GuidePedia

0

كما يقولون (سرقتنى السكينة) حتى قبلوا استقالتى رسميًا يوم 24 أبريل.. فجأة حملت لقب (القاضى السابق) وصارعليّ أن أفكر على نحو مختلف.. واجهتنى الحرية التى سعيت لها مكتملة والغريب أننى خفت مما سعيت إليه عمرًا حين ظننت أننى امتلكته.. طوال عمرى حاربت الخضوع لأى قانون.. واليوم حين استجابت لى النقطة وأنهت كل سطورى السابقة وجدتنى لا أملك أية رغبة فى فعل أى شئ.. بل وحدثت لي انتكاسة غريبة.. احتفلت يوم قبول استقالتى بعيد ميلادى الواحد والخمسين.. لا أعرف كيف أصف حالتى الآن لكنها بلا شك حالة تشبه تلك التى انتابتنى حين شعرت أننى رجل للمرة الأولى.. عيد ميلادى الثالث عشر وأول سيجارة أهداها لى جدى سرا.. كان هو الآخر يؤمن أن السجائر تجعل الرجل رجلا رغم أنه كان إنسانا حكيما.. أظننى ورثت هذا الغباء.. أنا أدخن بشراهة لم أعتدها هذه الأيام وأترقب كل كلمة جميلة من كل امرأة حتى لو كانت مجاملة من صديقة ابنتى.. هذا الصباح قالت لى فادية زوجة البواب ذات الستين عامًا: (إيه الحلاوة دى يا بيه؟.. كأنك ابن عشرين عاما).. وشعرت بسعادة وثقة غريبين.. تتزايد هذه المشاعر والتصرفات منذ أنهيت علاقتى بعالمى القديم أى منذ عشرين يومًا على نحو أخافنى وجعلنى أكره الاقتراب من زوجتى.. الغريب أن هذه المرأة تتعامل معى كما يتعامل سكان قرية مع بركان موسمى الثورة.. يبتعدون عنه حين يثور ثم يعودون كى يجنون الثروات من تربة حممه الغنية.. لذا لم تعقب بكلمة ولا فعل.. أما ابنتى فكانت منشغلة بدراستها لدرجة أنها لم تكن تلحظ وجودى صباحًا قبل أن تذهب لمدرستها.. فقد اعتادت أننى أرحل مبكرًا أو أنام لوقت متأخر حين كنت أعمل..تنظر لمرآة الكونسول المقابل لباب الشقة وتتفقد زينتها وهى تثرثر مع ميراى صديقتها فى الموبايل وتزدرد بعض البسكويت على عجل ثم ترحل لمدرستها.. أنا وحدى.. فى مساء هذا اليوم اعتذرت عن لقاء صديقيّ الشاعرين وبقية الشلة فى المقهى.. ليس بي رغبة لفعل شئ قديم.. قررت أن أصطحب سيارتى فى نزهة.. ولأن الطريق السريع عادة أكثر اتساعًا فقد أغرانى بأن أسلكه.. كان أجمل وأكثر نظافة واقل اتساعًا من كل يوم.. بعد حوالي الساعة مرت بى لوحة لقرية تُسمى (المشانيق).. تعجبت للاسم كثيرًا ووجدتنى دون وعى فى قلب الطريق الرئيسى الوحيد داخل القرية.. شعرت بسعادة اكتشاف اللعبة الأولى..لهذه القرية طراز جميل فى تصميم الأبواب الأمامية لبيوتها فى شكل مربعات متداخلة.. فيما عدا الأبواب كانت المبانى عشوائية الألوان والأشكال فى تناثرها.. فجأة رأيت شابة تركض تحمل فى يدها حقيبة سوداء "سامسونايت صغيرة" وتستغيث "الحقونى".. فلحقتها.. بعد أن استقلت السيارة إلى جوارى أدركت أن تلك الفتاة وصوت أنفاسها المتلاحقة أعميانى عما يزيد عن عشرين رجلًا يحاولان اللحاق بها ثم بيّ لمعاقبتنا.. كانت مطاردة أحادية الطرف استطعت مع الليل وخلو الطرقات أن أكون فى دقائق أربعة على الطريق السريع مرة أخرى ومعى صيد شعرت أنه ثمين جدًّا لدرجة أننى كنت أتصرف برشاقة شاب ثلاثينى فى معاملتها.. قلت سرعة تنفسها واختفى صوت الأنفاس المتلاحقة الذى كان يثيرنى.. فجأة قالت: - الحمد لله .. على فكرة أنت رجل شهم.. - أتمنى ألا أكون متورطًا فى مصيبة.. شعرت بالإهانة.. فنظرت إليّ بقرف ثم أشاحت بوجهها نحو النافذة المفتوحة تطلب المزيد من الهواء.. أشعلت سيجارة.. عرضت عليها واحدة اعتذرت بعصبية "اقلعت عن التدخين من أسبوعين يا حضرة".. ثم قالت بحدة: - على فكرة طمئن نفسك.. أنا طبيبة محترمة.. ولن يلحق بك أحد من هؤلاء المتخلفين.. - بما أننى صرت شريكًا فى جريمة لا أعرفها ومن أجلك فقط.. هل يمكن أن أعرف متى أسلم نفسى؟.. أنا مواطن شريف ولا سوابق لي والله العظيم.. - تقصد أننى وجه يبدو عليه السوابق؟!.. عمومًا معك حق.. التقطت فتاة تركض وقرية تلحق بها.. أنا الدكتورة أسرار طبيبة الوحدة الصحية لهذه القرية.. ولدت على يدي قبل ساعة الفتاة رقم 27 فى أسبوع.. ما ذنبى إن كان كل رجال هذه القرية أنجبوا فتيات حين استدعونى؟!.. ظنوا أننى السبب وقرروا معاقبتى بعلقة على ما يبدو.. - هذا النوع من البشر طيب القلب لذا يخضعون لأية كلمة يسمعونها دون أن يفكروا فيها.. حمدًا لله على سلامتك.. صدقينى أنا سعيد لأننى كنت موجودًا هنا بالصدفة.. أنا (صلاح عمران) كنت قاضيًا حتى أسبوعين مضيا.. - تقاعد؟ - الله يسامحك.. هل أبدو كبيرًا لهذه الحد؟ ضحكت ضحكة تخيلتها رنين صوت القمر.. فقلت بسعادة: - الله.. يكفينى هذه الضحكة حتى أنقذك كل يوم.. - أنا طبيبة محترمة.. لكنك ستبدو أصغر سنًا لو ربيت شاربك.. - أتعلمين متى رأيت فتاة اسمها أسرار أول مرة ؟.. فى رواية لمحمد عبد الحليم عبد الله اسمها (الجنة العذراء).. عبد الحليم معه حق يا أسرار..أين أوصلك؟ - القاهرة.. أظنه طريقك.. - ولو لم يكن طريقى لجعلته طريقى.. - تذكر أنا طبيبة محترمة.. وأنت رجل شهم.. لن يتغير الأمر عن ذلك.. أسرار طبيبة فى السابعة والثلاثين من أسرة تركت تلك القرية بعد ميلادها.. حين حصلت على بكالريوس الطب قررت أن تقدم خدمة لمكان تظنه أكثر الأماكن التى يمكنها أن تصل لها وتساعدها.. هى الطبيبة الوحيدة فى هذه القرية وأظنها الناجية الوحيدة من هذه القرية لكننى نجوت معها أيضًا.. وحتى لو كانت أسرار جنية الليل فأنا أساسًا أشك فى طبيعتى الإنسانية.. وتذكرتُ شاكر من جديد: على شفتيّ تنهيدتها أولد مرتين إنسيًا يحبو لعناق وعفريتًا يعمِّد جناحيه أولد عاشقًا حرًا
ترى كيف سأبدو بعد تربية شاربى؟. ملحوظة: هذه المذكرات خيالية تمامًا وأى تشابه بينها وبين أية تفاصيل واقعية هو أمر غير مقصود على الإطلاق وقد يقع بمحض الصدفة.

إرسال تعليق

 
Top