كنت مترددة في قبول دعوته ، أو رفضها . فالقبول لا يعني سوي تقليب
المواجع ، ولا جدوي من وراءه . والرفض لا يعني سوي توليد الإصرار لديه علي
إتمام اللقاء . هو بالنسبة لي قد ذهب ، وذهبت معه مباهج الحياة . كل ما
شعرت به حينذاك أنه قد ذهب ، وقد أخذ معه الحياة ، وأنني قد توقفت بي
الحياة عند هذا القدر ، وأنا الآن لا أبحث في أسباب ذهابه ، ولا ألتمس له
الأعذار ، وإن وجدت . فهو قد ذهب ، وبعد ذهابه ، تقدم زوجي لخطبتي ، فقبلت
علي الفور دون تردد ، فالمرأة حين تفقد من تحب ، يستوي عندها كل الرجال ،
ويصبح ظل الرجل أفضل من ظل حائط علي أي حال . مرت بي الحياة ـ بعد زواجي ـ
رتيبة ، متثاقلة ، صامتة . حتي مشاعري كانت قد فقدت فورانها ، وتدفقها ،
وتجمدت عند لحظة بعينها لم تبرحها . يبدو أن بئرها قد تعطلت ، ونضب معينها
، رغم محاولاتي البائسة في إظهارها ـ علي الأقل في صورة محايدة ـ في
مواجهة محاولات زوجي الدؤوبة لاسترضائي ، واستظهار مشاعري وأحاسيسي ،
ومحاولاته المستمرة لخلق الود بيننا . بالقطع أشعر أنه يحبني ، ولكنه الحب
الذي يتخلق بحكم الواقع ، وأنا عجزت عن مجاراته في مشاعره إلا علي سبيل
المجاملة . وقد كان ذلك يشعره بغصة ، يخفيها جاهداً ، لم يحملني علي حبه
غصباً ، أو ابتزازاً ، إلا أنه حملني علي احترامه وتقديره عن جدارة
واستحقاق . والحفاظ علي شرفه وكرامته واجب مقدس عندي ، لايمس ، لا من وراء
ظهره خيانة ، ولا أمام عينيه فجراً ونكراناً ، ولا بيني وبين نفسي ، لا
سهواً ، ولا نسياناً . فلم أسمح لنفسي ـ منذ زواجنا ـ بأن تتجول خواطر
الماضي ، وذكرياته ، في وجداني ، ولا أن يهمس بالحب لغيره قلبي ، فحدوث
ذلك خيانة . ولا زلت علي ذلك العهد بيني وبين نفسي . كنت كلما ضبطت نفسي
متلبسة بالعودة إلي الذكريات ، كمعاودة العلة أوالداء ، سرعان ما كنت
استردها من أسرها . فإن كنت عجزت عن حبه ، فلا أقل من الحفاظ علي احترامه ،
والسعي لاسعاده قدر سعيه لحبي . حتي كانت هذه الليلة التي أيقظني فيها
رنين الهاتف ، نظرت إلي ساعة الحائط ، لم يكن زوجي قد عاد من العمل بعد ،
رفعت السماعة : ـ ألو ـ ألو ـ من حضرتك ؟ ـ أنا .............. ـ متأسفة ، زوجي غير موجود . ـ أنا أريدك أنت . ـ متأسفة ، النمرة غلط .
وضعت السماعة ، مغلقة الخط ، وشعرت بدوار في رأسي ، رن الهاتف ثانية ،
ترددت في رفع السماعة ، بدأ الخوف يتملكني ، والهاتف يرن في الحاح ، تسارعت
دقات قلبي ، صار صوتها أعلي من صوت الرنين . قد يكون هو ، وقد يكون غيره ،
لا أدري . ربما زوجي يريد إبلاغي بقضاء الليلة في العمل . مددت يدي
المرتعشة ،ورفعت السماعة ، وضعتها علي أذني دون أرد . سمعت صوتاً هادئاً ،
دافئاً : ـ أنا ............................... خدرت أنفاسه أطرافي وهو يهمس : ـ بحبك .....................................
طوي الزمن فترة زواجي ، كأنه لم يغادرن سوي بالأمس فقط ، رحلة لم تستغرق
سوي سويعات قليلة ، بعدها عاد . الخدر لا يزال يسري في أوصالي ، وكلامه
يخترق مسامي ، أفقت علي قوله : ـ أريد أن أقابلك . ـ مستحيل . أنا سيدة متزوجة . ـ أعرف . ـ أحب زوجي ، ولا أفكر في أحد سواه . ـ أنسيتني ؟. ـ ما دونه العدم . ـ لا أرغب في إفساد حياتك . ـ ما تطلبه يفسد الحياة . ـ فقط أراك قبل أن أغادر. ـ ليس من حقك . ـ حرمت من رؤياك حتي في الأحلام . ـ ............................................. ـ حبك يعتصرني عصراً . ـ ................................ ـ يطاردني طيفك في النوم واليقظة . ـ ........................................... ـ أعيشه مع تردد الأنفاس . ـ .................................. ـ في نفس المكان ، لحظات الغروب . ـ ............................................
وضع السماعة ، وانقطع الخط ، فانقطع معه الصوت الدافيء الحنون . لقد
انقطعت أنفاسي ، المشاعر المختلطة تموج بداخلي ، لقد ضربني زلزال ، شعرت
بأطرافي باردة ،وجسدي يرتجف ، وأسناني تصطك بعضها ببعض ، صوته كان يرن
بداخلي ، فأحيا موات السنين ، خارت قوي القاومة المتوهمة بداخلي ، كنت
أظنني قد نسيته ، وتصورت أن حياتي صحراء جرداء ، لا زرع فيها ولا ماء ،
فجاء صوته من بعيد ، فاهتزت وربت ، وأنبتت ما بداخلي من مشاعر واحاسيس
خِلْتُها ماتت . نهضت من مرقدي ، ووقفت أمام المرآة ، فإذا بعيني زائغتين
هاربتين ، فهربت منهما . انزويت في فراشي ، متلحفة بالبطانية ، تكومت
محتضنة خيالي ، الذكريات تهطل علي مخيلتي بلا توقف ،تنسرب من نوافذ سحرية ،
فتملأ عليَّ نفسي شجناً ، وحنيناً . سمعت صوت المفتاح وهو يدور في كالون
الباب ، فأدركت أن زوجي قد عاد ، تقزمت بداخلي . نادي علي ، فلم أرد .
تناومت خشية افتضاح أمري ، فقد يدرك ما حدث لو سمع صوتي ، أو نظر في عيني ،
أو لمس يدي ، أو شم رائحة أنفاسي . تمدد إلي جانبي علي السرير ، أشحت
بوجهي ، ووليته ظهري ، فاستسلم للأمر ، ونام . شعرت أن الكون قد نام من
حولي ، ولم تنم عيني . في الصباح استيقظ زوجي ، وجدني نائمة ، أو هكذا
خُيِّل له ، فطبع علي جبيني قبلة ، وارتدي ملابسه ، وانصرف إلي عمله ، فقد
سمعت صوت انغلاق الباب من خلفه ، أعقبه صمت مطبق . نهضت من فراشي ، ودخلت
الحمام ، وألقيت بجسدي المتعب تحت الدش ، لا أدري كم مضي من الوقت وأنا
علي هذا الحال ، مستسلمة للماء ،كما أنا مستسلمة لخواطري التي لم تكف عن
الذهاب والمجيء ، حول ذلك الطيف الذي هب عليَّ من عالم الغيب ، علي غير
موعد . غادرت إلي المطبخ ، وأعددت طعام الإفطار ، وكوباً من الشاي يسعفني
من الصداع الذي يحزِّم رأسي من أقطارها .عافت نفسي الطعام والشاي . نهضت ،
وجعلت أزرع البيت جيئة وذهابا ، تشاغلت ببعض الأعمال، التي قضيتها ، وأنا
شبه مغيبة عن الوجود . قبيل الغروب وجدتني أقف أمام المرآة ، أطمئن علي
هندامي ، وتفاصيل ملامحي المرهقة . حملتني قدماي إلي السيارة ، وحملتني
السيارة إلي ذات المكان . الشمس تميل إلي الغروب ، وقطع السحاب الحمراء
الداكلنة تشيعها إلي مثواها، حيث تختفي وراء الأفق البعيد عند حافة الكون .
نسمة هواء باردة ، تغزو المكان ، الخوف يملآ أقطاري ، أنظر ، أتفحص المكان
، والوجوه ، أشعر أن عيوناً بشرية تغزوني ، تخترق مسامي وعظامي ، تلوك
أعصابي المنهكة . أهو إحساس المجرم المطارد ؟ . أسرعت إلي أحد الزوايا ،
حيث الإضاءة الباهتة . ولَّيت ظهري للكون من خلفي . سحبت كرسياً ، وجلست ،
وجعلت أحدق في اللاشيء . شرع الليل في إسدال ستائره علي الكون الرمادي ،
ونبضات الساعة في يدي ، تدق عظامي ، تسحقها . أفقت من استغراقي علي راحتين ،
تطوقان وجهي ، وتغلق عيناي . نهضت فزعة ، فإذا به هو ، وقد علت وجهه
ابتسامة ،نفس الملامح تقريباً ، إلا أنني شعرت بأنه شخصاً غريباً . فنهرته
علي فعلته بصوت حاد . حاول التحدث فكنت أقاطعه ، في محاولة لإنهاء المقابلة
، قال فلم أسمع له ، قلت له : ـ ماذا تريد ؟ ـ أردت رؤيتك . ـ ثم ماذا ؟ ـ لا شيء . ـ أشم رائحة الخيانة في أنفاسي المترددة . ـ ................................................... ـ ليتك لا تحاول ثانية . ـ ..............................
استدار منصرفاً دون أن ينبس بكلمة ، ناديت عليه بكياني ،إلا أن صوتي لم
يغادر عتبة حلقي ، فجلست مكاني ذاهلة ، وعيناي تشيعه . ها هو قد ذهب ثانية ،
أخذاً معه قلبي ، إلي خيث لا أدري.
إرسال تعليق