّر الشيء نفسه / أوتار البدن :رباطات بين أعضائه / فنحن امام هذا العنوان ذو المعان المكثفة المتشظية سوف نقف امام قصدية العنوان التي تتجزء كل غاياتها في النص لذلك لنبدأ بالعتبة الثانية من النص وهي الاستهلال في النص لننزل قرائياً مع النص :
تعرّش على جنح ليلي
احدودب الوقت ، احتال على رمشي
ظلّ ينزف شقائق نعمان
يتورّد الماء اشتعالا
تتساقط الأصابع على الأصابع
في اللاشيء ...
تشاكسني قدماي ..يشرئبّ الهمس
ويتلوى رمح المساء على نحر الحرف
لامس قشور الوجع يا عاشق حزن السيّدة
حافية ..ترفرف ايقاعاتي على لون الوتر
سنجد ان أول عتبة في النص هي الثيمة الدالّة على / أنزياح / تدفق / أنثيال / أستقراء يتمحور حول تتبع تلك العلامات اعلاه للوصول الى كلية تامة في احتواء مشهدية النص وفق أيدولوجيه النص وايغوسنتريته ( نزعة الاستقطاب حول الذات) وهذا المدخل (( تعرّش على جنح ليلي)) دنكوشوتي الأستهلال (محاربة الوهم) لانه أبتدأ متسيداً الفعل مع مجازية الناص المتوهجة , فهنا الشاعرة تكتب رمزيتها بلغة فارهة غير معقدة مثل ((احدودب الوقت ، احتال على رمشي )) انها اذ تخبرنا انها رغم طوال الوقت وسهرها الليالي الطويلة فلم تشعر بتلك الزمنية لانها ((ظلّ ينزف شقائق نعمان )) انا لست بصدد تأويل النص بقدر ما اسعى لمسك مغاليقه وفتحها واظهار مخفياته التي يتعمد اي شاعر او شاعرة لاخفائها , لانه بذلك تتحقق الشعرية , فما فائدة النص يفهم كله ويعرف كله ؟!! وطالما لمحنا الى فوضية قصيدة النثر وتناقضاتها التي هي التلاحم بنفس الوقت ((تتساقط الأصابع على الأصابع + في اللاشيء ...)) فوضى + انتظام/ هدم + بناء / و هذه المتناقضات هي أساس القوانين الإيقاعية التي تبنى عليها قصيدة النثر, ((لامس قشور الوجع يا عاشق حزن السيّدة)) يبدأ هنا التعريف الأشمل في النص واعتقده الأكبر حيث ((يا عاشق حزن السيّدة )) تليباثي الأيحاء : التخاطر عن بعد / ((حافية ..ترفرف ايقاعاتي على لون الوتر)) نعرف الأن طبيعة العنوان وذروة توهجه من خلال هذه المقطوعة التي تعكس لنا علاقة العنوان بالنص حيث انها الحافية المتجردة من كل شيء ((ترفرف ايقاعاتي )) خطواتها التي تحسب كل اثر وكل خطوة ضمن براجماتيه تمنح كل خطوة بسبب , وربما تكون ذات معنى انتظار متلهف فيأتي ((على لون ووتر )) تحسس واهتمام بنوع هذا الانتظار الذي يعطينا دلالة معرفية مفادها ان المعنى رهن الأشارة ((ترفرف )) تتأمل / تتنظر / تستعد / تترقب / وهذا أيضا بُعداً اخراً يجعلنا نتمعن في توهج هذه الذات وطبيعة هذا التوهج .
يشهق الفراغ ..نتباكى ،،يتراقص عطر الأرجوان
سمّني بكل الأسماء التي عرفت
لي مقعد في مشتهى ليلك
لك أن تحتويني لأعود غزالة تهادت
على مرج ،، على ساحل ،، على غيمة
لم تشبه قمرا توضّأ على جديلة الريح
لم تصعد على فنن حلمك الى السّماء
هناك ..حيث يخلعون أحذيتهم
يستعطفون الرّب يتكوّر الكرز خجلا
تحت حفيف أنفاسهم ،،يتناثرالضوء تبرا
ان الأيحاء هو ذات الدلالة الزمنية المستوحاة من مادة وشكل الكلمة وهيئتها وما تؤديه من وظائف صرفية تتمثل في دلالتها على الحدث المقرون بالزمن وإيحاءاتها الدلالية الناتجة عن مادتها وهيئتها التي بنيت عليها ومن تنوع استعمالاتها, فأننا نجد ان (( يشهق الفراغ ..نتباكى ،،يتراقص عطر الأرجوان)) دخول وخروج في المعنى حيث الايحاء جاء منفردا وهذا خروجاً ((يشهق الفراغ )) ثم يتحول مجتمعاً وهو دخولاً ((نتباكى )) بمعنى آخر , ان الشاعرة تهيأ لمغاليق النص انفراجات ثانوية عندما يكون المعنى المراد ايصاله يسلك دخولا وخروجا بنفس الوقت ثم يلحق ذلك ((سمّني بكل الأسماء التي عرفت .. لي مقعد في مشتهى ليلك )) وهنا ممارسة اتصالية تهدف الطريقة الإيحائية إلى إعطاء الآخر مقدرة متقدمة في المحادثة , فنجد ان التخاطب يقابله مجموعة العوامل المؤثرة فأننا نجد في لغة الشاعرة ما مضمونه ان استخدام اللغة يكون بالتحديد في وظائفها الإنفعالية وأن تعلمها يكون قبل كل شيء من أجل تلك الوظائف , اي انها تعي مقدار فهم المتلقي في استقطاب المعنى , وقد تكون مدركة تماماً الى توجه فهم المتلقي الذي سيجد نفسه في طبيعة النص اما مسيراً واما مخيراً حتى وان كانت هنالك خيارات عدة له في تأويل النص , فبعض النصوص تحدد للمتلقي خيارات قليلة للسفر في مضمون النص وهذا طبعا حسب طبيعة وامكانية الناص التي يجيد فيها التحكم بذهن المتلقي , ثم ان الشاعرة هنا انفلتت من ايحائها في المقطع ((لك أن تحتويني لأعود غزالة تهادت .. على مرج ،، على ساحل ،، على غيمة)) لانها خرجت من ذاتها المتموقعة في الانصات لها الى تشبيه وتجسيد اخر خار اطار هذا التموقع اذ تقول ((لم تشبه قمرا توضّأ على جديلة الريح ...لم تصعد على فنن حلمك الى السّماء))التقديم والتأخير في بعض بنى النص، كتقديم الخبر على مبتدئه. أو الفاعل على الفعل أو النتيجة على السبب. كذلك الحذف الفني الذي يستغني عن بعض البنى والمفردات سعياً وراء التلميح لا التصريح، الذي هو أبلغ أثراً وأعمق دلالة وذات نزياحات تركيبية , ((هناك ..حيث يخلعون أحذيتهم .. يستعطفون الرّب يتكوّر الكرز خجلا.. تحت حفيف أنفاسهم ،،يتناثرالضوء تبرا ))
ميكافيلية نفعية فالغاية تسوغ الوسيلة , توظيف أدوات الربط وجوداً وعدماً , هذه الأسلوبية ظهرت بشكل جليّ في الشعر العربي الحديث , عبث بالجملة الشعرية ذاتها ومحاولة لتقليل المحسنات البديعية على جسدها وإدخالها في روحها, ليكون الشعر أكثر ملائمة وأقرب من التفكر والتبصر والإغراق .
امتشقني وارسمني على تلال كنعان
أيقونة تنساب منّي،،من احتمائك بي
أنهمر على أحداق صداك وأناك
يتلولب عرش هواك فوق ركام الوقت
تنجلي الرؤية ،،كنا يوما هناك
من عصير الروح اختمرت لذّة الشّهب
أتقفّز بين رحيقك
بزنبق من احتراق ،، تعفّر بالسّراب ..!
تستحضرنا هنا زمكانية في السرد الشعري , حيث ان الشاعرة هنا يكون بوحها انزياحياً ايحائياً / ثم يتدارك هذا الانزياح والايحاء شعرية الكلمة وتطورها , ومنها التحولات في هذا الجانب إذ أن التناسب بين الكلمة / المعنى وبين الغرض / الموضوع كان الأساس الذي يتم به التخاطب , لتأخذ المعنى الدلالي المراد توصيله , ((يتلولب عرش هواك فوق ركام الوقت ..تنجلي الرؤية ،،كنا يوما هناك)) إن تقليل سرد حدث شخوص /زمان، مكان، أصعب بكثير من الإسهاب في كتابته وكلمة واحدة على الأقل قادرة على تغيير النص وحتى على نزع رؤيته , القدرة على التكثيف الدلالي بحاجة إلى براعة كبيرة في النص من الناص , وهذا ما قدمته لنا الشاعرة حيث تختزل في رؤيتها الصورية لجملها الشعرية وتقدم لنا تكثيف في انساق اللغة وايقاع ممتد على طول النص , وهذا ما نقرأه هنا في مقتبس النص اعلاه ((يتلولب عرش هواك)) مما يؤدي إلى تعددية الاحتمالات والتأويل في القراءة , يؤدي إلى حضور الرمزية في النص حتى وإن كانت غير مكثفة , ((من عصير الروح اختمرت لذّة الشّهب ..أتقفّز بين رحيقك ..بزنبق من احتراق ،، تعفّر بالسّراب ..!)) بينما نكون في حلم اليقظة داخل النص , ننتبه الى نهايته على صورة متلاشية متبخرة في العدم ليكون النص بلا نهاية مفتوحاً للحياة يتنفس اختفائه وغياب الوعي فيه , وهكذا نجدنا امام سيزيف : رمز العبث لكل النهايات التي لا تستقر على نقطة محددة او كلمة مقررة فنجد النهايات دائما تبقى بلا استقرار , حتى وان كان ما كتبته الشاعرة هنا ((بزنبق من احتراق ،، تعفّر بالسّراب ..!)) ضياع ما كان مرجو ولكنه بلا احتمال قائم لنحدد هل هنالك امل هل هنالك امكانية للتغيير او الحدث , انه نص منتهي وقد ذكرت "سيزيف " رمز العبث لاني اعتقد ان تلك النهايات الغير مقرر هي من عبث الحياة التي لا ترسم النهايات بنقطة بل تدعها نهاية مجهولة .
"
"الناقد مهند طالب هاشم

إرسال تعليق