GuidePedia

0

كنت مترددة في قبول دعوته ، أو رفضها . فالقبول لا يعني سوي تقليب المواجع ، ولا جدوي من وراءه . والرفض لا يعني سوي توليد الإصرار لديه علي إتمام اللقاء . هو بالنسبة لي قد ذهب ، وذهبت معه مباهج الحياة . كل ما شعرت به حينذاك أنه قد ذهب ، وقد أخذ معه الحياة ، وأنني قد توقفت بي الحياة عند هذا القدر ، وأنا الآن لا أبحث في أسباب ذهابه ، ولا ألتمس له الأعذار ، وإن وجدت . فهو قد ذهب ، وبعد ذهابه ، تقدم زوجي لخطبتي ، فقبلت علي الفور دون تردد ، فالمرأة حين تفقد من تحب ، يستوي عندها كل الرجال ، ويصبح ظل الرجل أفضل من ظل حائط علي أي حال . مرت بي الحياة ـ بعد زواجي ـ رتيبة ، متثاقلة ، صامتة . حتي مشاعري كانت قد فقدت فورانها ، وتدفقها ، وتجمدت عند لحظة بعينها لم تبرحها . يبدو أن بئرها قد تعطلت ، ونضب معينها ، رغم محاولاتي البائسة في إظهارها ـ علي الأقل في صورة محايدة ـ في مواجهة محاولات زوجي الدؤوبة لاسترضائي ، واستظهار مشاعري وأحاسيسي ، ومحاولاته المستمرة لخلق الود بيننا . بالقطع أشعر أنه يحبني ، ولكنه الحب الذي يتخلق بحكم الواقع ، وأنا عجزت عن مجاراته في مشاعره إلا علي سبيل المجاملة . وقد كان ذلك يشعره بغصة ، يخفيها جاهداً ، لم يحملني علي حبه غصباً ، أو ابتزازاً ، إلا أنه حملني علي احترامه وتقديره عن جدارة واستحقاق . والحفاظ علي شرفه وكرامته واجب مقدس عندي ، لايمس ، لا من وراء ظهره خيانة ، ولا أمام عينيه فجراً ونكراناً ، ولا بيني وبين نفسي ، لا سهواً ، ولا نسياناً . فلم أسمح لنفسي ـ منذ زواجنا ـ بأن تتجول خواطر الماضي ، وذكرياته ، في وجداني ، ولا أن يهمس بالحب لغيره قلبي ، فحدوث ذلك خيانة . ولا زلت علي ذلك العهد بيني وبين نفسي . كنت كلما ضبطت نفسي متلبسة بالعودة إلي الذكريات ، كمعاودة العلة أوالداء ، سرعان ما كنت استردها من أسرها . فإن كنت عجزت عن حبه ، فلا أقل من الحفاظ علي احترامه ، والسعي لاسعاده قدر سعيه لحبي . حتي كانت هذه الليلة التي أيقظني فيها رنين الهاتف ، نظرت إلي ساعة الحائط ، لم يكن زوجي قد عاد من العمل بعد ، رفعت السماعة :
ـ ألو
ـ ألو
ـ من حضرتك ؟
ـ أنا ..............
ـ متأسفة ، زوجي غير موجود .
ـ أنا أريدك أنت .
ـ متأسفة ، النمرة غلط .
وضعت السماعة ، مغلقة الخط ، وشعرت بدوار في رأسي ، رن الهاتف ثانية ، ترددت في رفع السماعة ، بدأ الخوف يتملكني ، والهاتف يرن في الحاح ، تسارعت دقات قلبي ، صار صوتها أعلي من صوت الرنين . قد يكون هو ، وقد يكون غيره ، لا أدري . ربما زوجي يريد إبلاغي بقضاء الليلة في العمل . مددت يدي المرتعشة ،ورفعت السماعة ، وضعتها علي أذني دون أرد . سمعت صوتاً هادئاً ، دافئاً :
ـ أنا ...............................
خدرت أنفاسه أطرافي وهو يهمس :
ـ بحبك .....................................
طوي الزمن فترة زواجي ، كأنه لم يغادرن سوي بالأمس فقط ، رحلة لم تستغرق سوي سويعات قليلة ، بعدها عاد . الخدر لا يزال يسري في أوصالي ، وكلامه يخترق مسامي ، أفقت علي قوله :
ـ أريد أن أقابلك .
ـ مستحيل . أنا سيدة متزوجة .
ـ أعرف .
ـ أحب زوجي ، ولا أفكر في أحد سواه .
ـ أنسيتني ؟.
ـ ما دونه العدم .
ـ لا أرغب في إفساد حياتك .
ـ ما تطلبه يفسد الحياة .
ـ فقط أراك قبل أن أغادر.
ـ ليس من حقك .
ـ حرمت من رؤياك حتي في الأحلام .
ـ .............................................
ـ حبك يعتصرني عصراً .
ـ ................................
ـ يطاردني طيفك في النوم واليقظة .
ـ ...........................................
ـ أعيشه مع تردد الأنفاس .
ـ ..................................
ـ في نفس المكان ، لحظات الغروب .
ـ ............................................
وضع السماعة ، وانقطع الخط ، فانقطع معه الصوت الدافيء الحنون . لقد انقطعت أنفاسي ، المشاعر المختلطة تموج بداخلي ، لقد ضربني زلزال ، شعرت بأطرافي باردة ،وجسدي يرتجف ، وأسناني تصطك بعضها ببعض ، صوته كان يرن بداخلي ، فأحيا موات السنين ، خارت قوي القاومة المتوهمة بداخلي ، كنت أظنني قد نسيته ، وتصورت أن حياتي صحراء جرداء ، لا زرع فيها ولا ماء ، فجاء صوته من بعيد ، فاهتزت وربت ، وأنبتت ما بداخلي من مشاعر واحاسيس خِلْتُها ماتت . نهضت من مرقدي ، ووقفت أمام المرآة ، فإذا بعيني زائغتين هاربتين ، فهربت منهما . انزويت في فراشي ، متلحفة بالبطانية ، تكومت محتضنة خيالي ، الذكريات تهطل علي مخيلتي بلا توقف ،تنسرب من نوافذ سحرية ، فتملأ عليَّ نفسي شجناً ، وحنيناً . سمعت صوت المفتاح وهو يدور في كالون الباب ، فأدركت أن زوجي قد عاد ، تقزمت بداخلي . نادي علي ، فلم أرد . تناومت خشية افتضاح أمري ، فقد يدرك ما حدث لو سمع صوتي ، أو نظر في عيني ، أو لمس يدي ، أو شم رائحة أنفاسي . تمدد إلي جانبي علي السرير ، أشحت بوجهي ، ووليته ظهري ، فاستسلم للأمر ، ونام . شعرت أن الكون قد نام من حولي ، ولم تنم عيني . في الصباح استيقظ زوجي ، وجدني نائمة ، أو هكذا خُيِّل له ، فطبع علي جبيني قبلة ، وارتدي ملابسه ، وانصرف إلي عمله ، فقد سمعت صوت انغلاق الباب من خلفه ، أعقبه صمت مطبق . نهضت من فراشي ، ودخلت الحمام ، وألقيت بجسدي المتعب تحت الدش ، لا أدري كم مضي من الوقت وأنا علي هذا الحال ، مستسلمة للماء ،كما أنا مستسلمة لخواطري التي لم تكف عن الذهاب والمجيء ، حول ذلك الطيف الذي هب عليَّ من عالم الغيب ، علي غير موعد . غادرت إلي المطبخ ، وأعددت طعام الإفطار ، وكوباً من الشاي يسعفني من الصداع الذي يحزِّم رأسي من أقطارها .عافت نفسي الطعام والشاي . نهضت ، وجعلت أزرع البيت جيئة وذهابا ، تشاغلت ببعض الأعمال، التي قضيتها ، وأنا شبه مغيبة عن الوجود . قبيل الغروب وجدتني أقف أمام المرآة ، أطمئن علي هندامي ، وتفاصيل ملامحي المرهقة . حملتني قدماي إلي السيارة ، وحملتني السيارة إلي ذات المكان . الشمس تميل إلي الغروب ، وقطع السحاب الحمراء الداكلنة تشيعها إلي مثواها، حيث تختفي وراء الأفق البعيد عند حافة الكون . نسمة هواء باردة ، تغزو المكان ، الخوف يملآ أقطاري ، أنظر ، أتفحص المكان ، والوجوه ، أشعر أن عيوناً بشرية تغزوني ، تخترق مسامي وعظامي ، تلوك أعصابي المنهكة . أهو إحساس المجرم المطارد ؟ . أسرعت إلي أحد الزوايا ، حيث الإضاءة الباهتة . ولَّيت ظهري للكون من خلفي . سحبت كرسياً ، وجلست ، وجعلت أحدق في اللاشيء . شرع الليل في إسدال ستائره علي الكون الرمادي ، ونبضات الساعة في يدي ، تدق عظامي ، تسحقها . أفقت من استغراقي علي راحتين ، تطوقان وجهي ، وتغلق عيناي . نهضت فزعة ، فإذا به هو ، وقد علت وجهه ابتسامة ،نفس الملامح تقريباً ، إلا أنني شعرت بأنه شخصاً غريباً . فنهرته علي فعلته بصوت حاد . حاول التحدث فكنت أقاطعه ، في محاولة لإنهاء المقابلة ، قال فلم أسمع له ، قلت له :
ـ ماذا تريد ؟
ـ أردت رؤيتك .
ـ ثم ماذا ؟
ـ لا شيء .
ـ أشم رائحة الخيانة في أنفاسي المترددة .
ـ ...................................................
ـ ليتك لا تحاول ثانية .
ـ ..............................
استدار منصرفاً دون أن ينبس بكلمة ، ناديت عليه بكياني ،إلا أن صوتي لم يغادر عتبة حلقي ، فجلست مكاني ذاهلة ، وعيناي تشيعه . ها هو قد ذهب ثانية ، أخذاً معه قلبي ، إلي خيث لا أدري.

إرسال تعليق

 
Top