GuidePedia

0

هذا مقال للنشر//نهر الشعر...الذى لم يعد صافيا
.................
في الشعر ، كما في سواه ، من الفنون الأدبية كلها، ثمة تجارب شعرية رديئة ، تعكر نهر الشعر الصافي الجميل الهادىء ، وتشوه سمعته وصورته البهية ، ما ينعكس ضررا وظلما للشعر الأصيل الجيد، وكثير من الناس يستسلم للتعميم العامي الخاطئ والجاهل ، فيحكم على الأصيل بجريرة الغث الهجين الرديء ، وبالنسبة للعالم الخبير المتمرس ، فإنه يميز ويصنف ، ولا ينخدع ، ويعطي لكل ذي حق حقه .
إن الشعر السيء وواضعه يتحملان المسؤولية دون سواهما ، عن سوء بضاعتهما الأدبية ، والقصيدة الجيدة تبقى كالجوهرة ، لايؤثر عليها الغبار ولا تتأكسد ، ولا تخيس ، بل تزداد قيمتها وثراؤها ووهجها وحيويتها مع مرور الزمن ، فقد كنا نحلم بإنشاء دولة الشعر في أرض لا تنبت غير الشعر، وشعب لا يسمع إلا الشعر، ولا يسمع إلا للشعر... في هذه الأيام كثر المزيف الرديء من الشعر ، لدرجة أن أي كلام مبتذل مشوش ومفكك المعنى والمبنى يمكن أن يدعي الشعرية ، ويجد طريقه للنشر بسهولة ، لاسيما إن كان النشر على نفقة المؤلف الخاصة ، حيث في هذه الحالة لاتدقق الرقابة ولا تهتم بالمعايير الفنية ، ولا بسوية العمل من حيث الشكل والمضمون والقيمة الفكرية والفنية . ولقد توفرت البيئة والشروط المناسبة جدا لغزو هذا النوع من الرداءات الأدبية والشعرية ، لدخول سوق النشر والدعاية والترويج ، ماينطبق على شتى حقول االمعرفة والاقتصاد المعرفي . ما يدفع الكثيرين لأن يقعوا فريسة الالتباس وتشوش المشهد . وعدم الثقة به ، وصعوبة الاختيار في ظل طوفان الأعمال المنشورة من كل نوع وصنف ، ومنه الشعر . ومعهم الكثير من الحق في أن يديروا ظهورهم نسبيا لكل مايعرض لضيق الوقت ، أو لأسباب أخرى إضافية . ولايعقل أن يضيع الناس وقتهم في البحث عن الجيد داخل ركام هائل من النتاج والأعمال الرديئة التي تغص بها الأسواق ومعارض الكتب والنشر . وهل علي أن أقرأ مئة مجموعة شعرية كيما أكتشف منها بضعة مجموعات تستحق فعلا أن تقرأ وأن توصف بالشعرية الجيدة ؟ لاسيما في هذا الزمن الذي تتكاثر فيه المطبوعات لدرجة يستحيل معها متابعة حتى جزء يسير منها ، وفي مثل هذه الحالة يختلط الحابل بالنابل والصالح بالطالح ، وتتشوش الصورة في أعين الناس ، الذين يصبحون عاجزين عن فهم ومتابعة وتذوق الكم الهائل من السلع الثقافية ، والأوكازيونات الفكرية والأدبية والشعرية . وهناك آلاف وعشرات الآلاف من الأسماء التي تتعاطى الشعر ، أو تتوهم أنها تتعاطاه ، وأنهم من أهله ، ممن يتعدون على الموهبة وحتى الصنعة الشعرية ، فكيف للمتلقي والمهتم أن يتابع ويفرز ويمحص ، وأنى له الوقت الكافي ليفعل ذلك ؟
إن القصيدة الرديئة ستزاحم القصيدة الجيدة ، وتنافسها ، وبالتالي تخفض من فرصها في البروز والانتشار والتداول الشعري . وربما هذا أحد الأسباب التي تقف وراء انخفاض جمهور الشعر لدرجة خطيرة . الشاعر طائر يحلق في كل جوّ ورسّام حاذق تعبِّر ريشته من خلال أحاسيسه فترقص مع الفرح وتبكي مع الحزن فينعكس هذا التأثير على المجتمع خاصة إذا اعتمد الشاعر المعنى الرفيع من خلال حِسِّه المرهف وسبكه في صيغته المناسبة وبذلك يدخل إلى قلب السامع ويؤثر فيه تأثيراً يكاد يرقى به في كثير من الأحيان إلى مستوى مشاعر الشاعر وأحاسيسه. وميدان الشعر واسع في هذا المجال فكم أضرمت الحربَ أبياتٌ من الشعر وكم بسطت أكفاً لم تتعود العطاء وكم أدمت المآقي التي قلَّما تُبكيها الأحزان. كم حملتنا أبيات من الشعر على أجنحة الخيال وكم هزَّت النفوس وأيقظت الوجدان!

إرسال تعليق

 
Top