GuidePedia

0



عيد الربيع (شم النسيم)بقلم علي الشافعي
=======================
عيد الربيع ــ أيها السادة الكرام ــ والذي يُطلق عليه في مصر شم النسيم ، مهرجانٍ سنوي يقام في فصل الربيع ، وموروثٍ ثقافيٍ قديم ، حيث إنّه كان من أعياد الفراعنة , وهو يوم الزينة الذي ورد ذكره في القران الكريم في سورة طه ، ويحتفل بهذا العيد جميع المصريين على اختلاف طوائفهم ، حيث يهرعون الى المتنزهات والارياف بزينتهم , حاملين معهم بعض الاطعمة كالفسيخ والبيض الملون والخس والبصل والحمص , ولكل من هذه الاطعمة دلالته الخاصة . 
تعود بداية الاحتفال بعيد الربيع (شم النسيم) إلى أواخر عهد الأسرة الفرعونيّة الثالثة ، ما يقارب الخمسة آلاف عام أي نحو عام (2700 ق.م) ، ويرى عددٌ من المؤرّخين أن بداية الاحتفال بعيد الربيع تعود إلى عهد أبعد من عصر الأسر الفرعونيّة ، حيث يُعتقد أنّ الاحتفال بهذا اليوم كان معروفاً في مدينة أون (هليوبوليس) . أمّا تسمية شم النسم فتعود الكلمة الفرعونيّة (شمو)، وهي مفردة مصريّة قديمة تعني بعث الحياة ، حيث إنّ المصريين القدماء كانوا يعتقدون بأن هذا اليوم هو يوم أول الزمان , أو بداية خلق الكون والعالم , وانه ايضا يوم البعث حيث كانوا يومنون بالبعث بعد الموت . وعلى مر العصور تم تحوير الاسم حيث أضيف له اسم النسيم ، لما يمتاز به هذا الفصل من اعتدالٍ في مناخه ورقة نسماته ، وما يصاحب هذا المناخ المعتدل من خروجٍ إلى المتنزهات والحدائق والارياف , والاستمتاع بجمال وسحر الطبيعة . 
قدماء المصريين كانوا يعدون لهذا اليوم احتفالاً رسميّاً كبيراً ، حيث كان الناس يجتمعون أمام واجهة الهرم الشماليّة قبيل الغروب ليشهدوا غروبا استثنائيا للشمس ، حيث يظهر قرص الشمس وهو يميل للغروب متجهاً بشكلٍ تدريجي من قمّة الهرم ، فيبدو وكأنه يجلس فوق القمة ، وفي تلك الأثناء يحدث أمرٌ غريب إذ إن أشعة الشمس تخترق هذا الهرم ، لتظهر واجهته وكأنها انشطرت إلى نصفين ، وتنتج هذه الظاهرة عن سقوط أشعة الشمس على زاويةٍ معيّنة من الواجهة الجنوبيّة للهرم ، فتكشف الأشعة الخافتة للشمس الخط الذي يفصل مثلثي الواجهة اللذين يتبادلان الظلال والضوء، فتظهره وكأنه قد شُطر إلى نصفين . وقد توصل العالم الفلكي والرياضي البريطاني "بركتور" إلى رصد هذه الظاهرة، وتمكن من تصوير لحظة انشطار واجهة الهرم في عام 1920م ، كما استطاع العالم الفرنسي "أندريه بوشان" – في عام 1934م – تسجيل تلك الظاهرة المثيرة باستخدام الأشعة تحت الحمراء .
العديد من الامم تحتفل بهذا العيد تحت مسميات مختلفة ,عند الأشوريين البابليين ( عيد ذبح الخروف ) ، وعند الرومان ( عيد القمر )، وعند الفرس ( عيد النيروز ) وعند بني اسرائيل ( عيد الفصح ) , وكما يبدو انهم نقلوه عن قدماء المصريين ، وذلك في فترة خروجهم مع موسى ( عليه السلام ) من مصر، والذي تزامن مع احتفال المصريين ب(يوم الزينة ) كماورد في القران الكريم في سورة طه" الآية : 59 ، فقد اختار اليهود ذلك اليوم لخروجهم أثناء انشغال المصريين باحتفالهم ، فاتخذوا ذلك اليوم عيداً لهم، وقد اعتبر هذا اليوم رأس السنة العبريّة ، وأُطلق عليه اسم (عيد الفصح) وتعني الخروج أو العبور باللغة العبريّة ، احتفالاً ببداية حياةٍ جديدة بعد نجاتهم . 
أما في الدين المسيحي فقد رافق احتفالُ الاقباط بعيد القيامة ( دخول المسيح عليه السلام مدينة القدس ) احتفالَ المصريين بعيد الربيع ، فكان عيد القيامة يوم الأحد يليه مباشرةً عيد الربيع يوم الإثنين ، وسبب ارتباط عيد القيامة بعيد الربيع هو أنّ عيد الربيع كان يقع في نهاية فترة الصيام الكبير ومدته خمسة وخمسون يوماً ، والتي كانت تسبق عيد القيامة ، ولأن السمك من المأكولات المحرّمة عند المسيحيين في فترة الصوم الكبير ، وبالتالي فإن السمك يُعتبر أحد مظاهر عيد الربيع ، بناءً عليه تقرر نقل الاحتفال بهذا اليوم إلى ما بعد يوم القيامة مباشرةً ، وما زال هذا تقليداً متبعاً حتى الوقت الحاضر .
استمر الاحتفال بهذا العيد في مصر حتى بعد دخول الإسلام تقليدًا متوارثًا تتناقله الأجيال عبر الأزمان والعصور، يحمل ذات المراسم والطقوس ، وذات العادات والتقاليد التي لم يطرأ عليها أدنى تغيير منذ عصر الفراعنة وحتى الآن . رغم التغير الذى شهدته الأزمنة , وتعاقب الاجيال و العولمة والطفرة التكنولوجية ، حيث لازالت تحتفظ وتتمسك الشخصية المصرية بموروثاتها الثقافية والحضارية والفنية حتى يومنا هذا .
اعتاد المصريون في هذه المناسبة على تناول اطعمة معينة كالبيض والفسيخ المملح والخس والبصل والحمص وغيرها من أصناف الخضروات ، هذه الأطعمة لها مدلولاتها الشعبية والتاريخية ، فهذه المأكولات كانت عند الفراعنة تمثل ، الخلق والخصب والحياة ، فالبيض يرمز إلى خلق الحياة من الجماد ، وقد صوَّرت بعض (برديات منفس) الإله "بتاح" – إله الخلق عند الفراعنة - وهو يجلس على الأرض على شكل البيضة التي شكلها من الجماد ، ولذلك فإن تناول البيض – في هذه المناسبة - يبدو وكأنه إحدى الشعائر المقدسة عند قدماء المصريين، وقد كانوا ينقشون على البيض دعواتهم وأمنياتهم للعام الجديد، ويضعون البيض في سلال من سعف النخيل يعلقونها في شرفات المنازل أو في أغصان الأشجار؛ لتحظى ببركات نور الإله عند شروقه فيحقق أمنياتهم ، وقد تطورت هذه العادة فى العصر الحديث الى الاكتفاء بتلوينها بألوان زاهية فى تقليد لهذا الطقس الفرعونى .
أما الفسيخ – أو "السمك المملح" – فقد ظهر بين الأطعمة التقليدية في الاحتفال بالعيد في مع بدء الاهتمام بتقديس النيل ، وقد أظهر المصريون القدماء براعة شديدة في حفظ الأسماك وتجفيفها وصناعة الفسيخ ، وقد ذكر "هيرودوت" – المؤرخ اليوناني الذي زار مصر في القرن الخامس قبل الميلاد وكتب عنها - " أنهم كانوا يأكلون السمك المملح في أعيادهم " ، ويدعم ذلك فى عصرنا الحديث ايضا ، ومن واقع تراث الشخصية المصرية ، ان المصريين بعد انتهاء شهر الصوم " رمضان المعظم " تكون وجبتهم الاساسية فى عيد الفطر هى السمك والرنجة والسمك المملح .
كذلك كان البصل من بين الأطعمة التي حرص المصريون القدماء على تناولها في تلك المناسبة، وقد ارتبط عندهم بإرادة الحياة وقهر الموت والتغلب على المرض، فكانوا يعلقون البصل في المنازل وعلى الشرفات، كما كانوا يعلقونه حول رقابهم، ويضعونه تحت الوسائد .
والخس ايضا من النباتات المفضلة في ذلك اليوم ، وكان يُسَمَّى بالهيروغليفية "عب"، واعتبره المصريون القدماء من النباتات المقدسة، فنقشوا صورته تحت أقدام إله التناسل والانجاب عندهم .
في شم النسيم ــ دام سعدكم ــ على أنغام الطيور شدت سيدة الغناء العربي أم كلثوم بكلمات أحمد رامي ، وألحان رياض السنباطي، عام 1946:
غنى الربيع بلسان الطير رد النسيم بين الأغصان
والفجر قال يا صباح الخير يا صحبة الورد النعسان
وكذلك محمد الموجي استمد من زقزقة العصافير ألحانه ، فشدى بصوته من كلمات عبدالوهاب محمد :
زقزق العصفور صحاني قمت انا وناسي وخلاني
قمنا، شفنا بلدنا عروسة عايقة بالحسن الرباني
بالنهار ترجع من تاني سندسية يا أرض بلادي..
فيك جود النيل الهادي فيك من طيبة أجدادي.. 
طبتم وطابت اوقاتكم .
========================================

إرسال تعليق

 
Top