GuidePedia

0



أنا صلاح عمران.. عندما تخرجت من كلية الحقوق كان الجميع يتوقع أن أصبح قاضى القضاة الأشهر لأننى مع الأسف شخص يجيد اتقان كل عمل يوكل له والأهم أننى أعمل بذكاء.. هم لا يعلمون أن هذا الذكاء يجعل من أصحابه أشخاصًا مزاجيين بامتياز.. يرحل الجميع وبقى أنت وذكاءك تناقشان تفاصيل اليوم وتمارسان الحب والغضب فى نهاية كل عمل..
عندما قررت أن أكتب مذكراتى لم أجد خيرًا من اليوم الذى قدمت فيه استقالتى من سلك القضاء ليكون البداية.. لم أجد خيرًا من اليوم الذى أصبحت فيه حرًا..
ليس عيبًا أن أخضع لسلطان جمال امرأة.. بل العيب أن أكون أضعف من الاعتراف بذلك.. هى كانت صاروخًا أرضيًا جويًا.. جناية قتل زوجها بدائرة روض الفرج.. الملف الذى قدمته النيابة لم يشر لها سوى بأقوال متناثرة عن تلقيها لاتصالات تهديد تليفونية استمرت لشهر اختفى فيه الزوج حتى عُثر عليه متأثرًا بسم طويل المدى فى تأثيره فى شقة بالمعمورة ملك رجل باسم وهمى.. عندما نادى عليها الحاجب كانت ترتدى ثوبًا أسودًا قصيرًا يظهر ليونة ركبتيها الثلجيتين.. وجهها الجميل كان خاليًا تمامًا من مساحيق التجميل.. لكننى أعلم بخبرتى أن هذه المرأة ليست حزينة.. طردتها من قاعة المحكمة بحجة أن ملابسها لا تحترم هيبة الحرم القضائى.. خرجت باكية واستجبت لطلب المحامى فى تأجيل الجلسة.. أخبرت مستشارى الذى يجلس عن يمينى (إيهاب خالد) أنها قضيتى الأخيرة.. لم يعقب.. وبينما كان يوصلنى بسيارته شفقة علي من غياب عزيزتى بعد إصابتها وهى لم تتحرك بالأمس أمام بيتى فى المعادى.. قال: - إلة متى تظل متاثرًا بهن يا سيدى؟!.. (هتروح فى داهية يا ابنى).. - وهل تظن أن زوجتى لا تعرف؟!.. الأدهى أننى أظنها تسعد حين أرجع إليها بعد لقاء مع إحداهن لأنها تعلم أننى لن أتشاجر أبدًا.. هذه القضية استقالتى المتنكرة.. أنت تعلم أنها مشتركة فى قتل الرجل وأننى لن أتمكن من إرسالها للعقوبة.. - هناك ألف طريقة وطريقة لهجر القضية.. وليس لهجر صاحبتها.. - ليست المرة الأولى.. لم أخلق كى يسيطر عليّ شئ.. وهذه القواعد بدأت تمنع الحياة من مغازلتى.. - امرأة؟!.. من أجل امرأة؟!.. لا اصدق.. - بل من أجل رجل يسمى القانون.. لا يمكننى أن أتحدث باسمه أكثر.. رجل يتصارع مع الحرية كل يوم ألف مرة.. وليس ضروريًا أن هذه الحرية كانت بالأمس امرأة أو ستكون فى الغد امرأة.. - أجادلك وأعلم أنك اخترت الصواب الذى لا يليق سوى بصلاح عمران فقط.. الوحيدة التى استشرتها كانت ابنتى "هايدى" طالبة الثانوية العامة التى حاولت كثيرًا أن تقنعنى بالعدول عن الفكرة حتى أنها قالت لي بصراحة: (هناك فارق كبير بين هايدى صلاح ابنة القاضى صلاح عمران وتلك ابنة المحامى الذى سيفقد منصته).. لكننى كنت أستشيرها حتى لا يأتي يوم وتنعتنى فيه بالتجاهل.. أنا ديكتاتور كثير النقاش.. ولطالما أخبرنى جدى أن النقاش يجعلهم يظنونك قريبًا منهم حتى لو أتيت لتعلن القرار بلا صيغة الأمر فقط.. رحمه الله.. فى اليوم التالى بعد أن قدمت الاستقالة وقفت مع "عم إسماعيل" لأعطيه بعض التعليمات كى يصل بمتعلقاتى لبيتى سليمة.. ولا سيما تماثيلى الفرعونية الثمينة.. سمعت زميلين فى آخر الرواق: - وماذا تظنه فاعلًا؟ - سيعمل محاميًا للأحوال الشخصية طبعًا.. وهل يصلح صلاح لغير ذلك؟! ورغم أنهما ضحكا بقوة بعد ذلك.. ورغم أنهما صافحانى فى وفاء وحزن مصطنعين إلا أنهما أثبتا أن كلام الناس لا يقرر لك حياتك لكنه قد يشير لك نحو البداية الصحيحة لطريقك.. بحلول الواحدة صباحًا كنت أدخن الشيشة مع صديقين يكتبان الشعر (سأحدثكم عنهما لاحقًا).. اتصلت بي حسناء القضية: - بلغنى أنك استقلت بعد أن طردتنى من قاعة المحكمة.. - نعم ولكن كى أغلق الخط الآن.. والسبب الوحيد أننى لا أنظر لامرأة استهلكتها قبلًا وإن كان فى غيابها.. أغلقت الخط وانساب صوت "شاكر".. دعوتنى للفراغ فنبتت للفراغ كف ولم اسقط 
أنا لم أمت .

إرسال تعليق

 
Top