قيم راقية
2018
{الحِلْم}
إعداد وتقديم / رجاء حسين
===========
الحلقة الرابعة
مسك الختام
{حِلم الرسول صلى الله عليه وسلم}
====
مقدمة
------------
حثنا الله تعالى على الالتزام بحسن الخلق كما جاء في الآيات الكريمة بالقرآن الكريم وفي أحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – ولا شك أن الالتزام بحسن الخلق على المستوى الفردي يؤدي إلى تكوين مجتمع تسوده مكارم الأخلاق، ولا شك أيضا أن اتباع ما أمرنا به الله تعالى ورسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم – والالتزام بالقيم الراقية كالصدق والأمانة والحلم والوفاء والاحترام، واجب علينا
وسوف نتناول في حلقاتنا خلال شهر رمضان المبارك قيمة من أسمى القيم التي يمكن للإنسان أن يتحلى بها، وهي {{الحِلم}}
في الحلقات السابقة تحدثنا عن: معنى {الحلم} ولماذا يجب أن يتحلى به الإنسان؟ وكيف حثنا الإسلام على التحلي به في معاملاتنا؟ وعن علاقة الحلم باللسان، وعن كيفية تعامل الحليم مع السفهاء من الناس، ثم تعرفنا معا على أشهر من عُرفوا بالحلم،{معن بن زائدة} و {الأحنف بن قيس} واليوم مع أجمل الحكايات وأروعها نعيش دقائق معدودة مع مسك الختام حيث نعرض لبعض مظاهر الحِلم في حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم - ومع الحلقة الرابعة والأخيرة من حلقات الشهر الكريم من حلقات برنامجكم
{قيم راقية}
كونوا معنا
---------------------------------------
{مدح خلق الرسول – صلى الله عليه وسلم - في القرآن الكريم}
---------
مدح الله تعالى الرسول الكريم بقوله تعالى:
{وإنك لعلى خلق عظيم} (القلم:4)
وقال تعالى:
{فبما رحمة من اللَّه لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}
آل عمران:159
وفي ذلك تلخيص رائع لأهم ما يميز خلق الرسول– صلى الله عليه وسلم-
وهو لين الجانب حيث يعد ذلك من أسس التعامل الناجح مع الآخرين على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم الاجتماعية والثقافية وحتى الأخلاقية؛ فلا أحد يحب أن يعامَل بقسوة أو يواجَه بفظاظة؛ مهما كان من يتعامل معه كما وضحت الآية الكريمة، وأن حسن خلق الرسول وحلمه وبشاشة وجهه هي سبب رئيس في حب الناس له والتفافهم من حوله وبالتالي سماع ما يقول والإيمان به؛ وتؤكد الآية الكريمة هذا المعنى بشكل واضح تماما
-----------------------------------------------------
{العلاقة بين العلم والحِلم}
----------
إن العلاقة بين العلم والحلم هي علاقة طردية فكلما زاد حلم المعلم كلما زاد تقبل الآخرين له والاستماع له بنفوس طيبة وقلوب هادئة فكان ذلك أدعى إلى فهم ما يقول والتعلم منه وهكذا كان رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم- فكان حلمه وهدوء نفسه وقدرته الفائقة على التحكم في غضبه مفتاحا سحريا لقلوب من حوله
مهما بلغت درجة سفاهتهم وحماقتهم وسوء خلقهم، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم – القدوة الحسنة
، قال رسول الله -صلى الله عليه و آله و سلم-: «اللهم اغننى بالعلم و زيني بالحلم»
------------------------------------
{الحلم وتأثيره على الآخرين}
----------
قال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}
فمن فوائد الحلم كما نرى أنه يقلل من حقد الآخرين وعداوتهم لك فما أشبه الحلم بالإسفنجة التي تمتص غضب الآخرين وتكسب ودهم وتحول عداوتهم إلى محبة وصداقة
------------------------------
{بعض مظاهر الأذى الذي كان يتعرض له رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم-}
منذ بداية الدعوة لم يتوقف الأذى الذي كان ينال رسولنا الحبيب والذي كان له مظاهر شتى: فقد اتهم بالسحر والجنون، وكان يوجه إليه السباب من الصغار والكبار، وكان يُقابل بالسخرية والاستهزاء من الكفار وعلى رأسهم سادة قريش،
وتعرض للضرب بالحجارة من السفهاء
--------------------------------------
{كيف كان - صلى الله عليه وسلم- يقابل صنوف الأذى}
------------------
لقد كان حبيبنا -
صلى الله عليه وسلم - يعلمنا جميعا كيف نتعامل مع كل أنواع الأذى؛ فقد كان يتحلى بسعة الصدر، وبلغ في حلمه مبلغا أنه كان لا يعفو فقط عمن آذاه، بل كان يسمو بخلقه لدرجة أن يدعو له بالهداية والصلاح، ويدعو الله أن يغفر له، ويرحمه، فكان كل ذلك تحقيقا عمليا لمدح القرآن له ووصف الله تعالى له:{وإنك لعلى خلق عظيم}
-------------------------------------
{حِلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أحد علماء اليهود}
ذات يوم والرسول يجلس بين أصحابه
إذ برجل من أحبار اليهود اسمه ( زيد بن سعنه) وهو من علماء اليهود
دخل على الرسول عليه الصلاة والسلام .. واخترق صفوف أصحابه .
حتى أتى النبي عليه السلام وجذبه من مجامع ثوبه وشده شدا عنيفا
قائلا له بغلظة::
(أوفي ماعليك من الدين يامحمد .. إنكم بني هاشم قوم تماطلون في أداء الديون)
وكان الرسول عليه السلام .. قد استدان من هذا اليهودي بعض الدراهم
ولكن لم يحن موعد أداء الدين بعد ..
فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهز سيفه وقال: ائذن لي بضرب عنقه يارسول الله
فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه
مره بحسن الطلب ومرني بحسن الأداء
فقال اليهودي: والذي بعثك بالحق يامحمد ماجئت لأطلب منك دينا إنما جئت لأختبر
أخلاقك؛ فأنا أعلم أن موعد الدين لم يحن بعد ولكني قرأت جميع أوصافك في التوراة فرأيتها
كلها متحققة فيك إلا صفة واحدة لم أجربها معك .
وهي أنك حليم عند الغضب، وأن شدة الجهالة لاتزيدك إلا حلما ولقد رأيتها اليوم فيك ..
فأشهد أن لاإله إلا الله .. وأنك محمد رسول الله
وأما الدين الذي عندك فقد جعلته صدقة على فقراء المسلمين .
وقد حسن إسلام هذا اليهودي واستشهد في غزوة تبوك
---------------------------------------.
{الحِلم: هل هو ضعف أم قوة}
يخشى البعض أحيانا من التحلي بصفة الحلم لأسباب عديدة؛ أولها أنهم يعتبرونه نوعا من الضعف في مواجهة الآخرين، وإلى كل من يعتقد ذلك نهدي الحديث الشريف:
(ليس الشديد بالصُّرْعَة، انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) رواه مسلم
والصرعة تعني الرد على الآخرين بالمغالبة والضرب، ومعنى الحديث واضح في الاعتبار بالقوة النفسية وقوة التحكم في الانفعالات النفسية السلبية وأولها الغضب من الآخرين، مما يعكس قوة الإرادة لدى الشخص وهذه هي القوة الحقيقية كما عبر عنها رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام
{كيف شجعنا الرسول عليه الصلاة والسلام على التمسك بصفة الحلم}
إن الرسول وهو المعلم والقدوة يعلمنا التمسك بحسن الخلق في معاملاتنا ويشجع على ذلك قولا وعملا:
فالحلم من سنن المرسلين
قال (صلى الله عليه و آله و سلم ) خمس من سنن المرسلين، و عدَّ منها الحلم
===
والله تعالى يحب الحليم
قال - صلى الله عليه وسلم - لأحد الصحابة: ( إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله : الحلم والأناة ) متفق عليه
«ان الله يحب الحي الحليم، و يبغض الفاحش البذى
====
والحلم يبلغ بصاحبه أعلى الدرجات
«ان الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم»
والحليم يكرمه الله تعالى يوم القيامة
(من كظم غيظا وهو قادر على ان يُنْفِذَهْ، دعاه الله -عز وجل - على رؤوس الخلائق يوم القيامة، يخيره من الحور العين ما شاء
رواه أبو داود والترمذي
===
ماذا يفعل الإنسان إذا حدث له مايغيظه ويثير غضبه؟
على كل منا أن يعلم أن التسرع في إظهار الغضب وعدم السيطرة على نفسه، هو من الأخلاق المذمومة، لأسباب كثيرة؛ فربما تسرع في أمر لم يتبين حقيقته، مما يجلب له الندم، أو أنه لو كظم غيظه كان أفضل له، وقد وضع لنا الرسول الكريم بعض الحلول التي تساعدنا في التغلب على أنفسنا في تلك الحالات
جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: أوصني. فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تغضب). فأعاد الرجل السؤال وردده مرارا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- : (لا تغضب) رواه البخاري.
وعلى كل منا أن يدرب نفسه على أن يتحلى بالحلم
ويتفادى الغضب فعليه ان أحس بالغضب ان يسكت كما نصحنا الرسول الكريم،
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (اذا غضب أحدكم فليسكت) رواه أحمد.
كما يوصينا رسولنا الكريم بتغيير الوضع الذي نحن عليه، قال - صلى الله عليه وسلم:
(اذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فان ذهب عنه الغضب والا فليضطجع (ينام على جنبه أو يتكئ) رواه أبوداود وأحمد.
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم : (ألا وان الغضب جمرة في قلب ابن آدم. أما رأيتم الى حُمْرَة عينيه وانتفاخ أوداجه؟! فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض) رواه الترمذي وأحمد.
كما أن على الإنسان أن يتعود التماس الأعذار للآخرين.
فما أجمل العمل بما أمرنا ونصحنا به الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -
--------------------------------------------------
وكما ذكرنا سابقا
ولأن السفاهة من أشد ما قد يستفز الإنسان فهي باب واسع من باب التدرب على التمسك بالحلم، فالسفيه غالبا هو إنسان ناقص العقل لم تنضجه الأيام ولا يعرف للناس أقدارها وما أسهل عنده من أن يتجرأ على الآخرين بالقول البذيء والسب والتهجم بسبب وبلا سبب، وواجب العاقل أن يترفع عن مجاراته وعن الرد عليه حتى لا يكون مسافها، والمُسا فه هو من يمنح الفرصة للسفيه باستعراض قدراته في البذاءة وقبيح الكلام وذلك بالرد عليه والرد عليه هو بمثابة البنزين الذي يسكب على النار فيزيدها اشتعالا أما السكوت عنه فهو بمثابة الماء الذي يصب على النار ولا يدع لها الفرصة لتخرج ألسنتها الملتهبة وفي ذلك يقول الإمام الشافعي:
متاركة السفيه بلا جواب --- أشد على السفيه من الجواب
============================
وأخيرا وليس آخرا
كن كزهرة الياسمين ..رائحتها تريح الأعصاب وتولد شعورا بالثقة والتفاؤل ومرآها يولد شعورا بالحب والسعادة.
وإلى لقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه دمتم بكل الخير والبركة والرضا من الرحمن تقبل الله صيامكم وقيامكم ورزقكم الصحة والحلم و حسن العمل
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرق تحياتي رجاء حسين
=======================

إرسال تعليق